لا يخفى أنّ دور الشيوخ في تشكيل شخصية العالم دورٌ محوريٌّ وعميق؛ فالعلم لا يُنال من الكتب وحدها، بل يُستمدّ من صدور الرجال، ومن أخلاقهم قبل معارفهم. وقد كان للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري حظٌّ وافرٌ من هذا الإرث، حتى إن كتابه العظيم الصحيح يشتمل على ذكر ما يقارب مئتي شيخٍ من شيوخه، فضلًا عمّن أخذ عنهم خارج هذا المصنَّف.
ومن بين هؤلاء الشيوخ الكُثُر، برزت أسماءٌ كان لها الأثر الأعمق في تكوينه العلمي والمنهجي، ومنهم سبعة يُعدّون أعمدةً في مسيرته، وهم:
الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: ذلك العلم الشامخ، الذي وُلد في بخارى سنة 194هـ، ونشأ يتيم الأب، فتكفّلت به أمّه، وأحسنت تربيته. حفظ القرآن صغيرًا، ثم انصرف إلى علم الحديث حتى صار إمامًا فيه. كان البخاري شيخًا مباشرًا للإمام مسلم، بل كان بينهما ارتباطٌ علميٌّ وروحيٌّ فريد، حتى قيل: لولا البخاري لما كان مسلم. وكان مسلم يجلس بين يدي شيخه بأدبٍ جمّ، كالصبيّ بين يدي معلّمه، ويلازمه ملازمة الظلّ لصاحبه. وكان مسلم كلما دخل على الإمام البخاري يسلم ويقول: دعني أقبّل رجليك يا طبيب الحديث في علله، ويا أستاذ الأستاذين، ويا سيد المحدّثين. ومن شدّة تأثّره به، أنّه كان إذا ظهر له وجه الصواب عند شيخه، أذعن له وبكى فرحًا بالعلم الجديد.
مرة، عرض الإمام مسلم بن الحجاج حديثًا نبويًا بسندٍ كان مألوفًا لديه. فما إن سمعه الإمام البخاري حتى قال: فيه خلل. فوقف مسلم متحيّرًا. ثم بيّن البخاري نفس الحديث بسندٍ صحيحٍ خالٍ من العلل. عندها تأثر مسلم تأثرًا بالغًا، فقام إلى أستاذه وقبّل رأسه وهو يبكي فرحًا بما ناله من علمٍ جديد.
ولم يكن مسلم يحب من ينتقص من البخاري أو يطعن فيه بغير حق. وقد حدث أن أحد العلماء، بدافع الحسد، هاجم البخاريّ. وكان مسلم قد أخذ عن هذا الرجل علمًا كثيرًا. فلما بلغه ذلك، غضب، وجمع كل ما كتبه عنه من علوم، ووضعه في وعاء وحمله إلى بيته، دون أن يزيد على ذلك أيّ ردٍّ أو جدال.
الإمام محمد بن يحيى الذهلي: وُلد سنة 170هـ، وكان من كبار علماء خراسان، حتى لُقّب بـبحر العلم. تتلمذ عليه مسلم قبل اتصاله بالبخاري، واستفاد منه أصول هذا الفن، وكان له أثرٌ واضح في تأسيسه العلمي
عبد بن حميد الكسي : وهو من كبار الرحّالة في طلب الحديث، جمع الروايات من مختلف الأقطار، وكان ثقةً متقنًا. وقد أكثر الإمام مسلم الرواية عنه في صحيحه، وكانت بينهما علاقة وثيقة، وكان يزوره ويستفيد من خبرته في التصنيف.
الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: وُلد سنة 181هـ، وهو من كبار المصنّفين، وتتلمذ عليه أعلام كبار كأبي داود والترمذي. وكان يُعدّ من قادة عصره في العلم. وقد روى عنه مسلم في صحيحه عددًا كبيرًا من الأحاديث، مما يدلّ على مكانته عنده.
يحيى بن يحيى التميمي: من أوائل شيوخ الإمام مسلم، وكان له أثرٌ في بداياته العلمية. أثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل ثناءً عاطرًا، مما يدل على مكانته. وقد لازم مسلم هذا الشيخ واستفاد منه حتى شبّ عن الطوق.
عبد الله بن مسلمة القعنبي: وُلد سنة 130هـ، وكان من أوثق الرواة وأعلمهم، حتى قال فيه الإمام مالك بن أنس: هو من أفضل أهل الأرض. التقى به مسلم في موسم الحج، ولم تطل مدة التتلمذ، لكن أثره كان بالغًا في تكوينه.
الإمام أبو زرعة الرازي: وهو من كبار أئمة النقد الحديثي، وكان يُلقّب بـسيّد الحفّاظ. بلغ من حفظه وإتقانه مبلغًا عظيمًا، حتى قال اسحق بن راهويه عنه: ما لم يعرفه أبو زرعة فلا أصل له. كان أحمد بن حنبل يشارك معه باستمرار في مناقشات علمية. وكان يقول مفتخرًا: كنا في كثير من الأحيان ننشغل بالحوارات العلمية في سائر الأوقات، ولا نتركها إلا عند دخول وقت الصلوات المفروضة. وكان الإمام مسلم يعرض عليه كتابه الصحيح، فيراجعه و يستوثق من أحاديثه، مما يدلّ على ثقة مسلم بعلمه ومنهجه.
لقد شكّلت هذه الكوكبة من العلماء مدرسةً متكاملة في حياة الإمام مسلم، جمعت بين الحفظ والدراية، وبين الرواية والنقد، وبين الأدب والعلم. ولم يكن مسلم مجرّد ناقلٍ عنهم، بل كان تلميذًا نجيبًا، استوعب علومهم، وصاغ منها منهجه الخاص، حتى صار إمامًا يُقتدى به.
