تلك الأساليب من الدعايات الكاذبة وتشغيل الناس عن سماع القرآن لم تُجْدِ نفعا في كف الدعوة ، وإن مضت على ذلك أسابيعُ وشهور . وأخيرا عزموا إلى طلب أساليب أخرى ضد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه . فاجتمعوا مرة أخرى ، وبعد التشاور والتفكر اتخذوا قراراً حاسماً. وكان من أبرز القرارات أن يتولّى زعماء كلّ قبيلة تعذيب من أسلم من قبيلتهم جسديًا. كما يتولى أصحاب العبيد تعذيب مَن تحت ولايتهم من العبيد المسلمين. وكان ذلك بداية عِداءٍ شديد مخطَّطٍ ضدّ الداخلين في دين الله، خاصةً من الضعفاء والفقراء، حيث تعرّض الكثير منهم لاعتداءات وحشية دون أيّ اعتبار للقيم الإنسانية.
كان أبو جهل إذا سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة في المجتمع سعى لحطّ منزلته وشرفه في المجتمع و يقول : تركتَ دينَ أبيك ، وهو خير منك ، لنُسفهنَّ حلمك، ولنضعن شرفك ، وإن كان ذا مال وتجارة يقول له : : والله لنكسدنّ تجارتك، ولنهلكن مالَك، وإن كان فقيرا أو ضعيفا عرّضه لأشدّ التنكيل والتعذيب. و لمّا علِم أنّ عثمان بن عفان أسلم جاء عمّه يلفّه في حصير من أوراق النخيل ثم يُدخِّنه من تحته. وإنّ مصعب بن عمير لما علمت أمُّه أنّ ابنَه أسلم حرّمتْه الطعام وطردتْه من البيت، فعاش في فقر وجوع حتى بدأ جلده يتشقّق كما يتشقّق جلد الحيّة.
فكان صهيب بن سنان رضي الله عنه الرّومي يُعذَّب حتّى يفقد وعيُه من شدّة التعذيب، ولا يدرى ما يقول. وأبو فُكيهة – واسمه أفلح – مولى لبني عبد الدار، قيّدوه بالسلاسل، وألقَوه على وجهه عاريًا على الصحراء تحت الشمس، وجرّوه عبر الرمال حتى ظنّوا أنه قد مات، فتركوه، لكن أبو بكر الصديق رضي الله عنه اشتراه وأعتقه.
كانت زنيرة الرومية (رضي الله عنها) من أوائل النساء اللاتي أسلمن في مكة، وكانت جاريةً لدى بني مخزوم. بعد إسلامها، تعرضت لتعذيب شديد على يد أبي جهل، مما أدى إلى فقدانها لبصرها. ادعى المشركون أن فقدانها للبصر كان بسبب غضب اللات والعزى، لكنها رفضت هذا الادعاء، مؤكدةً أن هذه الأصنام لا تضر ولا تنفع، وأن ما حدث لها كان بقدر الله. في اليوم التالي، أعاد الله إليها بصرها، فاعتبر المسلمون ذلك معجزة إلهية، بينما اتهمها المشركون بأنها سُحرت من قبل النبي محمد ﷺ.
كانت أم عُبَيس جاريةً تعمل تحت يد الأسود بن عبد يغوث، زعيم قبيلة زهرى، وقد أسلمت في وقت مبكّر. فغضب منها سيدها وأخذ يعذبها تعذيبا شديدًا ليردّها عن دينها. وكان الأسود من ألدّ أعداء النبي ﷺ، يُظهر العداوة الشديدة للدعوة الإسلامية. وكذا أسلمت جارية لبني مؤمل من بني عديّ، فصار عمر بن الخطاب – قبل أن يسلم – يضربها بالسياط حتى يتورّم جسدها من شدة الضرب ثم يتركها قائلا: إني لم أتركك إلّا ملالة.
كانت نُهدية وابنتها من الجواري المستضعفات اللاتي كنّ تحت إمرة أحد أفراد قبيلة أبو دَار. وقد دخلتا في الإسلام في وقت مبكر، فلحق بهما من الأذى ما لحق بغيرهما من السابقين الأولين إلى الإسلام، لا سيما من العبيد والموالي. كما هو حال عامر بن فُهيرة – أحد أوائل المسلمين من الموالي –لاقى في سبيل الله اضطهادا كبيرًا ، حتى ورد في بعض الروايات أن التعذيب أثّر على قُواه الجسدية، فكان يُضرب ضربًا مبرّحًا يُفقِد وعيَه أحيانًا.
سيأتي أخبار بعض الأوائل من المسلمين الذين عُذّبوا تعذيبا شديدا بسبب إسلامهم، وكذا بيان الدور الذي قام به أبو بكر الصديق رضي الله عنه في إعتاق هؤلاء الضعفاء من الرق وتخليصهم من الاضطهادات.





