كان الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري مباركًا في كل أطوار حياته، ومن أعظم دلائل بركة العالم وثرائه العلمي امتدادُ أثره في تلامذته، الذين يحملون علمه وينشرونه في الآفاق. وقد حاز الإمام مسلم نصيبًا وافرًا من ذلك، فخرّج عددًا كبيرًا من التلاميذ، حتى إنّ التاريخ لم يستطع أن يُحصيهم إحصاءً تامًا، وإن كانت كتب التراجم قد حفظت لنا أسماءً لامعةً منهم. ومن أبرز تلامذته:
الإمام إبراهيم بن أبي طالب النيسابوري: كان عالمًا جليلًا في القرآن والحديث، ومن أعلام نيسابور. وصفه الإمام الحاكم النيسابوري بأنه إمام عصره في علم الحديث، ومعرفة الرجال، ونقد الروايات. وقد شارك في مناظرات علمية مع كبار العلماء، منهم أحمد بن حنبل. توفي سنة 295 هـ.
محمد بن سفيان النيسابوري: كان زاهدًا عابدًا، شديد التعلّق بشيخه، حتى لازم الإمام مسلم ملازمةً تامة، فنهل من علمه، وتكوّنت لديه ملكة حديثية راسخة. تُوفي سنة 308هـ.
أبو حامد الأعْمَشي: عُرف بثقته في الرواية، وكان صاحب تصانيف، وقد أسهم في نشر علم الحديث، وتوفي سنة 321هـ.
أحمد بن سلمة: كان من أقرب تلاميذ الإمام مسلم إليه، لازمه في أسفاره إلى بلخ والبصرة، وتأثر به تأثرًا بالغًا. شارك شيخه في بعض أعماله العلمية، وكان من أبرز من نقلوا علومه إلى الناس.
الإمام أبو علي النيسابوري: كان له مجلس علمي بارز، حتى صار بيته مقصدًا لطلاب الحديث بعد الإمام مسلم، وأحد أعمدة الحركة العلمية في نيسابور. توفي سنة 289هـ.
الإمام ابن خزيمة: هو من كبار أئمة الحديث، وُلد سنة 223هـ وتوفي سنة 311هـ، وعاش قرابة ثمانٍ وثمانين سنة. تأثر بالإمام مسلم، وكان له دور كبير في خدمة السنة.
أبو العباس السراج: وهو أيضا من تلامذة الإمام، وله اهتمام خاص بتدوين الحديث، وكتب تعليقات على صحيح مسلم، مما يدل على عمق صلته بتراث شيخه.
أبو العباس الدغولي: كان من كبار علماء خراسان، جمع بين الفقه واللغة، وتوفي سنة 325هـ.
الإمام أبو عيسى الترمذي: وهو من أشهر تلاميذ الإمام مسلم، عُرف بقوة حفظه ودقته، وتأثر بأسلوب شيخه في عرض الحديث، فصار له منهج مميز في التصنيف.
أبو بكر الجاروردي: كان رفيقًا للإمام مسلم في بعض أسفاره، ومحدّثًا بارزًا، تولّى مناصب علمية مرموقة، وكان ينقل أخبار رحلات شيخه بشغف.
مكي بن عبدان: عاش عمرًا طويلًا، وتوفي سنة 325هـ، وكان من الملازمين للإمام مسلم، نقل عنه الكثير من الأحاديث، وأسهم في نشر كتبه وتعليمها.
لقد شكّل هؤلاء التلاميذ وغيرهم سلسلةً علميةً متصلة، حملت تراث الإمام مسلم، ونشرته في الآفاق، حتى أصبح علمه نهرًا جاريًا لا ينقطع. وهكذا يتجلّى أن العالم الحق لا يُقاس بعلمه فحسب، بل بما يتركه من رجالٍ يسيرون على نهجه، ويواصلون رسالته.
