يا والدي ! لماذا تذهب إلى ماكينة الصراف الآلي كل جمعة قبل الذهاب إلى المسجد؟ سألنى ابني الصغير...
اليوم هو يوم الجمعة. يومٌ معظم عند المسلمين. يعدّ المسلمون صلاة الجمعة حجّ الفقراء والمساكين وعيدا للمؤمنين. في يوم الجمعة، يبدأ المؤمنون استعدادا للذهاب إلى المسجد في الصباح الباكرلأداء الجمعة. يقلمون أظافرهم، ويقصون شواربهم، ويزيلون ما يضرهم من الشعر ، ويحلقون إبطهم، وينظفون منازلهم وما يحيط بها، ويستحمون، ويرتدون أجمل الملابس، ويتطيبون....
بعد هذه الاستعدادات الرائعة، يسير الرجال إلى المسجد. وفي الطريق يقومون بإزالة الأذى عن الطريق من أحجار أو أشواك أو أخشاب. وإذا رأوا شخصًا عاجزًا أو أعمى ، ساعدوه حسب استطاعتهم، وهكذا...
لماذا يقوم المسلمون بهذه؟ والجواب هكذا علّمهم نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم وطبقها في حياته.وأرشد الناس كيف يجب أن يكون كل حركة وخطوة في حياتهم.
ألا يُدهشك أن ملايين من الناس حول العالم يُصغون إلى حركات وسكنات رجلٍ توفي قبل أربعة عشر قرنًا يعنى إلى أقواله وأعماله وتقريراته؟ وهذا الاتباع التام في كل شيء كان يقلق بعض المشركين حتى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
عن سلمان الفارسي قال: قيل له: قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة! قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم. وفي لفظ آخر عنه قال: قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يعلّمكم، حتى يعلّمكم الخراءة! فقال: أجل، إنّه نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة، ونهى عن الروث والعظام، وقال: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار.
نعم! شخص واحد يتحكم على عشرات الملايين من الناس في غرفهمللنوم، وحماماتهم، ومساجدهم، ومدارسهم،وأسواقهم، وملاعبهم، حتى أن سياستهم وأخلاقهم وشمائلهم وحياتهم الزوجية والاجتماعية كلها تدور تحت حكم رجل واحد! ومن العجيب ، أن هذا الرجل ليس شخصا يعيش الآن في العالم ، بل توفي عنا قبل أربعة عشر قرنا ، أليس هذا مدهشا!
ومن لا يعرف النبي، يسعى لمعرفة حياته بإمعان. فيفهم تعليماته في كل جانب من جوانب حياته، ويحاول اتباعه. أحيانًا يختلف الناس حول منهج النبي في مسألة ما. يوجهون وجهات نظر مختلفة ، لكن التركيز لا يتغير. هدف الجميع هو ذلك النبي المتبع.
بدأنا بالحديث عن يوم الجمعة. النظافة والترتيب ليسا من وظائف يوم الجمعة فجسب، بل عادة متبعة في جميع مجال حياة المؤمن. قال النبي صلى الله عليه وسلم: الطهر نصف الإيمان. وقال/ من نام متوضئاً، كان فراشه له مسجداً، ونومه له صلاة حتى يصبح، ومن نام على غير وضوء، كان فراشه له قبراً، وكان كالجيفة حتى يصبح.
نصح النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسل يديه ثلاث مرات بعد استيقاظه من النوم. والسبب الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لهذا معقول و جدير بأن نفكر: فهو لا يدري أين باتت يداه أثناء النوم. ماذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا التصريح؟ ألا يكون احتمال انتشار جراثيم الأمراض في يديه!
عدّ النبي صلى الله عليه وسلم في حديث واحد عشرة دروس للنظافة . ويضاف إلى ذلك تعليماته وإرشاداتهفي تنظيف البيت وفناءه من شبكات العنكبوت، وتمشيط الشعر، وغسل الملابس، وتنظيف اللثة والأسنان.
فتخيل، أن هناك من يرافقك من الفجر إلى الغسق وإنه يخبرك باستمرار و يرشدك: أن افعل هكذا ، و لا تفعلهكذا... . هل وجدتم في الدنيا مثل هذا الزعيم زعيما آخر؟ هل تظن أن سيكون هناك زعيم آخر في المستقبل مثله ؟ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وضع حدا على كل عمل يقوم به البشر.
لننتقل إلى يوم الجمعة نفسه السابق ذكره . لا يقوم المسلمون بتنظيف أسنانهم وغسل أيديهم وأبدانهم على أنه مجرد تنظيف، بل يَعدّون ذلك عبادة، لها فائدة عظيمة في الدنيا والآخرة. ففي يوم الجمعة، يزداد الثواب، ويُجزى جميع الأعمال الصالحة في الأيام المباركة أضعافا مضاعفة، وخاصةً يوم الجمعة.
عند وصولك إلى المسجد، يمكنك الاستمتاع بجمال الاجتماع والتحاشد. فجميع المؤمنين وصلوا إلى المسجد للجمعة والجماعة. يجلسون في صفوف ويتلون القرآن. الصفوف الأمامية تتمّ أولاً، ثم الثاني حتى الآخر، وذلك لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبادر المسلم إلى الجمعة مبكرا ويجلس في الصف الأول فالأول، كما وعد بأجور عظيمة علي ذلك.
أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أيضا ألا يجلس المرء بين اثنين بتفريقهما، ولا يتخطى مناكبهما. كما ورد في الحديث أن الملائكة ينتظرون لدى أبواب المسجد لتسجيل حضور المصلين. وبعد بدء صلاة الجمعة، يطوي الملائكة صحفهمويستمعون إلى الخطبة.
إذا دخلت في بعض المساجد من الباب الرئيسي، سترى أولادًا يحملون زجاجات الماء في الصيف. سيقولون: السلام عليكم ويمدون أيديهم للمصافحة. ثم يسألون: هل تريد ماءً؟ إنه ليس للبيع. لقد علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن السقاء من فضائل الأعمال. عملا بهذا الخبر يشتري الأغنياء زجاجات الماء ويوزعونها بين المصلين أويسلمونهالدى الصبيان ليوزعوها على الناس. ومن هذه العادة الحسنة يتعود الصغار أيضا نفسية مساعدة المحتاجين في بقية أيامهم. ولعل هذه العادة هي سبب اهتمام المسلمين بالجود والصدقة . ولا يترددون في مساعدة المحتاجين بما يتوفرلديهم.
كم ذكر النبي الكريم عن السلام والمصافحة ! عندما يتصافح المؤمنان، تسقط خطاياهما كما تتساقط أوراق الشجر.
لا ينبغي لأحد معاملة الأطفال كما يتعاملرجال الشرطة للمجرمين. نرىفي حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم نماذج كثيرة كريمةٌ في تربية الأطفال والمداعبة معهم وتثقيفهم.
فلنرجع إلى سؤال الولد لوالده الذي ذكر في البداية. سنرى في بعض الأحيان في أبواب المساجد أو خارجها بعض الفقراء والمساكين أو المحتاجين والمتضررين. وقد أتوا من جهات نائية يطلبون المساعدة، والذين أتوا في المسجد للصلاة يقومون بإعطاءهم بما وسعهم من الأموال، ربما تجد في بعض الأحيان عندما تجلس في الصف دلوا يمر بين الجالسين، وهذا صندوق للإنفاقه في تعمير المسجد ورواتب العاملين، وكما ترى في بعض الأيام يقوم الخطيب بعد آداء الجمعة بقوله: أيها المؤمنون قد جاء هنا رجل من بلد قريب يطلب مساعدة لبناء داره أو تزيج بناته أو لعلاج مرضه، فليقم كل واحد منكم بإلقاء ما لديه في رداء مفروش آخر المسجد.
فالمؤمن الذي جاء إلى المسجد لأداء الجمعة أو الجماعة يدلى يده إلى جيبه لمساعدة هؤلاء المنكوبين والمتضررين بلا كلفة ولا شح، لما أنه اتخذ عادة مد يد العون إلى المحتاجين من إرشادات النبي صلى الله عليه وسلم وتعليماته.
فبذلك، لا يخرج مؤمن إلى المسجد إلا وقصد شيئا من النقود والأوراق المالية في جيبه إلى هذه الجهة الخيرية، ولم يجد في جيبه فيسرع إلى الصراف الآلي ليحصل منه ما يطلب ويرى فيه الراحة والطمأنينة لنفسه.فإن نبيه صلى الله عليه وسلم أمره بأجر عظيم في صدقة يوم الجمعة على بقية الأيام.




