ينتمي الإمام مسلم إلى قبيلة قشير، وهي قبيلة عربية عريقة، نُسبت إلى جدِّها الأعلى قشَيْر. وكان والده الحجّاج من العلماء المرموقين، برع في فنون متعددة من العلوم، واشتهر بالفضل والصلاح. وقد نظر تلاميذ الإمام مسلم إلى والده بعين التقدير والإجلال، ومنهم محمد بن عبد الوهاب الفراء، الذي كان على صلة وثيقة به، وقال عنه يومًا: إنّ والد شيخنا، الحجّاج، من أهل القيادة الروحية الرفيعة.
ومن الطبيعي أن تكون المدرسة الأولى للإمام مسلم هي بيت والده؛ فقد تولّى الحجّاج بنفسه تربية ابنه وتعليمه، فغرس فيه حبَّ العلم منذ نعومة أظفاره، وتابع نشأته متابعة دقيقة، حتى كأنّ العلم يسري في كلّ ذرّة من كيانه.
كان الأب يطمح أن يرى ابنه عالمًا جليلًا، فبدأ معه بتعليم القرآن الكريم، إذ كان حفظ القرآن في ذلك العصر أساسَ كلّ طلبٍ للعلم، وطريقًا ممهّدًا لسائر المعارف. وقد نشأ الإمام مسلم في بيئةٍ كان حفظ القرآن فيها أمرًا ميسورًا لمن صدقتْ نيّته، فشرع في حفظه بإتقان.
أظهر مسلم نبوغًا مبكرًا، فتميّز على أقرانه، ولم تمضِ مدة طويلة حتى أتمّ حفظ القرآن الكريم، مثبتًا آياته في صدره تثبيتًا راسخًا. فغمر الفرح قلب والده، وأثنى عليه، ووجّهه بنصائح ثمينة، من أهمها: أنّ من حمل القرآن ينبغي أن يتحلّى بأخلاقه، وأن يجتنّب المعاصي؛ لأنّ الذنوب تُعكّر صفاء العلم وتحجب نوره. كما حثّه على الاستمرار في طلب العلم، وعدم الاكتفاء بما حصل، بل السعي إلى التعمّق عبر التعلّم على أيدي كبار العلماء.
وعلى هذا الأساس، أرسله والده إلى حلقات العلم، وحرص على أن يُتقن اللغة العربية، لما لها من أثر بالغ في فهم النصوص الشرعية. وقد أثمرت هذه العناية؛ إذ سرعان ما تمكّن الإمام مسلم من أدوات اللغة، فصار ذلك مفتاحًا لانفتاح أبواب العلوم أمامه.
ثم اتجه إلى دراسة تفسير القرآن الكريم، لما لذلك من أهمية في حياة المسلم، وتبع ذلك بالضرورة التعمّق في علوم القرآن المختلفة. ومن هنا، انجذب قلبه إلى علم الحديث، باعتباره البيان العملي والتفصيلي للقرآن الكريم.
وكانت مدينة نيسابور، التي نشأ فيها، مهوى أفئدة العلماء، ومركزًا مزدهرًا لعلوم الحديث، ممّا هيّأ له بيئة علمية خصبة، أسهمت في صقل شخصيته العلمية.
وخلال مرحلة الطلب، عُرف الإمام مسلم بحسن الخلق، فكان محبًّا لزملائه، موقّرًا لشيوخه، محترمًا لكبار السنّ، متحلّيًا بالفضائل، مجتنبًا للرذائل. كما عُرف بالجدّ والاجتهاد، فكان يقضي الليالي في طلب العلم، ويجد في ذلك لذّة ومتعة، ويُكثر من المراجعة والمناقشة مع أقرانه، حتى تبلورت شخصيته العلمية المتميزة.
ولم يكن لوالده وحده هذا الأثر، بل كان لأمّه دورٌ عظيم كذلك؛ فقد كانت امرأة صالحة، مُحبّة للعلم، عاشت حياةً ملؤها التقوى، وأسهمت في تربية ابنها تربية متوازنة. فلم تُهمل شأنه رغم مشاغل الحياة، بل كانت له سندًا وعونًا. فاجتمع في نشأة الإمام مسلم عاملان عظيمان: أبٌ عالمٌ مربٍّ، وأمٌّ صالحةٌ واعية، فكان لذلك بالغ الأثر في تكوين هذه الشخصية العلمية الفذّة، التي ستصبح لاحقًا من أعمدة علم الحديث في الإسلام.
