في زمن الإمام مسلم، كانت مدينة نيسابور مركزًا تجاريًا عالميًا مزدهرًا، تتوافد إليها القوافل من مختلف الأقطار، طلبًا للتجارة والرّبح. وكان النشاط الأبرز فيها تجارة الأقمشة والمنسوجات، إضافة إلى السلع المنزليّة، حتى غدت المدينة غنيةً بما تنتجه وتُصدّره، خاصة إلى بلاد الشام وبلاد الترك، حيث كان الملوك يتنافسون في اقتناء أفخر الأنسجة.
ولم يكن الإمام مسلم غافلًا عن هذا الحراك الاقتصادي؛ بل أدرك بوعيٍ عميق أن طلب العلم يحتاج إلى موارد، وأنّ الرحلات في سبيل الحديث تتطلّب نفقة، فضلًا عن متطلّبات العيش وخدمة المجتمع. ومن هنا بدأ يتساءل: لِمَ لا يجمع بين العلم والعمل؟
فاتخذ قراره، ودخل ميدان التجارة، مستعينًا بما توفر لديه من مال. واختار تجارة الأقمشة، لما لها من رواجٍ واسع في الأسواق العالمية آنذاك. وكان في ذلك اقتداءٌ بهدي النبي ﷺ، الذي حضّ على الكسب الحلال، وبيّن أن أطيب المال ما كسبه الإنسان بيده.
بدأ الإمام مسلم تجارته بتدرّج، حتى كتب الله لها النجاح، فافتتح متجرًا واسعًا في سوق خان بحمس بنيسابور ، وازدهرت تجارته شيئًا فشيئًا. ومع ذلك، ظلّ حريصًا على ألا تشغله الدنيا عن طلب العلم، فكان يوازن بدقة بين تجارته ورسالة حياته الكبرى؛ خدمة السنة النبوية.
وقد أحسن إدارة ماله، فلم يكتفِ بالكسب، بل حرص على حفظه وتنميته، فاشترى الأراضي والعقارات، وكان من أهم ما اقتناه أراضٍ زراعية ، تكفيه وأهله عيشًا كريمًا، دون أن يمدّ يده لأحد.
وفي خضمّ هذه الحياة المتوازنة، تزوّج الإمام مسلم زواجًا بسيطًا مباركًا، من ابنة العالم عبد الواحد الصفار، وكانت زوجة صالحة، جميلة الخلق والدين، نشأت في بيت علم، فتشرّبت معانيه منذ صغرها.
وكان لهذا الزواج أثرٌ بالغ في حياة الإمام؛ إذ وجد في زوجته عونًا صادقًا على طلب العلم، فلم تعق مسيرته، بل دعمته، وقدّرت جهده، ووفّرت له بيئةً هادئة تساعده على البحث والتأليف. كما استفاد من علم والدها، فازداد بذلك رسوخًا وتمكينًا. وقد كانت هذه الأسرة مثالًا للتكامل بين العلم والعمل، وبين الحياة الأسرية والرسالة العلمية.
