وجاء في رواية ابن اسحق : بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يطوف الكعبة جاءه الوليد بن المُغيرة، والعاص بن وائل ، والأسود بن المطلب ، وأميَّة بن خلف ، وكانوا ذوي أسنان في قومهم ، فقالوا : يا محمد! هلمّ فلنعبدْ ما تعبدُ ، وتعبدْ ما نعبدُ ، ونُشركك في أمرنا كلِّه ، فإن كان الذي جئتَ به خيرا ممّا بأيدينا كنّا قد شَرِكناكَ فيه ، وأخذنا بحظّنا منه ; وإن كان الذي بأيدينا خيرا ممّا في يديكَ كنتَ قد شَرِكتنا في أمرنا ، وأخذت منه بحظك ، فأنزل الله جوابا لذلك: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ( 1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ( 2) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ(6)
تمسّك النبي صلى الله عليه وسلم بالدقة والصرامة في مسائل العقيدة ممّا جعل فيهم الشعور بالعجز أمام موقفه صلى الله عليه وسلم الثابت الذي لا يتحرّك. ورغم ذلك- بدلًا من التراجع- رغبوا منه صلى الله عليه وسلم بعضَ التعديلات في أمر العقيدة . وفي هذا الشأن، ردّ القرآن بقوله: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [ يونس: 15].
وذكر القرآن الكريم هذا المعنى في سورة أخرى، بقوله: (وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) [الإسراء: 73-75]
أوضح النبي صلى الله عليه وسلم موقفه ورسوخه في الإيمان في مضمون آيات القرآن الكريم ، فتهدّم بسماعها جميع محاولات قريش للصلح والمهادنة في أمر الدعوة، فلما خابوا فيها طلبوا مسالك أخرى لإطفاء نور الهداية.
كان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وقد ألحقَ الأذى بالنبي ﷺ بشتّى الطرق. وذات مرّة، دعا الناس إليه: يا معشر قريش ، إنّه والله قد نزل بكم أمرٌ ما أتيتم له بحيلة بعدُ ، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم ، وأصدقَكم حديثا ، وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب ، وجاءكم بما جاءكم به ، قلتم: ساحر ، لا والله ما هو بساحر ، لقد رأينا السحرةَ ونفثَهم وعقدهم ؛ وقلتم كاهن ، لا والله ما هو بكاهن ، قد رأينا الكهنة وتخالجَهم وسمعنا سجعَهم ؛ وقلتم شاعر ، لا والله ما هو بشاعر ، قد رأينا الشعر ، وسمعنا أصنافه كلّها : هزجَه ورجزه ، وقلتم مجنون ، لا والله ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ، ولا وسوسته ، ولا تخليطه . يا معشر قريش ، فانظروا في شأنكم ، فإنّه والله لقد نزل بكم أمر عظيم .
فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا فذكّر فيه بالله ، وحذّر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله ، خلَفه في مجلسه إذا قام ، ثم قال : أنا والله يا معشر قريش ، أحسنُ حديثا منه ، فهلمّ إليّ ، فأنا أحدّثكم أحسن من حديثه. وعزّ ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى من آمنوا معه. وردّ عليه القرآن في سورة القلم: إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ،سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾، وقد قتل النضر يوم بدر .
فلمّا سمعت قريش أحاديث النضر بعثُوه ، وبعثُوا معه عُقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة ، وقالوا لهما : سَلا هُم عن محمد ، و صِفَا لهم صِفته ، وأخبِراهم بقوله ، فإنّهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علم ليس عندنا من علم ، فخرجا حتّى قدما المدينة ، فسألا أحبار يهود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وَصفا لهم أمره ، وأخبَراهم ببعض قوله ، وقالا لهم : إنّكم أهلُ التوراة ، وقد جئناكم لتُخبرونا عن صاحبنا هذا.
فقالت لهما أحبار يهود : سلُوه عن ثلاثٍ نأمركم بهنّ ، فإن أخبركم بهنّ فهو نبيّ مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل مُتقوِّل . سلُوه عن فِتية ذهبوا في الدهر الأوّل ما كان أمرهم ؛ فإنّه قد كان لهم حديث عجَب ، وسلُوه عن رجلٍ طوّافٍ قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤُه ، وسلُوه عن الرّوح ما هي ؟ فإذا أخبَركم بذلك فاتّبِعوه ، فإنّه نبيّ ، وإن لم يفعل ، فهو رجل مُتقوّل ، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم .
فأقبل النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط حتّى قدما مكة على قريش ، فقالا : يا معشر قريش! ، قد جئناكم بفصل مَا بينكم وبين محمد ، قد أخبرَنا أحبارُ يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها ، فإن أخبركم عنها فهو نبيّ ، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل ، فروا فيه رأيكم .
فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه تلك الأسئلة الثلاث،فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أُخبِركم بما سألتم عنه غدا ولم يستثن، أي لم يقل إن شاء الله، فانصرفوا عنه .
فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يحدّث الله إليه في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل، حتّى أرجف أهل مكة ، وقالوا : وَعَدَنا محمد غدا ، واليوم خمس عشرة ليلة، قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء ممّا سألناه عنه، وحتى أحزنَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مكثُ الوحي عنه ، وشقّ عليه ما يتكلّم به أهل مكة،ثمّ جاءه جبريل من الله بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبتُه إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية ، والرجل الطوّاف ، والروح، مع الأمر: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا، إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ .
وبين الله في تلك السورة عن أصحاب الكهف ، وذي القرنين الذي طاف البلاد، والروح الذي هو من أمر الله، بيانا مفصلا لا يشوبه شكّ.
يشكّل هذا المشهد صورة ناطقة تُجسّد الطريقة الفريدة التي واجه بها الإسلامُ الحوارَ والاختلافَ في الرأي.
فأيّ منظومة فكرية أخرى ارتقت إلى هذا السمو في مقارعة الحُجج بالحُجج؟ لقد تأسست دعوة النبي ﷺ منذ لحظاتها الأولى على منطق الحوار المفتوح، وعلى إعمال العقل لا على القهر والقسوة.
ولكن حين يهزم أمام الحجّة، لم يتبقَّ أمام المعارضين سوى العنف، وهو ما وقع بالفعل. فعبدَةُ الأصنام في مكة أصبحوا ميّالين إلى العنف، وشرعوا في إيذاء المؤمنين بطرق شتّى، حتى على الذين يصلّون حول الكعبة. وتعاملوا بوحشية مع من يدرسون القرآن ويستمعون إليه. والغريب أن كثيرًا من الذين آمنوا، إنما سمعوا آيات القرآن أول مرة من تلاوة النبي ﷺ أثناء صلاته، فدخلت تلك الكلمات في قلوبهم. وقد أصبحت هذه الطريقة مصدر إزعاج لا يُحتمل بالنسبة للمعارضين.
فأمر الله نبيَّه ﷺ بأن يُظهر الرحمة في تعامله مع العبيد والمستضعفين، وقال له: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء:110) وقد جاءت هذه التوجيهات لتجنُّب أذى الأعداء، وفي الوقت نفسه للحفاظ على فرصة تعلّم المؤمنين للقرآن.
لقد أثّر القرآن الكريم في قلوب المؤمنين تأثيرًا عميقًا، حتى إنهم لا يستطيعون أن يمتنعوا عن تلاوته أو الإصغاء إليه. اجتمع يوماً أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله ما سمعتْ قريشٌ من هذا القرآن يُجْهَر لها به قَطُّ، فَمَنْ رَجُلٌ يُسْمِعُهُمُوه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا، قالوا: إِنا نخشاهم عليك، إِنما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه من القوم إِن أرادوه، قال: دعوني فإِن الله سيمنَعُني. قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، حتى قام عند المقام، ثم قرأ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم رافعاً بها صوته: } الرَّحْمَنُ ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ{، قال: ثم استقبلها يقرؤها، قال: فتأمّلوه، فجعلوا يقولون: ماذا قال ابْن أُمِّ عَبْدٍ؟ قال: ثم قالوا: إِنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا إِليه، فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ، حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إِلى أصحابه، وقد أثّروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أَهْوَن منهم الآن، ولئن شئتم لَأُغَادِيَنَّهُمْ بمثلها غداً (أي آتيهم غدوة بمثل ذلك)، قالوا: لا، حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون.
لقد سجلت السيرة النبوية أنّ أوّلَ من جهر بالقرآن الكريم في مكة هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وذلك على الرغم من شدة إيذاء المشركين للمسلمين المستضعفين حينئذٍ، ومن كونه لا عشيرة له تحميه وتدافع عنه، وأنه كان نحيفاً قصيراً صغير الساقين، لكنّه رضي الله عنه أصرَّ على أن يكون أول من يجهر بالقرآن أمام قريش، فنال الفضل والشرف في ذلك.
صار تأثير القرآن محلّ نقاش عند المشركين، فباتوا يستمعون إليه سرّا. مرة ، خرج أبو سفيان وأبو جهل والأخنس بن شريق ليلة ليستمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يصلّي من الليل في بيته ، فأخذ كلّ رجل منهم مجلسا يستمع فيه ، وكلّ لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرّقوا، فجمَعهم الطريقُ ، فتلاوموا ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا ، فلو رآكم بعضُ سفهائكم لأوقعتم في نفسه شكّا ، ثم انصرفوا .





