ما هي أعظم أزمة تعصف بالدول المتقدمة؟
إنها أزمة غياب الأب!
ومن ذا الذي جاء بحلٍّ ناجعٍ لهذه المعضلة؟
إنه نبيّ الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي حمل في سنته الشريفة دواءً لكل داء، وجوابًا لكل سؤال.
فلنبدأ أولًا باستعراض ملامح هذه الكارثة الاجتماعية.
يحدّثنا الكتاب الشهير "أمريكا بلا أب" (Fatherless America) لمؤلفه الناشط السياسي الأمريكي ديفيد بلانكنهورن، والذي بيع منه ملايين النسخ، عن الخطر الداهم الذي يهدد المجتمع الغربي. يقول المؤلف بمرارة ووعي: سواءً كانت مشكلات عصرنا حملَ المراهقات، أو الجريمة المتفشية، أو العنف ضد المرأة، أو الانهيار التعليمي، أو فقر الأطفال، فلا شيء أشد خطورة على الأجيال من غياب الأب!
وليس ذلك ادعاءً عابرًا، بل حقيقة تؤكدها الأرقام:
- في عام 2022، عاش نحو 18،3 مليون طفل في الولايات المتحدة بلا أب، أي ما يقارب ربع الأطفال هناك!
- 85% من نزلاء السجون في أمريكا نشأوا بلا آباء.
- 71% من المتسربين من المدارس أبناء أسر مفككة.
- 90% من أطفال الشوارع بلا آباء.
- 60% من المنتحرين من الشباب فقدوا حضور الأب في بيوتهم.
إنها ليست ظاهرة اجتماعية عابرة، بل زلزال يهدم جذور الأسرة، ويُسقط ثمارها، وينذر بفوضى لا تنتهي.
فما الحل؟
الحل هو إعادة الاعتبار إلى مؤسسة الأسرة، وإحياء قدسيتها التي شوَّهتها دعايات المادية الغربية، حتى غدا الزواج في أعين الكثيرين أمرًا "رجعيًا"!
وهنا، يشرق نور الهداية من مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» متفق عليه.
وقال تعالى في محكم التنزيل: ﴿ وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٣٢ ﴾ [سورة النور: 32].
لم يشجّع النبي صلى الله عليه وسلم على الزواج وحسب، بل أضاء للإنسانية جمال العلاقة الزوجية، حتى جعل المودة بين الزوجين عبادةً وقربة: «وفي بُضع أحدكم صدقة» قيل: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال صلى الله عليه وسلم: «أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» رواه مسلم.
إنها نظرة متفرّدة تُحوّل الغريزة البشرية إلى عبادة، وتجعل من العاطفة بين الزوجين سبيلًا للجنة.
ومن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم أنه علّمنا أن الحياة الزوجية ليست جسدًا فحسب، بل روحٌ تفيض بالحنان، وقلوبٌ تتعانق. كان يقبّل زوجاته، ويجلس معهن، ويشرب من موضع شربهن، ويستحم معهن من إناء واحد، ويُداعبهن، ويعاونهن في أعمال البيت. وكان يقول «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» رواه الترمذي.
ولم يكن حبه لهن مشروطًا بظرف، بل كان يتودد إليهن حتى في أوقات الحيض، يجالسهن ويُؤنسهن، وهو في الوقت نفسه قائد جيوش، وخطيب أمة، ومفكّر عظيم!
إن استعادة الأسرة ليست ترفًا اجتماعيًا، بل ضرورة إنسانية. حين يزهر الزواج الطيب، يزهر معه الأطفال كالورود في حديقةٍ غنّاء؛ يملؤون البيوت ضحكًا ولهوًا، وتُضاء الحياة بحضن الأم وحنان الأب، وبجدٍّ رحيمٍ وجدةٍ حنون، وأخٍ وأختٍ يملآن الأجواء ألفةً وفرحًا.
لكن حين ينهدم كيان الأسرة، ينبت جيلٌ غريب بلا جذور: أطفالٌ بلا آباء، يتسكّعون في الشوارع، تقتنصهم الجرائم، وتبتلعهم السجون، ويبتلعهم اليأس. إنها صورة قاتمة لإنسانية فقدت البوصلة.
لقد أراد دعاة المادية أن يختصروا الحياة في مطعمٍ يُغني عن بيت، وفي بيوت دعارةٍ تُغني عن زوجة، وفي لهوٍ يُغني عن أطفال. لكنهم لم يحصدوا إلا الفراغ: شوارع مكتظة بأبناءٍ بلا هوية، وسجون مليئة بأرواح ضائعة، وأجيال تنتحر لأنها لم تجد صدرًا حنونًا ولا قلبًا يأويها.
إن الحل ليس جديدًا، بل قديمٌ قِدَم الرسالة، العودة إلى الأسرة التي أرادها الله، إلى الزواج المليء بالسكينة، إلى الرحمة التي تُنبت المودة، إلى الأب الذي يكون عمود البيت، والأم التي تكون قلبه.




