كان الليل وادعًا فوق بيوت مكة، والريح تلامس ستائر الخيام في هدوء. جلست المرأة عند زوجها، وقد بدا في عينيه بريق قرارٍ اتّخذه منذ زمن.
قال بصوت متحفّظ: هل انقضت أيام عادتكِ الشهرية؟
أطرقت برأسها ثم همست: نعم، يا سيدي، لقد انتهت.
ابتسم ابتسامة غامضة وقال: إذن، عليكِ أن تذهبي إلى شاعر القبيلة.
رفعت حاجبيها دهشة وسألته: شاعر القبيلة؟ ولماذا؟
قال بثقة: نريد ولدًا شاعرًا، يرفع ذكرنا بين الناس، وتفخر به القبيلةُ.
ارتجف قلبها وقالت: وماذا تريد أن أفعل؟
أجاب ببرود: تخالطينه، فإذا تأكدتِ من حملكِ، تعودين إليّ من فوركِ، فلا تمكثي عنده لحظة.
أطرقت المرأة خجلًا وقالت بصوتٍ خافت: كما تشاء، أيها السيد.
تنفس بعمق وأردف: هكذا سنُرزق ابنًا موهوبًا، فيكون لنا سندًا ومجدًا، ونسير في المجتمع مرفوعي الرأس.
ابتسمت ابتسامة باهتة، وأجابت باستسلام: كل شيء كما تأمر.
ثم خيّم الصمت، ولم يبقَ في الأجواء إلا صدى الريح يروي قصة جاهلية كانت يومًا مباحة، قبل أن يشرق نور الهداية.
كان في الجاهلية عادات تُدمي القلوب وتُزلزل الفطرة، عادات لا تُقيم للعفّة وزنًا، ولا للمرأة كرامةً، ولا للأسرة حرمةً. ومن أبشع تلك الصور ما عُرِف بـ نكاح الاستبضاع؛ إذ كان الرجل يأمر امرأته بعد طُهرها من الحيض بمضاجعة رجل آخر ذي صفاتٍ مرغوبةٍ فيها، بهدف الحصول على نسلٍ طيبٍ يمتلك تلك الصفات الحسنة، كالشجاعة أو الكرم. بعد أن تحمل زوجته من هذا الرجل، تعود إلى زوجها وينسب هو المولود إليه، وكان يُمارس هذا النوع من العلاقات لتحسين النسل، أو ربما حتى للربح التجاري أحيانًا، خاصة مع الإماء:
هكذا صُوِّرت المرأة سلعةً تُدفع إلى غير زوجها باسم تحسين النسل، ويُراد بالولد أن يكون زينةً يتباهون بها في المجتمع. لم يكن في ذلك من المودّة ولا من الطهر نصيب، إنما هو زنا مُقَنَّع شرّعته الجاهلية في ثوب العُرف.
فلما جاء الإسلام، جاء معه فجرٌ جديد، أشرق بنور العفاف، وردَّ للمرأة حقها في الصون والكرامة، وأغلق كل بابٍ يفضي إلى الزنا. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، ولا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، ولا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إلَيْهِ فِيهَا أبْصَارَهُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ».
بهذا الإعلان النبوي الحازم انكسرت أغلال الجاهلية، وسقطت أقنعة الفوضى الجنسية التي مزّقت المجتمع. لم يعُد جسد المرأة وسيلة للتجارة، ولا بطنها حقلًا للتجارب، بل عادت أنثى مكرَّمةً، زوجةَ مصونة، وأُمًّا عزيزة، لها الحق في أن تُحَبّ لذاتها لا لشهوةٍ عابرة، وأن تُكرَّم بإنسانيتها لا بما تُنتِجه من نسل، بعد أن كان جسدها سلعة رخيصة، يُباع ويُشترى، ويُستغلّ بلا كرامة ولا حرمة.
تلك كانت صورة من صور الانحراف الذي عمّ جزيرة العرب قبل الإسلام، صورة واحدة من فوضى العالاقات الجنسية، وكان وراءها أشكال أخرى لا تقل قبحًا ولا شناعة. لكن شمس النبوة حين بزغت، محت ظلمة تلك العادات، وغرست في القلوب طهرًا، وفي النفوس حياةً، وفي المجتمع نظامًا، ليكون الدين حصنًا منيعًا للإنسانية كلها.
لم تكن صورة نكاح الاستبضاع إلا وجهًا واحدًا من وجوه العبث، فقد عرفت الجاهلية أنواعًا أخرى لا تقل انحطاطًا ولا امتهانًا للمرأة.
إليك بعض الأنواع منها:
1 السفاح (الدعارة)
كانت الإماء في الجزيرة العربية يُستعملن في البغاء، ويُجبرن على امتهانه، ويُعطى جزء من دخل الفاحشة لأسيادهن. فجاء القرآن الكريم صارمًا في نهيه، قاطعًا في حكمه:
﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [النور: 33].
العيش معًا بلا عقد
أن يعيش الرجل والمرأة معًا كزوجين بغير عقدٍ ولا ميثاق، عادة شنيعة ليست وليدة العصر الحديث، بل هي صورة جديدة لعهودٍ قديمة من الفوضى الأخلاقية. وقد ألغى الإسلام هذه الممارسات، في قوله تعالى:
﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ﴾ [النساء: 25].
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها، فأبطلها بالكلية.
2 نكاح المقت
كان الرجل إذا مات، تزوّج ابنُه من زوجةَ أبيه، أو يورَّث الأقرب بها، فإن لم يُرِدْها بقيت حبيسة لا تتزوج. فجاء القرآن يحرّم هذا المنكر تحريمًا قاطعًا: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 22].
3 نكاح البدل (تبادل الزوجات)
كان الرجل يقول لآخر: "أعطني زوجتك وأعطيك زوجتي، نتمتع بهما مدة"، فيُبدّلون الحُرَم، ويمزّقون روابط الأسرة. لم يكن في ذلك عقد، ولا مهر، ولا شهود، ولا ستر. إنما هو استباحة فجّة، يُسقطون فيها القداسة التي جعلها الله بين الزوجين.
وقد عَدَّ النبي صلى الله عليه وسلم هذا من أعظم الذنوب، ففي الحديث: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه « قلتُ: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك. قلتُ: ثم أيّ؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلتُ: ثم أيّ؟ قال: أن تُزاني حليلة جارك».
ثم تلا صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ [الفرقان: 68].
4 زواج المتعة
وكان كذلك من صورهم نكاح المتعة، حيث يتزوّج الرجل المرأة إلى أجلٍ معلوم، ثم يُفارقها عند انقضائه. لا يلبث أن ينقضي بمدة قصيرة: أيامًا أو أسابيع أو أشهر. وقد أُبيح في صدر الإسلام لحاجة عارضة، ثم جاء التحريم الأبدي على لسان النبي ﷺ: «إنه قد حُرِّم إلى يوم القيامة.
5 نكاح الرهط (الجماع الجماعي)
وكانت المرأة يجتمع عندها رهط –أي مجموعة من الرجال– دون عددٍ محدد، فيخالطونها جميعًا، فإذا حملت وأتت بولد، دعتهم جميعًا، ثم نسبت الولد إلى من شاءت منهم، فلا يملك أحد أن يعترض.
أليس في هذا إهدار للأنساب، وتضييع للكرامة، وجعل الإنسان مجهول الأصل لا يدري أباه من هو؟! وقد جاء الإسلام فحرّم هذا العبث، وصان الأنساب بالميثاق الغليظ، وجعل النسب صريحًا لا شبهة فيه.
وقد ألبست الجاهليةُ الحديثةُ ثوبًا آخر لزواج الرَّهط، فسمَّته "الجماعَ الجماعي"، تبديلًا للأسماء لا للحقائق. وما نراه من تعدُّد الأزواج والعلاقات التي عُرفت في بعض المجتمعات الهندوسية في كيرالا وسائر الولايات الهندية ليس بتلك الفظاعة عينها، غير أنّه ظلٌّ يشبهها وامتدادٌ لها في صورة أخرى. ولقد نهى نبيُّ الرحمة، محمدٌ صلى الله عليه وسلم، عن كلِّ تلك الممارسات بجميع أشكالها، فطهّر الفطرة، وصان الكرامة، وحمى الإنسانية من عبث الأهواء.
صاحبات الرايات أو نكاح البغايا
وكانت المرأة تنصب رايتها على باب بيتها، لتُعلِم المارّة أنها بغيّ، فيدخل عليها من شاء من الرجال. فإذا حملت، جمعوا لها القافة –وهم الذين يعرفون الأنساب بالشَّبه– ليلحقوا الولد بأيهم. وهكذا سقطت الإنسانية إلى دركٍ بهيميّ، حتى غدت المرأة سلعة تُشترى وتُباع، وولدها مجهول النسب يتقاذفه الرجال.
وجاء الإسلام فحرّم ذلك، وأبطل هذا الضلال المبين.
6 سفاح القربى
هو أبشع ما يكون من الفواحش: أن يُستغلّ المحارم في الفاحشة، كالأم أو الأخت أو البنت أو نحوهن. وقد كان معروفًا في حضارات قديمة، كالمصرية والرومانية، وتزوجت كليوباترا من أخيها. ولا يزال يُرى في بعض المجتمعات الهندوسية في شمال الهند ونيبال وغيرهما. فجاء الإسلام فسدّ هذا الباب سدًا محكمًا، وحماه بالحرمة الأبدية.
أخبرني إذن: من هو القائد الذي علّم البشرية أن جسد المرأة ليس سلعة تُباع في الأسواق؟ من هو الذي رفع شأنها، وصان عرضها، وجعل الزواج ميثاقًا شريفًا لا لهوًا ولا عبثًا؟
إنه محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أخرج العالم من الظلمات إلى النور، وحارب الفوضى الجنسية، بل حارب كل السبل التي تؤدي إليها.
إن شاء الله سنلتقي بذلك الحديث في الجولة القادمة اللهم صلِّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ما تعاقب الليل والنهار.




