وبعد إسلام عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب – البطلين الجليلين – أدرك المشركون أنّ طرق التعذيب والتنكيل لا تجدي شيئا أمام الإيمان الراسخ، وهذا أجبرهم إلى التفكير عن طرق أخرى لمواجهة الدعوة. وحاولوا إيجاد صلح مع النبي صلى الله عليه وسلم بإغداق كلّ ما هو ممكن أن يكون مطلوبا له.
قال عتبة بن ربيعة - سيّد قريش- يوما، وهو في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد؟ فأُكلّمه، وأعرِض عليه أمورا لعلّه يقبل بعضَها، فنُعطيه أيّها شاء، ويكفّ عنّا؟ وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه. ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكثُرون ويزيدُون.
فقالوا: بلى، يا أبا الوليد قُم إليه، فكلِّمه، فقام إليه عتبة، حتّى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابنَ أخي، إنّك منّا حيثُ قد علمتَ من السّطة ( المنزلة الرفيعة) في العشيرة، والمكان في النسب، وإنّك قد أتيتَ قومَك بأمرٍ عظيم فرّقتَ به جماعتَهم، وسفّهتَ به أحلامهم، وعِبتَ به آلهتَهم ودينَهم، وكفرت به مَن مضى مِن آبائهم، فاسمع منّي أَعرِض عليك أمورا تنظر فيها، لعلّك تقبل منها بعضَها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قُل يا أبا الوليد أسمعُ.
قال عتبة: يا ابن أخي، إن كنتَ إنّما تريد بما جئتَ به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرُنا مالا، وإن كنتَ تريد به شرفا سوّدناك علينا، حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنتَ تريد به مُلكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطبّ، وبذلنا فيه أموالَنا حتّى نبرئك منه، فإنّه ربّما غلب التابع على الرجل حتى يُداوي منه. حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه، قال: أقد فرغتَ يا أبا الوليد؟ قال: نعم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فاسمع منّي، قال: أفعلُ، فقال : بسم الله الرحمن الرحيم. حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْلٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ... (5)
ثمّ مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه، فلمّا سمعَها منه عتبة أنصَتَ لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما، يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السّجدة منها فسجد،ثمّ قال: قد سمعتَ يا أبا الوليد ما سمعتَ، فأنتَ وذاك.
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجهِ الذي ذهب به. فلمّا جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟
قال: ورائي أنّي سمعتُ قولا، والله ما سمعتُ مثله قطّ، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة !، يا معشر قريش! أطيعوني واجعلوها بي، وخلّوا بين هذا الرجلِ وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فو اللهِ ليكوننّ لقوله الذي سمعتُ منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فمُلكه مُلككم، وعِزُّه عِزُّكم، وكنتم أسعد الناس به.
قالوا: سحرَك واللهِ يا يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.
وفي رواية أخرى أن عتبة استمع حتى جاء الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى قوله تعالى:( ÷فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) فقام مذعورا، فوضع يدَه على فمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: أنشدك الله والرحم! وذلك مخافة أن يقع النذير، وقام إلى القوم فقال ما قال.
لقد أسكَتتْ إجابةُ النبيّ ﷺ جميعَ أساليب الإغراء والتهديد من جانب المشركين. ومضمون الآيات المذكورة هي الرسالة المهمة التى نُدركها عند قراءة حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومسيرته الدعوية
هزيمة أبي جهل
فشَل جميع محاولات إغراء النبي ﷺ بالعروض المادّية لإرجاعه عن دعوته. فظنّ أبو جهل أن هذه فرصة مناسبة لاستغلال الموقف في تحريض قريش ضدّه. فقام بتنظيم خطاب أمامهم وقال:
يا معشر قريش، إنّ محمدًا قد أبَى إلّا ما ترون: من عيبِ ديننا، وشتمِ آبائنا، وتسفيهِ أحلامنا، وشتم آلهتنا، وإنّي أعاهد الله لأجلسنّ له غدا بحجر ما أطيق حملَه ، فإذا سجد في صلاته فضختُ به رأسه، فأسلِموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: والله لا نسلمك لشئ أبدا، فامض لما تريد.
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره، وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلمّا سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه حتّى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه مرعوبا، حتى قذف الحجرُ من يده، وقامت إليه رجال قريش، فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلتُ لكم البارحة، فلما دنوتُ منه عرض لي دونه فَحْلٌ من الإبل، لا والله ما رأيتُ مثل هامّته ولا مثل قصرته ولا أنيابه لَفحلٌ قطّ، فهمّ بي أن يأكلني. قال ابن إسحاق: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ذلك جبريل عليه السلام، لو دنا لأخذه.
ولم تتحقق أمنية أبي جهل، وضاعت ادعاءاته البطولية، وبمرور الأيام اتضحت شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم بمزيد من البينات، غير أن الأنانية وإنكار الحق جعلا طائفة من الناس على العداوة والبغضاء.





