فلنتعرّف أولا على نبيٍّ من أنبياء الله، إنّه النبي صالح عليه السلام. (النبي هو رسول من عند الله، يُبلِّغ رسالته إلى عباده). ولم يكن صالح عليه السلام وحده نبيًّا من أنبياء الله، بل أرسل الله أنبياء كثيرين إلى أمم شتّى. كما ينبغي أن يعرف بأنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس مؤسسُ الإسلام كما يظنّ من لا يعرف الحقيقة، بل هو رسول الله إلى الناس كافة، أرسله ربّ العالمين الذي خلقَ هذا الكونَ ويدبّر أمره. ولم يرسل الله رسولًا واحدًا فقط، بل بعث في الأمم آلافًا من الأنبياء والمرسلين، كلٌّ منهم دعا قومه إلى توحيد الله وعبادته وحده.
ومن تأمل بعقله وجد أنّ لهذا الكون خالقًا واحدًا لا ريب فيه؛ فالنظام البديع والاتساق الدقيق يدلّان على حكمة مدبِّرٍ عظيم. ولكنّ الله، جلّ جلاله، لم يترك الإنسان لعقله وحده، بل أرسل الرسل ليعرّفوا الناس بخالقهم، ويبيّنوا لهم لماذا خُلقوا، وكيف يعيشون على هدى من الله، وبأيّ القيم ينبغي أن يقوم مجتمعهم ليكون قائمًا على العدل والتكافل وصلاح الأرض.
فالرسل جاءوا ليعلّموا الإنسان كيف يعبد ربّه، وكيف يكون عبدًا صالحًا في الأرض، وكيف يتحقّق الأمن والسكينة من غير حاجة إلى رقابةٍ بشريةٍ أو قهرٍ خارجي، لأن الإيمان الحقّ يجعل القلب هو الرقيب. لقد أوحى الله إلى الأنبياء بالرسالة الإلهية ليعلّمون الناس. مَن هو الله تعالى؟ ولماذا خَلقَهم؟ وكيف يعبدُونه؟وما الخير الذي ينالونه بعبادته؟ وما العاقبة إن أعرضوه عن أمره؟ تلك هي الأسئلة التي أجاب عنها الأنبياء في كلّ زمان، فبيّنوا أن الله وحده هو الخالق الرّازق المدبّر، وأنّه لا يجوز أقصى غاية الخضوع والتذلل ، ولا أي لونٍ من العبادة إلا له سبحانه وتعالى. وكذا علّم الأنبياءُ ما يحتاج الإنسان إليه في دينه ودنياه وفي حياته وبعد مماته.
يسأل بعض الناس: لماذا يحتاج الإنسان إلى التشريعات؟ ألا تعيش الحيوانات كلّها بسعادة هنا؟ أليس لها قوانينها الخاصة؟ فإنّ الحيوانات لا تلبس ، ولا تحتاج إلى مراحيض أو حمّامات، ولا تقيّد طعامها أو شرابها، فتأكل ما تشاء، وتتعاشر مع من تشاء، وليس لها مدارس، ولا حكومات، ولا محاكم!
إذا كان الإنسان بحاجة إلى التشريع، فمن يصنع هذه القوانين؟ لا يمكن القول إن البشر وحدَهم يستطيعون ذلك. فالإنسان يختلف عن الحيوانات؛ فهو يمتلك العقل والإرادة والميول، وعلاقاته الاجتماعية وثروته وزواجه كلها مرتبطة بالاختيار الحرّ. ولذلك، تظهر الأخطاء والجرائم والظلم. لذا فإن الإنسان يحتاج إلى القوانين لتنظيم حياته وضمان حقوق الآخرين، والحفاظ على العدالة والمساواة والأمن، وترسيخ الثقة والمودة بين الناس.
الناس أصناف شتّى: رجال ونساء، صغار وشيوخ، عمّال وأرباب عمل، أغنياء وفقراء. هم مختلفون في صورهم وأحوالهم، وتتنوع بلدانهم وثقافاتهم وعصورهم. فمن ذا الذي يضع القوانين لكل هؤلاء؟ وبأي حقٍّ يضع إنسانٌ قانونًا لإنسانٍ آخر؟ وهل يجب على أحدٍ أن يقبل ما وضعه غيره من القوانين؟ وإن قبِلَه، فهل تكون تلك القوانين مرضيّة لدى الجميع؟
فليس من وسع الإنسان وضع قوانين شاملة وراضية فيما يتعلق بأمور الآخرين، لأنّ الإنسان أجناس، يعيشون في مختلف البيئات والأوضاع والبلاد والمراحل والحالات النفسية. إذن، هل يملك الإنسان أن يقرّر كلّ شيء في شأن نفسه؟ هل له أن يختار ما يلبس، وما يعمل، وما يأكل ويشرب دون قيدٍ أو ضابط؟
الجواب: لا. ولِمَ لا؟ لأنّ الإنسان لا يملك جسدَه مِلكًا مطلقًا. وليس مجيئه إلى هذه الدنيا بمطلق إرادته، وليس من اختياره شكلُه ولونُه وأعضاءه .... ، ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه ما يصيبه من مرض وعطش وجوع وموت إذا أراد، فكلّ ذلك خارج عن إرادته. إذن، فالقول: «جسدي هو من اختياري (My body is my choice) قولٌ باطل في جوهره، لأنّ الجسد ليس مِلكًا لصاحبه، بل هو أمانة أودعها الله في يده، ليبتليه كيف يتصرّف فيها. ليس لنا أن نضع لأنفسنا القوانين المطلقة، ولا أن نخضع لقوانين يضعها بشر مثلنا،بل الحقّ في التشريع لله وحده، هو الذي خلق الإنسان، وهو أعلم بما يُصلحه وما يُفسده.
فالله وحده هو الحاكم في أمره: «افعل» أو«لا تفعل» — لأنّه الخالق، ونحن المخلوقون. ومن أطاعه نجا وسَعِد، ومن أعرض عنه ضلّ وشقيّ.
من هو الذي يحدّد كيفية استعمال سيارة اشتريتها ؟ المستخدم أم الصانع؟ وهنا أدوات كثيرة نستخدمها في حياتنا اليومية — صغيرةً كانت أو كبيرة — لها دليلُ استعمالٍ (User Manual) يبيّن كيف تُستعمل، وما يجب تجنّبه، وما الذي يُفسدها أو يُعطّلها. فمن الذي يكتب ذلك الدليل؟ إنّه الذي صنعها، لأنه وحده يعلم دقائق تركيبها وأسرار عملها.
فعلى هذا المثال، إذا كانت الشركة المصنّعة للسيارة تخبرنا عن أيّ وقودٍ ينبغي أن نستخدم، فهي تقول لنا مثلًا: لا تضعوا الكيروسين في محرّك الديزل، ولا تخلطوا الوقود بالحموض أو القلويات، لأنها تُتلف المحرّك وتدمّره.
كذلك الأمر مع الإنسان؛ فخالق الإنسان هو أعلم بما يصلحه وما يفسده، من المطعم والملبس والمسكن وغيرها.
ولذلك أنزل لنا دليل الحياة الإلهي — القرآن الكريم، كتاب الهداية الذي يوجّه هذا الكائن العجيب المسمّى بالإنسان، ليعيش في انسجامٍ مع فطرته التي خلقه الله عليها. فالقرآن حرّم الخمر لأنه يُتلف الجسد والعقل والروح. ولا أحد اليوم يجهل ضررها على البدن والعقل، لكنّ الإسلام هو الدين الوحيد الذي حظرها تحريمًا قاطعًا بلا استثناء، لأنّه منهج صادر عن العليم الخبير.
فهل يمكن أن نعدَّ دليل استخدام يبيح ما يدمّر الآلة دليلًا موثوقًا؟ كلّا، إنّ هذا القول كمن يزعم أن في وسعك أن تضع شيئًا من الحامض في خزّان وقود سيارتك دون ضرر!
وكذلك شأن الإنسان: لا يضع له القوانين إلا مَن صنعه وخلقه من العدم، فهو وحده الذي يعلم ما ينفعه وما يضرّه، وما يقرّبه إلى كماله وما يوقعه في هلاكه. ولذلك، فمن حقّ الله تعالى تشريع القوانين والأحكام في مخلوقاته. وهو الذي بيّن للناس أوامره ونواهيه على ألسنة أنبيائه، فقال لهم كيف يلبسون، وكيف يعيشون، وماذا يأكلون ويجتنبون، كلّ ذلك لا يقيّد حريّتهم، بل يحفظ أجسادهم وأرواحهم، ليحيَوا حياةً طيّبة في الدنيا، ويُرزقوا رضوان الله في الآخرة.
من طبيعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يكونوا صادقين أمناء؛ فالكذب لا يليق بمن اختارهم الله لحمل رسالته إلى خلقه. فلو كذب النبي قبل البعثة أو بعدها، لاهتزّت ثقة الناس في كلامه، ولسقطت حجّة الدعوة من أساسها. لذلك كان الصدق ركيزة من ركائز النبوّة، والأمانة سمة لازمة لشخصية كلّ نبيٍّ من أنبياء الله.
كما أنّهم كانوا معصومين من الذنوب والمعاصي، فلا يقع منهم ما يُنقص مكانتهم أو يقدح في قدوتهم،
إذ لا يليق بمن يدعو الناس إلى ترك المعصية أن يكون واقعًا فيها، ولا بمن ينهى عن الشرّ أن يُتَّهم بفعله،
فحماهم الله بعصمته، وجعلهم أطهر الناس سريرةً وسلوكًا، ليكونوا قدوةً خالصةً لأممهم.
وكانوا كذلك أكمل الناس عقلًا وفهمًا، فالنبوّة أمانة عظيمة تحتاج إلى وعيٍ راجحٍ، وفكرٍ ثاقبٍ، وصبرٍ جميلٍ،
ليقوموا بواجب التبليغ والتعليم والهداية على أكمل وجه. ومع كمالهم البشري، فهم بشرٌ كسائر الناس،
يجوعون ويعطشون، يمرضون ويتعبون، لكن الله صانهم من كلّ ما يُنفر الخَلق منهم أو يُعيقهم عن أداء رسالتهم، فلا يصيبهم ما يشينُ مقام النبوّة أو يُضعف أثرها في القلوب.
وقد اختار الله الرجال من بين البشر ليكونوا أنبياءه ورسله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِم﴾ [يوسف: 109]. فمهمّة النبوّة تتطلّب قوّة وصبرًا وخروجًا إلى ميادين الحياة والدعوة والجهاد،
وذلك ممّا تقتضيه طبيعة الرسالة التي حمّلوها.
وأوّل البشر كان آدم عليه السلام،وهو كذلك أوّل نبيٍّ من أنبياء الله. وأمّا خاتمهم فهو محمد ﷺ، الذي بُعث للناس كافة، فانقطعت النبوّة ببعثته، واكتمل الدين برسالته، فلا نبيَّ بعده إلى يوم القيامة. وقد ورد في حديثٍ شريفٍ رواه البخاري ومسلم:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:لاقال رسول الله ﷺ: إنَّ مثَلي ومثلَ الأنبياء من قبلي، كمثلِ رجلٍ بنى بيتًا فأحسنه وأجمَله، إلا موضعَ لبِنةٍ من زاويةٍ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلّا وُضِعَتْ هذه اللبِنة؟
قال ﷺ: فأنا اللبِنة، وأنا خاتم النبيين». فصلى الله على محمدٍ النبي الأمين، الذي اكتمل به بناء النبوّة، وتمّ به نور الهداية للعالمين.
لقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم خمسةً وعشرين نبيًّا بأسمائهم الكريمة، لكنّه سبحانه أخبرنا أيضًا أن هناك أنبياء آخرين لم يُذكروا في الكتاب العزيز، فقال جلّ شأنه:﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: 164].
فالأنبياء 25 الذين وردت أسماؤهم صراحة في القرآن الكريم، هم:
- آدم عليه السلام
- إدريس عليه السلام
- نوح عليه السلام
- هود عليه السلام
- صالح عليه السلام
- إبراهيم عليه السلام
- لوط عليه السلام
- إسماعيل عليه السلام
- إسحاق عليه السلام
- يعقوب عليه السلام
- يوسف عليه السلام
- أيوب عليه السلام
- شعيب عليه السلام
- هارون عليه السلام
- موسى عليه السلام
- اليسع عليه السلام
- ذو الكفل عليه السلام
- داود عليه السلام
- سليمان عليه السلام
- إلياس عليه السلام
- يونس عليه السلام
- زكريا عليه السلام
- يحيى عليه السلام
- عيسى عليه السلام
- خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم
ومن اللافت أن موسى عليه السلام هو أكثر الأنبياء ذكرًا في القرآن، إذ ورد اسمه 136 مرة، ويليه عيسى عليه السلام الذي ورد ذكره 78 مرة، أما النبيّ محمد ﷺ فقد جاء اسمه تصريحًا أربع مرات فقط، رغم أنه خاتم الأنبياء وسيد المرسلين.
وهذا يدلّ على سَعة نظرة الإسلام وشموله إلى الأنبياء السابقين، فالإيمان بالأنبياء في الإسلام لا يقتصر على نبيٍّ أو أمةٍ بعينها، بل يشمل جميع من أرسلهم الله لهداية البشرية، مهما اختلفت أقوامهم أو لغاتهم أو عصورهم.
فالقرآن الكريم أقرّ نبوّة الأنبياء الذين تُقدّسهم الديانات الأخرى — كإبراهيم وموسى وعيسى — لكنّه نزّههم عن أن يكونوا آلهة أو أبناءَ إلهٍ أو وسطاءَ للغفران، بل عرّفهم بأنهم عبادٌ مكرمون اصطفاهم الله لتبليغ رسالته، كما قال سبحانه:﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [المائدة: 75]. فجميعهم، من آدم إلى محمدٍ ﷺ، رسل الله إلى خلقه، دعاة إلى التوحيد، وهداة إلى النور، ليسوا آلهةً ولا أربابًا، بل عبادٌ صدّيقون بلّغوا عن الله ما أُمروا به، فاستحقّوا الخلود في الذكر والثناء في الدنيا، والكرامة في الآخرة.
نعم، كما أخبرنا القرآن الكريم، فإن آدم عليه السلام هو أبو البشر، أول إنسانٍ خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته. ومن نسله تتابعت الأجيال حتى جاء إدريس عليه السلام، وهو الجدّ الأعلى للنبي نوح عليه السلام، كما ورد في بعض الآثار المروية في الصحيحين.
وقد قصّ الله علينا في القرآن الكريم قصة نوحٍ عليه السلام في مواضع كثيرة، فهو من أولي العزم من الرسل، دعا قومه إلى الله تسعمئةٍ وخمسين سنة، ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارًا، فما آمن معه إلا قليل.
ولم يكن قومه يعرضون عنه فحسب، بل سخروا منه واستهزؤوا به، وقالوا ما لا يليق بشأن نبيٍّ كريم، حتى إذا ضاق صدره من عنادهم، فرفع أكفّ الدعاء إلى ربّه، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: 26]. فاستجاب الله له، وأوحى إليه أن يصنع الفلك، فجعل يصنعها بأمر الله، وقومه يمرّون به فيسخرون،
حتى جاء أمر الله، فانفجرت العيون، وفاضت السماء بمائها، وغرقت الأرض بمن فيها، ونجّى الله نوحًا ومن آمن معه في السفينة، فكانت آية للعالمين.
ومن نسل سام بن نوح جاء هود عليه السلام، الذي أُرسل إلى قوم عاد في الأحقاف،وكانوا ذوي قوةٍ وبطشٍ، فدعاهم إلى عبادة الله وحده وترك الجبروت، فكذبوه فأهلكهم الله بريحٍ صرصرٍ عاتية. ثم جاء من نسل سام أيضًا صالح عليه السلام، أُرسل إلى قوم ثمود، فطلبوا منه آيةً حسّيةً ليثبت صدق نبوّته،فقالوا له : أخرج لنا ناقةً حاملاً من هذه الصخرة العظيمة، فدعا ربَّه، فانشقّت الصخرة وخرجت منها الناقة آيةً باهرة، لكنّ القوم بغَوا وظلموا، فعقروا الناقة فاستحقّوا العذاب.
ثم تعاقبت الأنبياء في الأمم، كلٌّ يهدي قومه إلى التوحيد والإيمان، حتى جاء إبراهيم عليه السلام، خليل الرحمن، الذي آمن به اليهود والنصارى والمسلمون جميعًا، فهو الأب الروحي للأنبياء من بعده، وقد بُورك في ذريّته فجاء منها إسماعيل وإسحاق عليهما السلام.
ومن نسل إسحاق جاء أنبياء بني إسرائيل، ومن نسل إسماعيل جاء النبي محمد ﷺ، خاتم النبيين، الذي لم يُبعث في نسله نبيٌّ بعده، فتمّت بسيرته حلقة النبوّة، واكتمل بها نور الهداية للعالمين. فسبحان من اختار صفو خلقه لحمل وحيه، وجعل في كلّ زمانٍ رسولًا يهدي الناس إلى الحق، حتى أشرق النور الخاتم على يد محمدٍ ﷺ، فكان رحمةً للعالمين.
نعم، لقد تتابعت النبوّة في ذرية إبراهيم عليه السلام، فكانت في ابنه إسحاق ونسله، وفي ابنه الآخر إسماعيل أيضًا، كما شاء الله تعالى أن يجعل في هذه السلالة المباركة سلسلةً من الأنبياء والمرسلين الذين أضاءوا وجه الأرض بالإيمان والهداية.
ذكرنا سابقا ، أنّ أنبياء بني إسرائيل جاءوا جميعا من نسل إسحق عليه السلام، فيعقوب عليه السلام - وهو ابن إسحاق عليه السلام - أرسله الله إلى أهل كنعان، وكان يُلقَّب بـ إسرائيل، ومن ذريته جاءت الأسباط الاثنا عشر، وهم أبناء يعقوب، الذين عُرف نسلهم باسم بني إسرائيل.
ومن بين هؤلاء الأبناء، كان يوسف عليه السلام أبرزهم شأنًا، قد أفرد الله قصّته في سورةٍ كاملة هي سورة يوسف، وجعلها أنموذجًا فريدًا في الصبر والعفّة والتوكل، وفيها عبرةٌ لكل من ابتُلي بالظلم أو الفتنة أو الغربة، فقد رفعه الله من غياهب الجبّ إلى عرش الملك بصدقه وصبره.
وأمّا لوط عليه السلام، فهو ابن أخي إبراهيم عليه السلام، وقد بُعث إلى قرى سدوم، حيث تفشّى بين قومه الفاحشة المنكرة، فدعاهم إلى الطهر والإيمان، فكذّبوه وسخروا منه، فأنزل الله بهم عقابه، فقلب ديارهم عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارةً من سجيلٍ منضود، فصاروا عبرةً للعالمين.
وكان لإسحق عليه السلام ابنان توأمان أحدهما نبي الله يعقوب وذكرنا عنه، وثانيهما عيسو، ومن نسله جاء أيوب عليه السلام، نبيّ الصبر والرضا، الذي ابتُلي في جسده وماله وأهله، فصبر ولم يجزع، وقال في خضوعٍ وصدقٍ:﴿رَبِّ إِنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]. فكشف الله ضُرَّه، وأعاده إلى عافيته وكرامته.
ومن ذرية إبراهيم أيضًا كان شعيب عليه السلام،الذي أُرسل إلى مدين، قومٍ اشتهروا بالغشّ في الكيل والميزان،
فوعظهم ونهى عن البخس والظلم، لكنهم كذّبوه، فأهلكهم الله بصيحةٍ ورجفةٍ أخذتهم فأصبحوا في دارهم جاثمين. وقد أُرسل شعيب بعد ذلك أيضًا إلى أصحاب الأيكة، فكان مصيرهم كمصير إخوانهم.
ثم جاء هارون وموسى عليهما السلام، وهما من نسل يعقوب عليه السلام، أبناء عِمْران،بعثهما الله إلى فرعون وملئه، ليقولوا له كلمة الحقّ: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44] فواجه فرعون الدعوة بالطغيان، فأغرقه الله وجنوده، ونجّى موسى ومن معه من بني إسرائيل.
ومن ذرية أيوب عليه السلام جاء ذو الكفل عليه السلام، وكان من الصالحين الأبرار، صبورًا عابدًا، وقد قيل إن اسمه كان بِشْرًا، وسُمّي ذا الكفل لأنه تكفّل بالعدل بين الناس فوفّى بعهد الله.
ومن نسل يهوذا بن يعقوب جاء داود عليه السلام،النبيّ الملك، الذي آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب،
وأنزل عليه الزبور، وجعل الحديد لينًا في يده، ثم ورث النبوّة والملك ابنُه سليمان عليه السلام،فآتاه الله ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وسخّر له الرياح والجنّ والطير.
ومن نسل هارون عليه السلام جاء إلياس عليه السلام، داعيًا قومه إلى عبادة الله وحده بعد أن عبدوا بعلًا، ثم خلفه في الدعوة اليسع عليه السلام، الذي واصل الإصلاح بين قومه.
ثم جاء يونس عليه السلام، نبيّ نينوى،الذي خرج مغاضبًا قومه، فالتقمه الحوت في البحر، فناداه في الظلمات: ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87] فاستجاب الله له، ونجّاه من بطن الحوت، وأعاده إلى قومه مؤمنين.
وفي بني إسرائيل وُلد أيضًا زكريا عليه السلام، عالمًا عابدًا، كان يخدم في بيت المقدس، فسأل ربَّه ذرّيةً طيبة، فرزقه الله يحيى عليه السلام، الذي عُرف في التوراة باسم يوحنا المعمدان، وكان نبيًّا زاهدًا طاهرًا، استُشهد مظلومًا على يد طغاة زمانه.
وأما عيسى عليه السلام، فهو ابن مريم بنت عمران، وُلد بلا أبٍ، معجزةً من الله،حين نفخ جبريل عليه السلام في جيبها بأمر ربها، فكان مولده آيةً للعالمين. وقد سمّاه الله في القرآن كلمة الله وروحًا منه، وكان نبيا بشرا كالأنبياء السابقين عاش وغاب عنا ، وليس الها ولا جزء من الألوهية كما يزعم النصارى.
وهكذا تمّت سلسلة النبوّة في آل إبراهيم،من إسحاق إلى محمدٍ ﷺ، مرورًا بكل هؤلاء الكرام،كلّ واحد منهم مُشعلُ هدايةٍ، وسفيرُ رحمةٍ، يؤدّي دوره في مسيرةٍ ربّانيةٍ بدأت بآدم عليه السلام، واكتملت ببعثة خاتمهم وسيّدهم محمدٍ ﷺ، الذي جمع الله به نور الأنبياء، وختم به رسالات السماء.
القرآن الكريم:
القرآن الكريم هو الكتاب الإلهي الذي أنزله الله تعالى على خاتم أنبيائه ورسله محمد ﷺ. وقد اشتمل على كل ما تحتاج إليه البشرية للسير على طريق الهداية والرشاد. إنه الرسالة الإلهية الأخيرة إلى الناس كافة، وقد تكفّل الله تعالى بحفظه وصيانته من التحريف والضياع، فقال عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
[سورة الحجر: 9]
الكتب السماوية التي أنزلها الله تعالى:
أنزل الله تعالى على أنبيائه ورسله أربعة كتب سماوية ومائة صحيفة، لتكون هداية للبشر في عصور مختلفة، وهي كما يلي:
أصحاب الكتب الأربعة:
الزبور لداود عليه السلام والتورية لموسى عليه السلام، والإنجيل لعيسى عليه السلام والقرآن لمحمد صلى الله عليه وسلم. و أما أصحاب الصحف، هي عشر على آدم، وخمسون على شيث( الإبن الثالث لآدم ولم يذكر اسمه في القرآن) ، وثلاثون على إدريس، وعشر على إبراهيم،. فمجموعها مائة صحيفة.
الأنبياء في القرآن الكريم
ذُكر في القرآن الكريم خمسةٌ وعشرون نبيًّا ورسولًا بأسمائهم الصريحة . وهذا بنفسه دليلٌ واضح على صدق نبوة محمد ﷺ، إذ كيف لرجلٍ نشأ في بيئة أمّية كبيئة مكة، لم يتعلّم القراءة والكتابة، ولم يكن بين قومه من يعرف شيئًا عن تاريخ الأنبياء السابقين، ثم يأتي بهذا التفصيل المدهش عن أخبارهم، وأنسابهم، ودعواتهم،
لو لم يكن وحيًا من عند الله تعالى؟ لقد خُصَّ عدد من الأنبياء بسورٍ كاملةٍ في القرآن الكريم، مثل نوح، هود، يوسف، إبراهيم، ويونس عليهم السلام. وقد نزلت أكثر هذه السور في مكة، وهذا في حد ذاته معجزة بيّنة تشهد بأن هذا الكتاب ليس من كلام البشر، بل هو وحيٌ من عند رب العالمين.
بما أنَّ التوراة والإنجيل هما كتابان أنزلهما الله تعالى، فمن الطبيعي أن نجد في القرآن الكريم ما يوافق ما ورد فيهما، ولا سيّما في الحقائق التاريخية التي تتعلق بالأنبياء والأمم السابقة. بل إن وجود هذه المعاني في القرآن أمرٌ ضروريٌّ ومتكامل، إذ إنّ مصدر الجميع واحد، وهو الوحي الإلهي. غير أنّ اللافت للنظر أنّ القرآن الكريم لم يقتصر على ما ورد في الكتب السابقة، بل زاد عليها بيانًا ووضوحًا وتفصيلًا، فذكر من أخبار الأنبياء والرسل ما لم يرد في أي كتابٍ من قبل، وفسّر ما أبهم منها، وصحّح ما حُرِّف أو نُسي بمرور الزمن. ولهذا نقول بيقينٍ إنّ الحديث القرآني عن الأنبياء ووقائعهم حديثٌ ربّانيّ المصدر،لا شائبة فيه من رواية البشر أو أساطير الأمم.
وسيتّضح ذلك لنا بجلاءٍ أكبر حين نتناول بإذن الله قصص النبيين هودٍ وصالحٍ عليهما السلام، ففي سيرتهما شواهد ناصعة تدلّ على أن القرآن الكريم وحيٌ إلهيٌّ خالص، أنزله الله لهداية الخلق، وتبيين سننه في الأمم إلى يوم الدين.




