ما الذي يقيم بنيان الأسرة ويشدّ أواصرها؟
إنما تُبنى الأسرة على المودّة والسكينة، وتُحفظ حرارتها بصفاء العاطفة وصدق الوفاء. وما أُريدَ لها أن تكون منبعًا للطمأنينة واللذة الحلال إلا إذا حُصرت تلك اللذّات في ظلالها، وأُغلقت أبوابها عن كل منفذٍ آخر، ليبقى البيت مأوى القلب ومرفأ الجسد، كما قال تعالى: ﴿ وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21].
لكن حين يخرج المرء إلى مجتمعٍ فُتحت فيه أبواب الفتنة على مصاريعها، وامتلأت الشوارع بصورٍ مُستفزّة وأجسادٍ مكشوفة "بطرق محسوبة"، وحيث تُستغلّ المرأة لتكون أداة إغراء لا غير؛ هنالك يضعف سلطان الأسرة، ويتعرض كيانها للتهديد. لقد صار هذا "الكرم المزيّف" سمةً لثقافةٍ متأثرة بالليبرالية الحديثة، فجرّ على الناس مشكلتين خطيرتين:
أولاهما: تعرّض النساء للتحرش والامتهان في الميادين العامة وأماكن العمل.
وثانيتهما: أن الرجل الذي يوزّع شهواته هنا وهناك يفقد شغفه بشريكة عمره، فيخبو وهج المودّة بينهما.
أما الرجل الذي يغض بصره ويكفّ نفسه، فلا يجد متنفس رغباته إلا في حلاله، فيزداد تمسّكه بشريكة حياته وحدها، وتزداد هي به طمأنينةً وأمانًا. وهكذا يتحقق مقصد عظيم من مقاصد الشريعة في صون الأسرة؛ إذْ جاء نظام الحجاب الإسلامي ليكون حصنًا منيعًا يحفظ النساء من الابتذال، ويوفر لهنّ الأمن إذا اضطررن إلى الخروج، وليقيم الأسرة على الطهر والوفاء.
على النقيض من ذلك، فإن الرأسمالية المتوحّشة لم تجد وسيلة أفتك لتقويض الأسرة من عرض النساء شبه عاريات في كل مكان، وتوظيف جمالهن في كل سلعة وإعلان، حتى في المنتجات الخاصة بالرجال. لماذا إذن تُستخدم المرأة كوسيلة تسويق بدلًا من رجلٍ خبير أو كفء؟ إنه الخداع بعينه! خداعٌ يجعل المرأة مجرّد أداة استهلاك، بعد أن أكرمها الله لتكون إنسانًا عزيزًا.
ولم يقتصر الأمر على هذا التشويه، بل زاد استغلالها في أُجورٍ منقوصة، وفي تحميلها أعباء العمل مع بقاء أعباء البيت عليها، وكأنّ الرسالة المبطّنة تقول: نحن الرجال لا نستطيع أن نحمل أو نلد أو نرضع، ولكن عليكنّ أن تقمن بما نقوم به نحن، وبما لا نستطيع نحن القيام به أيضا!، فهي حيلة ماكرة من النظام الأبوي الرأسمالي، تتزيّا بثوب الرحمة وهي في جوهرها استغلالٌ وقهر، وتُوهم النساء أنّها في صالحهن بينما هي في حقيقتها سلسلة من الأغلال.
فالمرأة في منطق الإسلام كائن مكرّم، لها خصوصيتُها وكرامتها، وهي شريكة في بناء الحياة لا أداة في يد السوق، ولا متاع يُعرض في واجهات الإعلانات. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنما النساء شقائق الرجال» [رواه أبو داود والترمذي]، فهي شقيقة الرجل لا سلعة له، ومُعِينة في رسالته لا أداة شهوته.
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صون الأسرة وحماية المرأة
الأسرة في الإسلام حصنٌ منيع؛ لذا لقد أولى الأسرةَ عنايةً عظيمة، وجعلها لبنةَ المجتمع الأولى، ومأوى رحمة وسكينة، وقد شاءت حكمة الله أن تكون المرأة قلب هذا الحصن وروحه، فجاءت توجيهات النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لتصون مكانتها، وتُعلي قدرها، وتقيها غوائل الفتنة وأذى المعتدين، ولتكون ركيزةً في حفظ هذا الكيان، وسببًا في استقراره وأمنه.
قال تعالى مخاطبًا نساء النبي، وهنَّ القدوة لسائر المؤمنات: ﴿وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ﴾ [الأحزاب: 33].
ومعنى ذلك أن البيت هو المقرّ الأصلي للمرأة، وميدان عطائها الأعظم، وليس في هذا إقصاء لها عن المجتمع، بل توجيهٌ لحفظ كرامتها وصون حيائها. والخروج جائزٌ إذا دعت الحاجة، غير أن من أداب الشريعة أن تستأذن زوجها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسؤولة عن رعيتها» [متفق عليه]
فالأسرة في الإسلام أشبه بمؤسسةٍ لها نظام، والرجل هو القائم على إدارتها، كما قال تعالى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: 34]. وليس في هذا انتقاص للمرأة، بل توزيع عادل للمهام، يضمن استقرار البيت ووحدة القيادة. فإن وُكل الأمر إلى سلطتين متكافئتين ضاعت الإدارة وتصدّع البنيان.
ومن توجيهاته صلى الله عليه وسلم أيضًا: أن لا تسافر المرأة إلا مع محرم، صيانةً لها وحفظًا لحرمتها، . عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا مع ذي محرم» [متفق عليه].
وإذا كانت تقارير المجتمعات الحديثة – كـ"تقرير لجنة هيما" في صناعة السينما بولاية كيرالا – الهند قد أقرّت بانتشار التحرش والاعتداء على النساء، حتى في بيئات تزعم الدفاع عن الحرية والكرامة؛ فإن الحل الذي انتهت إليه هذه اللجان نفسها لم يخرج عن الهدي النبوي، حيث أوصت بأن تصحب المرأة أحدًا من أهلها ليحفظها ويصونها.
وكذلك أمر الإسلام المرأة بالستر الكامل، فقال تعالى: ﴿ وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ﴾ [النور: 31].
واختلف أهل العلم في المراد بـ﴿ مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ ﴾، والأكثر على أنه جمال الثياب وزينتها، وقيل: الوجه والكفان.
وقال تعالى: ﴿ يٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ﴾ [الأحزاب: 59].
وقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قائلةً « يَرْحَمُ اللهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ ، لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ ﴿ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ ﴾ شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهِ "[رواه البخاري]. قولها «فاختَمَرن بها» أي غطّين وجوههن.
ولم يقتصر الهدي النبوي على ستر الجسد، بل شمل النهي عن كل ما يثير الفتنة، قال صلى الله عليه وسلم « إِذَا اسْتَعْطَرَتْ الْمَرْأَةُ فَمَرَّتْ عَلَى الْقَوْمِ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ كَذَا وَكَذَا قَالَ قَوْلًا شَدِيدًا- يَعْنِي : زَانِيَةً » [رواه أبو داود]. ونهى عن لباس يصف أو يكشف، فقال صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس يقال عنهم: إنهم الشرطة وأشباههم من الظالمين، الشرطة الظالمة ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا». [رواه مسلم].
أما ما يُثار من اعتراضات سطحية: "لماذا لا يُطلب من الرجال مثل ذلك؟ أليست النساء يتأثرن أيضا بأبدان الرجال؟" فهي مجرد شبهات تُغفل الواقع والتاريخ. فالتاريخ لم يشهد أن النساء تحرشن بالرجال كما يتحرش الرجال بالنساء، بينما لم يخلُ زمان ولا مكان من معاناة النساء من تحرش الرجال. ولذا جاءت الشريعة بالمنهج الواقعي، فخاطبت موطن الخطر وموضع الحاجة، لتبقى الأسرة مصونةً، والمرأة عزيزةً مكرمةً.
تتحدث الأرقام أحيانًا ببلاغةٍ تفُوق الكلمات؛ إذ تكشف لنا ما وراءها من حقائق دامغة. ففي دراسةٍ أعدّتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة في بريطانيا (مارس 2021)، تبيّن أن 97% من الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 18 و24 عامًا تعرّضن لاعتداءٍ جنسي في الأماكن العامة! بل وأظهرت الدراسة أن سبعين بالمائة من النساء في الفئات العمرية الأخرى لم يسلمن من التجربة ذاتها. إنها نسبة صادمة، تصوّر حجم المأساة التي تعيشها المرأة حين يُزاح عنها ستر الحياء، وتُلقى في الشوارع مفتوحة للذئاب البشرية.
وفي المقابل، حين نطلّ على واقعٍ آخر، نجد صورةً مختلفة تمامًا: ففي المملكة العربية السعودية لم تتجاوز نسبة حالات الاعتداء الجنسي0.3% من كل مائة ألف شخص في عام 2022. فرقٌ هائل بين مجتمعٍ يسعى جاهدًا لحماية قيم العفة وصيانة الأعراض، ومجتمعٍ فتح أبواب الانفلات على مصراعيه، فصار جسد المرأة مسرحًا للانتهاك والاستغلال.
فالحجاب في الإسلام ليس قيدًا يُكبّل المرأة، بل حصنٌ يحفظ كرامتها، ويجعلها عزيزة لا يُنال منها، مصونةً لا يُعبث بها، كالجوهرة في صدفها، تُعرف بالطهر فلا تُؤذى.
المرأة ليل السكينة ونهار العطاء
يُثار أحيانًا سؤال: هل يجوز للمرأة أن تؤذن للجماعة؟
والجواب: نعم، يجوز لها أن تؤذن بصوتٍ خافت، شريطة أن يكون ذلك لجماعة حضرت فيها النساء فقط، لا على سبيل الأذان العام، فالأذان العلني بصوتٍ مرتفعٍ من شعائر الرجال، وهو من مهامهم؛ إذ هم الذين يُؤمّون المصلين، ويخطبون الجمعة، ويُنادون للناس في أوقات الصلاة. أما المرأة، فالسنة لها أن تُقيم الصلاة بإقامةٍ خفيّة، إيذانًا ببدء العبادة.
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن خير مكانٍ للمرأة في صلاتها هو بيتها، ففي الحديث الشريف: «خير مساجد النساء قعر بيوتهن»
فالمرأة مأمورةٌ بلزوم البيت، غير ممنوعة من الخروج لقضاء الحاجة أو المشاركة فيما يُناسبها من شؤون المجتمع. غير أن الشرع الحنيف راعى فطرتها، فهي محمَّلة بأمانات لا يطيقها الرجال: حملٌ ووضعٌ ورضاعةٌ ورعاية، وهي من خصائصها التي تفيض بها رحمة الله عليها، لا يشاركها فيها أحد. ومن أجل ذلك، صان الشرع قلبها وجسدها من أن تُزاحم الرجال في ميادين العمل المختلطة، صونًا لها ولهم من الفتنة والاضطراب.
لم تشأ الشريعة أن تُلقِي بالمرأة في غياهب ميدان القتال إجبارًا أو طوعًا كما جُهِزَ الرجال، فهن لم يُؤمرن بالجهاد القتالي؛ لأن في طبع المرأة وحملها ورضاعتها وقيامها بأدوارٍ دقيقةٍ ما يَستدعي من الرحمة مراعاة حدودٍ لا يملك الرجل مثلها. فجعل القتال بسطوة الرجال وحمْلَ الرماح مهمتهم، دون إجبار للنساء على مواجهة الموت الذي قد يَفترسه الميدان، لكنها لم تُقصِها عن ساحات الخير ولا عن سبل الجهاد العظيم، فكان لها في قوافل الأمة وكلّ مهمّات النُصرة نصيب ومكان. لقد خرجت النساء مع النبي صلى الله عليه وسلم و أصحابه في الأسفر، خَدَمْنَ القوافل، سانَدْنَ الرِّجالَ وأسعفن الجرحى في ميادين الجهاد، لكن لم يُفرض عليهن القتال، بل أُعفين منه؛ لأن الله عز وجل أراد أن يُبقي للمرأة مجالها الخاص بها، وللرجل مجاله الخاص به.
وقد يعتمل في النفس سؤالٌ عن ثواب المرأة إذ تُحرم عن باب القتال المباشر، لكن النابض بحكمة الشريعة يجد الجواب في سعة أفقها؛ فالصبر على الحمل، والهمّ في التربية، والسكينة في حفظ الأسر، وطاعة الزوج وإعانة المجاهدين، كلُّها جهادٌ عظيم عند الرحمن. أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في صبر الحامل أجر الصائم القائم، وأن في رضعة الطفل أجر إحياء نفسٍ؛ فليس العطاء هنا بقلةٍ ولا بالنقص، بل هو جهادٌ من نوعٍ آخر تُكافئه السماء أضعافًا، لأن الله يفرّق الإرادة والقدرة ويوزن الحسنات بمقدار النية والصدق.
ولم يغب عن نساء الصحابة هذا السؤال الصادق: كيف يُثاب الرجال على جهادهم في سبيل الله، ونحن نحرم من هذا الباب العظيم؟
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ قُعُودٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا وَافِدَةُ النِّسَاءِ إِلَيْك، يَا رَسُولَ اللهِ، رَبُّ الرِّجَالِ وَرَبُّ النِّسَاءِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَآدَمُ أَبُو الرِّجَالِ وَأَبُو النِّسَاءِ، وَحَوَّاء أُمُّ الرِّجَالِ وَأُمُّ النِّسَاءِ، وَبَعَثَكَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَالرِّجَالُ إِذَا خَرَجُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقُتِلُوا فَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَإِذَا خَرَجُوا فَلَهُمْ مِنَ الْأَجْرِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَنَحْنُ نَخْدُمُهُمْ وَنحْبِسُ أَنْفُسَنَا عَلَيْهِمْ، فَمَاذَا لَنَا مِنَ الْأَجْرِ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَقْرِئِي النِّسَاءَ مِنِّي السَّلَامَ وَقُولِي لَهُنَّ: إِنَّ طَاعَةَ الزَّوْجِ تَعْدِلُ مَا هُنَالِكَ ، وَقَلِيلٌ مِنْكُنَّ تَفْعَلُه
وجاء في رواية أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إِنَّ لِلْحامِلِ مِنكُنَّ أجْرَ الصّائِمِ القائِمِ، فَإذا ضَرَبَها الطَّلْقُ لَمْ يَدْرِ أحَدٌ ما لَها مِنَ الأجْرِ، فَإذا أرْضَعَتْ كانَ لَها بِكُلِّ مَصَّةٍ أجْرُ إحْياءِ نَفْس»ٍ.
فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم مؤكدًا أن للمرأة جهادًا من نوع آخر، لا يقل أجرًا ولا منزلة: صبرٌ على الحمل، وسهرٌ في التربية، وطاعةٌ للزوج، ووفاءٌ للأسرة.
فكم من نفسٍ تنقذها رضعةٌ، وكم من جيلٍ تُحييه أمٌّ بصبرها وسهرها، وكم من مجتمعٍ تُبنيه امرأةُ صالحةٌ ببطانتها وهمّتها! إن الإسلام لا يَقلِّلُ من عظمة الجهاد عند النساء، بل يوزّع الأدوار بحسب الفطرة والقدرة، ويجعل لكلِّ مجهدٍ أجره وحسنه عند الله. ومن ذلك أن قدّمت الأمة عبر التاريخ أمثلة مشرّفة؛ فكانت بعض النساء تُقاتل دفاعًا عن وطنها ونصرةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعت الحاجة، كما برزت أخريات في ساحة الخدمة والطبّ والتدبير.
وهكذا، أعطى الله كلًّا من الرجل والمرأة نصيبه، فلا يُطلب من أحدهما ما خُصَّ به الآخر. قال تعالى ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسَۡٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٣٢﴾ [النساء: ٣٢]
إنهما ـ الرجل والمرأة ـ ركنان متكاملان في بناء الحياة، كتكامل الليل والنهار، لكلٍّ منهما طبيعته ووظيفته. فإذا كان الرجل يعمل في وضح النهار، ساعيًا في الرزق مكابدًا المشاق، فإن المرأة ليل السكينة والطمأنينة، تُحيط الرجل بثوب الراحة والسلام بعد عناء، وتُنشئ الأجيال بيدها الرقيقة وصدرها الحنون. قال تعالى: ﴿ وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰ ١ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ ٢ وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ ٣ إِنَّ سَعۡيَكُمۡ لَشَتَّىٰ ٤ ﴾ [الليل: 1-4]
فما أعظم حكمة الخالق! أعطى كلًّا عمله ونصيبه، وجعل الأجر بحسب الصبر والاحتساب. وهنا يكمن جمال الإسلام وعدله، حيث لا يضيع جهد رجل ولا تضحية امرأة، فكلٌّ عند الله محفوظ.




