هذا ضريحُ نبيِّ الله أيوب. بمجرد ذكر اسم النبي أيوب، تتبادر إلى الأذهان قصصُ المرض والصبر. كانت الحكايات التي سمعناها في طفولتنا مخيفةً؛ حيث قيل إن الله اختبر أيوبَ بمرض شديد غطى جسدَه بالقروح والديدان، حتى قيل إنه كان يعيد الديدان التي تسقط منه إلى جسده قائلاً: هذا رزقكِ الذي ساقه الله إليكِ، فاعتزله الناسُ جميعاً... وهكذا استمرت الروايات.
ومع أن الأنبياءَ قد يمرضون، إلا أنهم لا يُصابون بأمراضٍ تُنفر الناسَ منهم أو تعيق أداءَ رسالتهم. وتؤكد الكتبُ التي تتناول الخصائص النبوية أن الأنبياءَ قد تعرضوا لابتلاءات بشرية لا تخدش مكانتَهم. نحن لا ننفي أن النبيَّ أيوب أصابَه مَرضٌ، بل ابتُلِيَ بمرضٍ شديد واختباراتٍ قاسية، لكنها لم تكن بتلك الصورة المشوهة التي تداولتها القصصُ الشائعة. وسنفصل في هذا الأمر لاحقاً.
مَن هو النبيُّ أيوب؟ ذُكِرَ النبيُّ أيوب في القرآن الكريم في أربعة مواضع، منها موضعان ورد فيهما ذِكرٌ عابر. وبحسب ما ذكره المؤرخُ ابن كثير: هو أيوب بن موص بن رزاح بن عيص بن إسحاق. وُلد في الفترة مابين عهد نبي الله يوسف وموسى عليهما السلام.
آتاه اللهُ النبوةَ والمالَ والولدَ والصحةَ. مَلَكَ الكثيرَ من الأنعام والعبيد والأراضي الشاسعة والذرية. ثم اختَبَرَ اللهُ أيوبَ؛ فابتُلي بمرضٍ شديد، وفقدَ ثروتَه، ومات أولادُه، وضَعُف جسدُه. ورغم أن معظمَ المقربين تخلوا عنه، إلا أن زوجتَه ظلّت تخدمه، وكابدت المشاقَّ لتوفر له الطعامَ. استمر هذا البلاءُ قرابة ثمانية عشر عاماً، صَبَرَ فيها أيوبُ صبراً يضرب به المثلُ في الصمود. لقد أثبَتَ أيوبُ صدقَ مقولة النبي الكريم إن أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء، فأصبح نبيُّ الله أيوبُ التجسيدَ الحيَّ للصبر والاحتساب.
يقع ضريحُ النبيِّ أيوب في منطقة بيت سِربيج، على قمة جبل تبعد حوالي 27 كيلومتراً عن مدينة صلالة. ولا أظن أن هناك مكاناً آخر يُنسب إليه هذا الضريحُ. وتؤكد اللوحةُ الإرشادية التي وضعتها الحكومةُ العمانية رسمياً أن السجلاتِ التاريخيةَ تثبت وجودَ قبر النبي أيوب في جبال ظفار.
حين تصعد الجبلَ، تشعر كأنك تسافر عبر القرون إلى ذلك الساحل النقي الذي شهد ذروة الابتلاءات. هناك، نتخيل النبيَّ أيوبَ وزوجتَه وهما يواجهان بصبرٍ مرارةَ الفقد المالي والآلامَ الجسديةَ ورحيلَ الأبناء.
وفي غمرة المرض، حاول الشيطانُ أن يزيدَ معاناته من خلال التظاهر بصفة طبيب، لكن النبيَّ أيوبَ أدرك حقيقتَه وطرده. وحينها غضب أيوبُ من زوجته لأنها سمحت لهذا الغريب الشيطان بمحاولة العلاج دون علمها بهويته، فأقسم في لحظة غضبٍ أن يضربَها مئةَ ضربة. وعندما اشتد كيدُ الشيطان، توجّه أيوبُ بالدعاء إلى ربه، وهو ما خَلّده القرآنُ الكريم في قوله تعالى: "وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ (84)".
يُعدُّ النبيُّ أيوبُ إجابةً شافيةً لأسئلة كثيرة تؤرق الأذهان؛ مثل: السنا عبادَ الله؟ فلماذا يبتلينا اللهُ بالمشاق؟ ولماذا يواجه المصلون والصائمون أشدَّ المصاعب؟ وأين اللهُ من أطفال غزة الذين يقتلون؟ إن قصةَ أيوب هي الردُّ القاطع لكل من تتقاذفه هذه التساؤلاتُ المحيرة.
هكذا هو الكونُ؛ حيث نجد فيه قصصَ الأنبياء أيوب وزكريا ويحيى، الذين واجهوا أشدَّ الصعاب رغم مكانتهم العالية. ألم يتحمل النبيُّ محمدٌ الحصارَ لثلاث سنوات؟ لقد جاء هؤلاء ليُعلنوا للعالم أن هذه الحياةَ ليست هي المستقر الحقيقي، فليس نعيمُها هو النعيمَ المطلق، ولا شقاؤُها هو الشقاءَ الأبدي. إنما هذا الكونُ مختبرٌ للوصول إلى دار الجزاء. ومن أدرك هذه الحقيقةَ، استطاع أن يبتسمَ وسط الركام، أما الذين لم يذوقوا حلاوةَ التسليم لله، فستظل الأزماتُ تلاحقهم دائماً.
هذا هو السرُّ في أن الجنودَ الإسرائيليين ينهارون نفسياً رغم انغماسهم في كل ألوان الرفاهية، بينما نرى أطفالَ غزة يبتسمون رغم فقدان الطعام والماء والكهرباء والمأوى، ورغم رحيل الأحبةِ. إنهم يرفعون التكبيرَ من قلب الأنقاض التي خلّفها العدوانُ؛ لأنهم أدركوا جوهرَ الإيمان.
وهنا يتجلى عظمةُ قول النبي الكريم: عجباً لأمر المؤمن، إن أمرَه كلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراءُ شكرَ فكان خيراً له، وإن أصابته ضراءُ صبرَ فكان خيراً له.
أمام هذا الثبات الإيماني الذي يمنح النفسَ الطمأنينةَ، أعلن الكاتبُ والناشط الأمريكي جيفري شون كينغ وزوجتُه إسلامَهما. لقد صرّح قائلاً: إن إيمانَهم وإخلاصَهم للإسلام لم يفتح قلبي فحسب، بل فتح قلوبَ الملايين حول العالم.
وعندما استجاب اللهُ لدعاء أيوب، نبعت عينُ ماءٍ باردة وعذبة، تُعرف اليوم باسم شربات. وقد خلد القرآنُ ذكرَ هذه المعجزة في سورة ص:
"وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)".




