ما السبيلُ للنجاةِ من ميتةِ السوءِ؟ تشيرُ تقاريرُ الشرطةِ في اليابانِ إلى أنَّ نحو 40 ألفَ شخصٍ فارقوا الحياةَ في منازلِهم وحيدينَ دونَ أن يشعرَ بهم أحدٌ خلال النصفِ الأولِ من عام 2024. ومن بين هؤلاءِ، وُجدَ نحو 4000 جثةٍ بعد مرورِ شهرٍ كاملٍ على الوفاةِ، بينما اكتُشِفَ 130 شخصًا فارقوا الحياةَ منذ عامٍ مضى. وبحسبِ تقديراتِ الأممِ المتحدةِ، تُعدُّ اليابانُ حاليًا الدولةَ التي تضمُّ أكبرَ نسبةِ مسنينَ في العالمِ. ويسلطُ هذا التقريرُ، الذي نشرته بي بي سي في 30 أغسطس 2024، الضوءَ على الاتجاهِ المتزايدِ في اليابانِ نحو العيشِ والموتِ في عزلةٍ تامةٍ.
لقد أبرزَ التقريرُ مشكلتينِ جوهريتينِ: الأولى هي تحولُ كبارِ السنِّ إلى الفئةِ الكبرى عدديًا في المجتمعِ. والثانية هي الانهيارُ الثقافيُّ الذي جعلَ البلادَ تفتقرُ إلى نظامٍ يرعى المسنينَ أو يهتمُّ بهم أو حتى يعلمُ بوفاتِهم.
إنَّ هذه الأزمةَ لا تقتصرُ على اليابانِ وحدِها، فهناك دولٌ أخرى تعاني من زيادةِ عددِ المسنينَ وتراجعِ نسبةِ الشبابِ. وبدأت دولٌ مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية تلمسُ أثرَ هذه الأزمةِ بالفعلِ.
لماذا حدثت هذه المأساةُ؟ لقد وقعت بسببِ تجاهلِ الهديِ النبويِّ الشريفِ. وفي هذا الصددِ، خاطبَ الرئيسُ الروسيُّ فلاديمير بوتين المجلسَ الشعبيَّ الروسيَّ قائلًا: يجبُ على الجميعِ العودةُ إلى فكرةِ الأسرةِ الكبيرةِ. وينبغي لكلِّ امرأةٍ أن تنجبَ ثمانيةَ أطفالٍ أو أكثرَ. لا يجوزُ اعتبارُ هذا الأمرِ استثنائيًا، بل يجبُ اعتمادهُ كنمطِ حياةٍ طبيعيٍّ.
ورداً على تساؤلِ البعضِ حول ضيقِ الوقتِ، أشارَ بوتين إلى ضرورةِ استغلالِ فتراتِ الاستراحةِ بين أوقاتِ العملِ لتعزيزِ الروابطِ الأسريةِ بين الزوجينِ.
وفي سياقٍ متصلٍ، وجهَ رئيسُ كوريا الشماليةِ كيم جونغ أون دعوةً مماثلةً للنساءِ خلال المؤتمرِ الوطنيِّ للأمهاتِ، وهي المرةُ الأولى التي يتحدثُ فيها عن هذا الأمرِ منذ أحدَ عشرَ عامًا. ويرى كيم أنَّ هذا هو السبيلُ الوحيدُ لوقفِ تراجعِ معدلاتِ المواليدِ.
ما أكثر تلك الحملاتِ التي اجتاحت البلادَ بدعوى الانفجار السكاني! لقد امتلأت الكتبُ المدرسيةُ، وردهاتُ المستشفياتِ، وحتى مراكزُ رعاية الطفولة بتلك المواعظ التي تُحذر من كثرة الإنجاب. بل وصل الأمرُ إلى حد مواجهة مشكلاتٍ قانونيةٍ لمن يرزق بأطفال كثر، وكانت الصينُ في طليعة الدول التي طبقت ذلك.
في البداية، كان الشعارُ المرفوعُ هو: الأسرةُ الصغيرةُ هي الأسرةُ السعيدةُ. ثم تطور الأمرُ ليقال: يكفي ثلاثةُ أبناءٍ. وبعد ذلك تحول الشعارُ إلى: نحن اثنان ولنا اثنان. لكنهم أرادوا تقليصَ الأعدادِ أكثر، فصار الشعارُ: نحن واحدٌ ولنا واحدٌ. ومن هنا بدأ الناسُ يتذوقون راحةَ الحياةِ بلا أطفال، حتى تساءلوا: نحن واحدٌ، فما حاجتنا لآخر؟ وهكذا انحرف المسارُ نحو العزوف التام عن الإنجاب.
والآن، نرى انقلاباً مفاجئاً في تلك السياسات! فأولئك الذين سخروا من كثرة الإنجاب قديماً، يجمعون النساءَ اليومَ ويتوسلون إليهن قائلين: نرجوكم أن تنجبوا.
فما هي الرسالةُ التي حملها النبيُّ الكريمُ من خلال القرآن الكريم؟
قال تعالى: {وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَوۡلَـٰدَكُمۡ خَشۡیَةَ إِمۡلَـٰقࣲۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِیَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـࣰٔا كَبِیرࣰا} [الإسراء: 31].
وقال تعالى: {وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَوۡلَـٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَـٰقࣲ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِیَّاهُمۡۖ} [الأنعام: 151].
إن اللمسةَ البيانيةَ في الآيتين تستحق التأملَ. ففي الآية الأولى، كان القلقُ منصبّاً على طعام الأطفال، فقدم اللهُ رزقَهم أولاً. وفي الآية الثانية، كان الفقرُ واقعاً بالأبوين، فقدم اللهُ رزقَ الآباءِ أولاً.
لقد وضح النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا الأمرَ بأسلوب عاطفي عميق. فحين سُئل عن أعظم الذنوب، كان أحدُ الأجوبة الثلاثة: أن تقتلَ ولدَك خشيةَ أن يطعمَ معك.
إن حرمانَ الأجنةِ من حقهم في الوجود خوفاً من نقص الرفاهية للأحياء هو منتهى القسوة. فمن تفرد بالخلق كفيلٌ بالرزق والتربية، وهذا لا يدركه إلا من آمن بالله حق الإيمان، أما الآخرون فلن يدركوا ذلك إلا بعد فوات الأوان.
توجيهُ النبيِّ الكريمِ يحث على زيادة النسل؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام: تزوجوا الودودَ الولودَ. إن التحولَ الثقافيَّ من الأسرة الكبيرة إلى الأسرة الصغيرة، ثم إلى الأسرة المنعدمة، هو ما أدى إلى ظهور بشرٍ يعيشون بمفردهم ويموتون وحيدين. فهل يمكن لمن حُرِمَ حنانَ الأمِّ والأبِ وبقيةِ العائلةِ أن يبحثَ عنهم أو يمنحَهم الحبَّ؟ حين يذهب الأطفالُ إلى دور الحضانة، والكبارُ إلى دور الرعاية، والزوجانِ إلى المكاتبِ، فأين يمكن للروابط أن تنموَ وتزدهرَ؟ وعندما تستيقظ العواطفُ، سيطير الأبناءُ إلى عوالمهم الخاصة مع شركاء حياتهم.
لكن مدرسةَ النبيِّ مختلفةٌ تماماً؛ فالإنسانُ فيها يسير وفق دروسٍ عظيمةٍ في صلة الرحم. فهل يعقل لمن تخرج فيها أن يتركَ الوالدينِ في البيوت وحيدين، أو يلقيَ بهما في دور العجزة أو محطات القطار؟
إن من يتزوج في سن الشباب كما علمنا النبيُّ، ويرزقُ بالأبناءِ والأحفادِ، هل سيواجه تلك الخاتمةَ المأساويةَ حيث يموت وحيداً ولا تُكتشف جثتُه إلا بعد سنوات؟
اسمعوا إلى هذه الكلماتِ الخالدةِ التي علمنا إياها النبيُّ لتقوية الروابط الأسرية: من سره أن يمد له في عمره، ويوسع له في رزقه، ويدفع عنه ميتة السوء، فليتق الله وليصل رحمه.
إن وجودَ الأهلِ والأقاربِ المحبين حولنا يمنحنا راحةً نفسيةً. ومن الطبيعي أن يتمتعَ من يخلو بالُه من الاكتئاب والتوتر بعمر مديد؛ فالموتُ المفاجئُ غالباً ما تسببه الصدماتُ النفسيةُ. كما أن من يحيط به الأقاربُ لن يشقى في طلب الطعام، ولن يموتَ وحيداً دون أن يشعرَ به أحدٌ!
وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم: ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها. فالمكافأةُ على المعروف واجبةٌ، لكن الفضلَ العظيمَ يكمن في وصل من قطعك. لقد علمنا النبيُّ ليس فقط الحفاظَ على الروابط، بل وإصلاحَ ما انقطع منها، وأكد أن قاطعَ الرحمِ لا يدخل الجنةَ.
يروي أبو هريرة أن رجلاً جاء إلى النبي يشكو سوءَ معاملةِ أقاربه رغم إحسانه إليهم، فقال له النبيُّ: إن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل (أي تطعمهم الرماد الحار خجلاً)، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمت على ذلك.
ما أكثر الأحاديثَ النبويةَ في هذا الباب! ادخلوا عالمَ السنةِ لتعرفوا قيمةَ الأبِ والأمِّ؛ فالجنةُ تحت أقدام الأمهات، والوالدُ أوسطُ أبواب الجنة، والعمُّ بمنزلة الأب، والخالةُ بمنزلة الأم.
إن الأجدادَ مهما علوا هم آباءٌ، والأحفادَ مهما نزلوا هم أبناءٌ. وللأقارب حقٌّ في أموالنا؛ فقد قدم القرآنُ حقَّ ذوي القربى على المساكين وابن السبيل، فقال تعالى: {وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا}. وقال صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لم يرحمْ صغيرَنا، ويوقرْ كبيرَنا.
إن الحلَ الوحيدَ أمام العالم للنجاة من هذه النهايات الحزينة هو استعادةُ النظامِ الأسريِّ، والتحررُ من سجن الأسر الصغيرة للعودة إلى رحاب الأسر الكبيرة، ومدرسةِ النبوةِ الفياضةِ بالرحمة.




