اتسمت حياة الإمام مسلم بقدرٍ من الوقار والجلال، حتى بدت ملامح شخصيته في هيئته ومشيته وجلوسه. كان ذا قامةٍ حسنة، ووجهٍ مشرقٍ يجذب الأنظار، وقد غزا الشيب رأسه ولحيته، فزادته هيبةً وجمالًا. وكان يعتمر عمامةً فخمةً ذات طابعٍ ملوكي، تنسدل أطرافها بين كتفيه في صورةٍ تزيده وقارًا، وتكتمل هيبته برداءٍ أنيقٍ يليق بمقامه.
ومع هذا المظهر المهيب، لم تفارق وجهه سِمة التواضع العلمي؛ فكانت هيبته ممزوجةً بلينٍ ووقار، تجذب إليه القلوب قبل الأبصار. فلم يكن غنيًّا متكبّرًا، بل كان عظيمًا في تواضعه، سواء أمام الفقراء أو الأغنياء، الذين أجمعوا على محبته وتعظيمه.
وكان ميله الدائم إلى الفقراء واضحًا في حياته؛ إذ لم تكن تجارته وسيلة للثراء فحسب، بل كانت بابًا لخدمة المجتمع. وقد نجح في ذلك نجاحًا باهرًا، حتى صار بيته مقصدًا لأهل الحاجة، ولقّبه الناس بـ"محسن نيسابور"، لما عُرف عنه من كثرة العطاء وسخاء اليد.
أنفق من ماله بسخاء، فتدفّقت عطاياه في شتى الاتجاهات، ولم يردّ سائلًا قط. وكان يُخرج جزءًا كبيرًا من أرباح تجارته في الصدقات، من أموالٍ وعقاراتٍ وسلع، فضلًا عن التزامه بأداء الزكاة المفروضة بدقة.
ومع كل هذا العطاء، لم يُعرف عنه أنه مدّ يده لأحد، بل ظلّ دائمًا من المعطين لا من الآخذين، محافظًا على نقاء حياته، خصوصًا في جانبين عظيمين؛ طهارة النفس، ونزاهة الكسب. وهما ركيزتان لا غنى عنهما لمن يحمل سنة النبي ﷺ وينقلها إلى الأمة.
وقد تحلّى الإمام مسلم بمكارم الأخلاق كلها؛ فلم يُعرف عنه جدالٌ عقيم، ولا طعنٌ في أحد، ولا غيبة ولا سبّ. وقد نقل عبد العزيز الدهلوي أنه لم يُعرف عن الإمام مسلم أنه اغتاب أحدًا أو شتمه أو آذاه.
ورغم أن البيئة العلمية في نيسابور كانت مليئة بالمناظرات والنقاشات، إلا أنه حافظ على شخصيته المتّزنة، فلم ينزلق إلى مهاترات أو خصومات شخصية، وهو أمر قلّ أن يسلم منه العلماء، إذ تُعدّ الغيرة العلمية من أخطر الآفات، لكنه تجاوزها بصفاء نفسٍ نادر.
وقد وصفه أهل نيسابور بقولهم: كان مسلم قائدًا شريفًا، رمزًا للنضج، متحليًا بالخير، صادقًا في حكمه، يزن الأمور بميزان العدل. أما تلاميذه، فكانوا يجلّونه غاية الإجلال، ومنهم محمد بن عبد الوهاب الفراء الذي قال: ما رأيت أحدًا أفضل من شيخنا، كان صورةً للخير، نسأل الله أن يرحمه ويرحمنا.
وكان الإمام مسلم عابدًا خاشعًا، جمع بين العلم والعمل، فلم يكن علمه نظريًا، بل تجسّد في حياته اليومية. داوم على تلاوة القرآن، والصلوات النافلة، وقيام الليل والتهجّد، وصيام النوافل، حتى صارت العبادة جزءًا لا يتجزأ من كيانه.
وكان شديد الورع، يحتاط في أموره، فيترك أحيانًا بعض المباحات خشية الوقوع في الشبهات. ولهذا حاز مكانةً عظيمة في قلوب الناس، وظلّ قدره يرتفع يومًا بعد يوم.
كما عُرف بشجاعته في قول الحق، فلم يكن يخشى في الله لومة لائم، ولم يبالِ بالوحدة إذا كان في صفّ الحق، بل كان مستعدًا لمواجهة التحديات في سبيله.
ويرى كثير من المؤرخين أنه كان على مذهب الإمام الشافعي، بينما ذهب بعضهم إلى أنه بلغ درجة الاجتهاد المطلق. وعلى أيٍّ من القولين، فقد كان واسع المعرفة في الفقه، ولم يقتصر على علم الحديث، بل تعمّق في دقائقه ومعانيه، فجمع بين الرواية والدراية، وجعل حياته كلّها وقفًا على فهم السنة وخدمتها.
