كان الإمام مسلم مثالًا راسخًا للثقة، لا سيما في علم حديث النبي ﷺ. جاب الآفاق لعقود طويلة، والتقى بآلاف الشيوخ، وجمع عددًا هائلًا من الأحاديث.
شارك في نقاشاتٍ ومناظراتٍ لا تُحصى، ونقل ما تعلّمه إلى تلاميذه بأمانةٍ تامة دون أن ينقص منه شيء. كانت حياته مدعاةً للفخر، وجهوده مباركةً مثمرة. وقد ظلّ كتابه العظيم صحيح مسلم بما حازه من شهرةٍ عالمية ومكانةٍ رفيعة في التوثيق تاجًا تتزيّن به المكتبة الإسلامية.
وبينما كان الإمام متألّقًا في مسيرته العلمية، عُقدت في بلده مناظرةٌ في علم الحديث، حضرها جمعٌ من كبار العلماء، ومعهم طلابه النجباء. وتوالت الأسئلة والأجوبة بسلاسة، وكان الإمام مسلم يجيب بدقةٍ وثبات، حتى اشتدّ النقاش وبلغ ذروته.
وفي تلك اللحظة، طرح أحد الحاضرين حديثًا وقال: ما علمُك بهذا الحديث؟ وكان السؤال موجها إلى الإمام مسلم، فتلعثم صوته قليلًا — وهو أمر نادر الحدوث. إذ لم يتذكّر هذا الحديث من قبل! كيف غاب عنه حديثٌ من بين مئات الآلاف التي جمعها من شتى بقاع الأرض؟! لا بدّ أنّه موجود، ولكن كيف نسيه؟! دخل الإمام في حالةٍ من الاضطراب الفكري.
أنهى المجلس مؤقتًا، وعاد إلى منزله، وقد عزم على العثور على ذلك الحديث مهما كلّف الأمر. أيقن أنه موجود في محفوظاته، ولا بدّ من الوصول إليه ، فهذا واجبٌ لا يُتهاون فيه.
دخل إلى مكتبته، وأرشد الناس: لا يدخل عليّ أحد، كما أوصى أهل بيته بأن لا يسمحوا لأحدٍ بالدخول إلى هذه الغرفة دون إذنه.
وبدأ البحث... حلّ الليل، وأُوقد السراج، واستمرّ الإمام في التنقيب، و قال له أهل البيت: لقد أحضرنا تمرًا، ماذا نصنع به؟ فقال: هاتوه إليّ.
أُدخلت سلةٌ كبيرة من التمر إلى الغرفة. وكان الإمام غارقًا في البحث، وبين حينٍ وآخر كان يتناول تمرةً دون أن يشعر. واستمرّ البحث طوال الليل... حتى نفد التمر، وفي اللحظة نفسها عثر على الحديث المنشود.
لكن هذا الانشغال العميق أثّر في صحته. فقد أكل كمياتٍ كبيرة من التمر دون انتباه، فاختلّ نظامه الهضمي. ومرض الإمام إثر ذلك، ولم يلبث طويلًا بعد هذه الحادثة. ووفق بعض الروايات، فقد انتقل إلى رحمة الله في اليوم نفسه. فأصبح ضحية العلم .
كانت وفاته يوم الأحد مساءً، 25 رجب سنة 261 هـ، الموافق 6 مايو 875م، عن عمرٍ ناهز خمسًا وخمسين سنة. لم يكن قد تجاوز منتصف العمر بعد، لكن نجمه العلمي كان قد أتمّ مهمته وأفل.ودُفن يوم الاثنين في نيسابور، في ضواحي نَصرآباد، عند بداية ميدان زياد. وشارك جمعٌ غفير من الناس في تشييعه، وعمّ الحزن أرجاء العالم الإسلامي. وتألم العلماء لفقده... فقد غاب نجمٌ من نجوم عصرٍ بأكمله. ازدحمت البلاد بالزائرين، ولا تزال ذكراه إلى اليوم حيّةً متألقة، لم يخفت بريقها. وذكر الذهبي المتوفي في القرن الثامن أن قبره يزار.
