كان سابور بن هرمز أحدَ الملوك البارزين من الفرس، عُرف برجاحة عقله ونزعته إلى التجديد والعمران. وقد خلّد التاريخ شغفه ببناء المدن وتشييد الحواضر.
وفي يومٍ من الأيام، خرج سابور مع حاشيته في جولة، حتى بلغ منطقةً تغلب عليها غاباتُ القصب الكثيفة. فأُعجب بالمكان إعجابًا شديدًا، وقرّر في الحال أن يُحوّله إلى مدينةٍ عامرة. فأصدر أوامره بقطع القصب وتنظيف الأرض، ولم تمضِ إلا فترةٌ وجيزة حتى قامت هناك مدينةٌ جميلة.
قال ابن الأثير: وإنّما قيل لها نيسابور لأنّ سابور لما رآها قال: يصلح أن يكون ههنا مدينة وكانت قصبًا فأمر بقطع القصب وأن يبنى مدينة، فقيل: نيسابور، والني في الفارسية القديمة القصب. فيكون المعنى قصب سابور. وفي معجم البلدان لياقوت الحموي، إنما سميت بذلك لأن شابور مرّ بها وفيها قصب كثير فقال: يصلح أن يكون ههنا مدينة، فقيل لها نيسابور.
سرعان ما أصبحت نيسابور مدينةً زاهرة، تحتضن مختلف الثقافات، وتستقبل مظاهر التقدم العلمي والفكري. وتعاقب على رعايتها عددٌ من الملوك، فنمت وازدهرت.
تقع نيسابور اليوم في إقليم خراسان في إيران، على ارتفاع يقارب 3920 قدمًا عن سطح البحر. وهي من أخصب مناطق البلاد، غنيةٌ بالموارد، وقد كانت يومًا من أعظم مراكز العلم في العالم الإسلامي.
وهناك مثل سائر يقال:إن كانت جذور العلم في مكة والمدينة، وأغصانه في العراق، فإنّ ثماره في خراسان. ولا شك أن نصيبًا كبيرًا من تلك الثمار كان في نيسابور. كانت نيسابور من أكبر مدن خراسان وأكثرها شهرة، وموطنًا لكبار العلماء في شتى العلوم، لا سيما علم الحديث. حتى وُصفت بأنها مدينة علم الحديث.
وقال المؤرخ ياقوت الحموي: نيسابور وهي مدينة عظيمة ذات فضائل جسيمة، معدنُ الفضلاء، ومنبعُ العلماء، لم أر فيما طفتُ من البلاد مدينة كانت مثلها. وقد ذكر الإمام عبد الغافر، في كتابه عن تاريخ نيسابور، ما يقارب (1678) عالمًا من علمائها، وهو رقم يدلّ على عظمتها العلمية. ومن بين تلك الكوكبة اللامعة، يبرز اسم الإمام مسلم، أحد أعلام علم الحديث، الذي وُلد ونشأ في هذه المدينة. وقد اختلف العلماء في تحديد سنة مولده؛ فقيل سنة 201 هـ، وقيل 202 هـ، وقيل 206 هـ. ورجّح الحافظ ابن حجر القول الأخير، وهو ما مال إليه كثير من المحققين.
وُلد الإمام مسلم في عصرٍ كان يعجّ بكبار العلماء، مثل الإمام البخاري، والإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم من أئمة الحديث. وكان ذلك في زمن خلافة الخليفة العباسي المأمون، حيث كانت الدولة تحت حكم بني طاهر في خراسان منذ سنة 205 هـ، وهم تابعون للخلافة العباسية. وقد عيّن المأمون طاهر بن الحسين واليًا على تلك البلاد، وكانت نيسابور عاصمتهم.
