هل تعرفون قصة منبرِ النبي ﷺ؟ كان عليه الصلاة والسلام يلقي الخطبةَ وهو يستند إلى جذعِ نخلة. وعندما علمت إحدى النساءُ من الأنصار بذلك، اقتربت من النبي ﷺ وقالت: ألا أصنع لك منبراً تجلس عليه؟ فإن عندي غلاماً نجاراً. فوافق النبيُّ، وصنع لها الغلامُ منبراً من ثلاث درجات؛ درجتان للصعود والثالثة للجلوس.
عندما ترك النبي ﷺ الجذعَ الذي كان يستند إليه وانتقل إلى المنبرِ الجديد، بدأ الجذعُ يئن ويحن كما تحن الناقةُ التي فقدت ولدَها. ارتعش صوتُ الأنين حتى سمعه كل من كان في المسجد. هذه الواقعةُ نُقِلَتْ عبر روايات عديدة. وعندما سمع النبيُّ أنين الشوق، احتضن الجذعَ وواساه حتى هدأ. وقال ﷺ: لو لم أحتضنه، لظل يئن إلى يوم القيامة.
وتذكر بعض الروايات تفاصيلَ لافتة؛ حيث سأل النبيُّ الشجرةَ: ماذا تريدين؟ أتحبين أن أُعِيدَكِ إلى الأرض فتكوني نخلةً مثمرة كما كنتِ؟ أم تحبين أن تُغْرَسِي في الجنة فيأكل المؤمنونُ من ثمارك؟ فاختار الجذعُ أن يكون في الجنة.
هنا أود أن ألفت انتباهَكم إلى نقطة يغفل عنها الكثيرون. من الذي قدم المقترحَ لصناعة المنبر؟ ومن الذي تولى تنفيذ المهمةِ؟ إنها امرأةٌ! فهل تمتعت المرأةُ بحرية الرأي في الإسلام؟ وهل كان لها دورٌ إيجابي في المشهد الاجتماعي والثقافي؟
نعم، لقد كان ذلك واقعاً. فقد احترم النبيُّ آرأء النساء وأتاح لهن المجالَ للإبداع. ويحكي عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه عن هذا التغيير قائلاً: كنا في الجاهلية لا نعد النساءَ شيئاً، حتى أنزل اللهُ فيهن ما أنزل وقسم لهن من الحقوق ما قسم. وبينما كنت يوماً أدبر أمراً، إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا وكذا لكان أفضل. فغضبتُ وقلت لها: وما شأنكِ أنتِ فيما أريد؟ فقالت: عجباً لك يا ابن الخطاب، لا تريد أن تُرَاجَعَ، وإن ابنتَك تُرَاجِعُ النبيَّ ﷺ وتجادله أحياناً!
فانطلق عمرُ فوراً إلى ابنته حفصة وسألها: أتقومين بمجادلة النبي ﷺ وطلب أشياءَ قد تغضبه؟ فقالت حفصةُ: إي والله، إنا لنفعل ذلك. هكذا صنع الإسلامُ مجتمعاً يقدر الكلمةَ ويحترم العقلَ، بعد أن كانت المرأةُ تُعامل كالمتاع، فأصبح لها صوتٌ يُسمع ورأيٌ يُحترم.
هذا مشهدٌ رائعٌ آخر؛ حيث جاءت أسماءُ بنتُ عميس زوجة جعفر بن أبي طالب لزيارة حفصةَ بنتِ عمر. وعندما دخل عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه، رأى أسماءَ فسأل: من هذه؟ فقيل: أسماءُ بنتُ عميس. فقال عمرُ: أهذه الحبشيةُ البحرية؟ يقصد الذين هاجروا إلى الحبشة عبر البحر. قالت: نعم. فقال عمرُ: لقد سبقناكم بالهجرة، فنحن أحقُّ برسول الله ﷺ منكم. لأن أسماءَ ومن معها وصلوا مديينةَ متأخرين.
لم يرق هذا الكلامُ لأسماءَ، فقالت بحزم: كلا والله، كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعَكم ويعظ جاهلَكم، وكنا في أرض البعداء البغضاء، وذلك في الله وفي رسوله. وايمُ الله، لا أطعمُ طعاماً ولا أشربُ شراباً حتى أذكرَ ما قلتَ للنبي ﷺ. لقد كنا نُؤْذَى ونُخَافُ. فلما جاء النبيُّ ﷺ، ذَكَرَتْ أسماءُ للنبي ﷺ ما قاله عمرُ. فسأل ﷺ: فماذا قلتِ له؟ فَشَرَحَتْ له الردَّ. فقال النبي ﷺ لأسماءَ: ليس هو بأحقَّ بي منكم، له ولأصحابه هجرةٌ واحدةٌ، ولكم أنتم أهلَ السفينة هجرتان؛ هجرةٌ إلى الحبشة وهجرةٌ إلى المدينة.
هنا نرى النبيَّ ﷺ يَنْصُرُ وجهةَ نظر المرأة لأنها كانت محقةً. من أين استمدت هذه المرأةُ الشجاعةَ لتقف أمام قائدٍ مثلِ عمرَ وتدافعَ عن حقها في محكمة الرسول ﷺ؟ لقد كانت النساءُ في عهد النبي ﷺ عابداتٍ لله، يمتلكن وعياً بذواتهن، ولهن آراءٌ ومواقفُ وحقوقٌ يُعْتَرَفُ بها.
انظر أيضاً إلى النبي ﷺ وهو يستشير زوجتَه في أحلك الظروف ويأخذُ برأيها. فبعد صلح الحديبية، كانت الشروطُ تبدو في ظاهرها ضد مصلحة المسلمين. أمر النبي ﷺ الصحابةَ قائلاً: قوموا فانحروا ثم احلقوا. كرر النبيُّ الأمرَ ثلاث مرات، ولكن لم يقم منهم أحدٌ؛ فقد كانوا تحت تأثير صدمة شروط الصلح.
دخل النبي ﷺ على زوجته أمِّ سلمةَ حزيناً، فَقَالَتْ أمُّ سلمةَ: يا نبي الله، اخرج ولا تكلم أحداً منهم كلمةً حتى تنحرَ بُدْنَكَ وتدعو حلاقَك فيحلقَ رأسَك. ففعل النبي ﷺ ذلك. فلما رأى الصحابةُ فِعْلَ النبي ﷺ، قاموا مسرعين فنحروا وحلق بعضهم لبعض. وهكذا استطاعت امرأةٌ بحكمتها ورأيها أن تُدَبِّرَ موقفاً عجز عن استيعابه ألفٌ وخمسمئةِ رجلٍ!
ولم يتوقف الأمرُ عند هذا الحد، بل طالبت النساءُ بمجالسَ خاصةٍ لمناقشة شؤونهن؛ فقد يمنعهن الحياءُ من طرح بعض الأسئلة في مجالس الرجال. قلن للنبي ﷺ: قد غلبنا عليك الرجالُ، فاجعل لنا يوماً من نفسك. فحدد النبي ﷺ لهن يوماً، ووعدهن فيه ووعظهن. وكان من جملة ما قاله النبي ﷺ: ما منكن امرأةٌ تُقَدِّمُ ثلاثةً من ولدها إلا كانوا لها حجاباً من النار. فسألت امرأةٌ: واثنين؟ فقال ﷺ: واثنين. وكان ذلك في وقتٍ كثر فيه موتُ الأطفالِ في المدينة بسبب الأوبئة، فكان كلامُ النبي ﷺ بَلْسَماً يواسي الأمَّهاتِ المكلوماتِ.




