الحديث هو كلام النبي ﷺ، أو بعبارة أخرى، البيان الشفهي لسيرته العملية. وقد استأثر علم السنة النبوية، وهو المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، باهتمام الإمام مسلم منذ نعومة أظفاره. وكان والده أولَ من فتح له هذا الباب، فمهّد له طريق الولوج إلى هذا العلم الشريف.
بدأ الإمام مسلم طلب الحديث في نيسابور، حيث نشأ وترعرع، وكان شديد الحرص على السماع من كبار العلماء. وكان ذلك في سن الثانية عشرة، سنة 218 هـ، وهي بداية مبكرة تدل على نبوغٍ واستعدادٍ فطريٍّ مميز.
بعد أن نهل من علم والده، توجّه إلى علماء بلده، فكان أول من سمع منه الحديث هو يحيى بن يحيى التميمي، وهو من كبار علماء نيسابور، ومنسوب إلى قبيلة تميم. كما أخذ عن إسحق بن راهويه، الإمام الكبير الذي توفي سنة 238 هـ، وكذلك عن قتيبة بن سعيد المتوفى سنة 240 هـ.
ولم يقتصر على هؤلاء، بل طاف في طلب العلم بين العلماء، يلتقط الدرر من أفواه الشيوخ، حتى استكمل دراسته في بلده. ولم يكن اكتفاؤه بالسماع مجرّد نقل، بل كان مصحوبًا بالبحث والتدقيق في أسانيد الأحاديث، وتتبّع طرقها، ممّا أكسبه ثقة شيوخه، الذين رأوا فيه مشروع عالمٍ كبير في علم الحديث.
ومنذ تلك البداية المبكّرة، لم يعرف التوقف طريقًا إليه؛ بل واصل رحلته العلمية بلا انقطاع، فجمع بين الرحلة في طلب العلم، ودراسة علل الحديث، والبحث في أحوال الرواة. وكان علم الرجال ، الذي يدرس حياة الرواة من حيث ولادتهم ووفاتهم، وصدقهم وضبطهم، وأخلاقهم وسيرتهم ، من أشق العلوم، لكنه خاض غماره بعزيمة لا تلين.
لم يلتفت إلى الوراء، ولم يفترّ حماسه، بل ظلّ يُحوّل ليله إلى نهار، وأنفاسه إلى تفكّر، يجمع من العلم ما استطاع، ويجوب البلاد شرقًا وغربًا، في رحلات شاقة، ويشارك في المجالس العلمية والمناظرات، حتى صار من أعلام هذا الفن.
وفي تاريخ بغداد يحكي عن مسلم بن الحجاج قال: فقد ارتحل الإمام مسلم إلى العراق وسمع عبد الله بن مسلمة، وإلى خراسان فسمع ابن راهويه، وبالرى محمد بن مهران، وبالحجاز سعيد بن منصور وغيره، وبمصر عمرو بن سوادة وحرملة بن يحيى وآخرين وخلائق كثيرين، وتكررت زيارته إلى بغداد..
وكانت قوة فهمه ودقة إدراكه وقودًا لهذه المسيرة، فلم تفتر همته في تتبع الحديث، بل أبدى صبرًا يشبه ثبات الجبال، ولم تُضعف عزيمته مشاق السفر ولا كثرة التضحيات.
ويُروى أنه كان في مجلسٍ علميٍّ حضره جمع من العلماء، فذُكر حديث لم يكن قد سمعه من قبل. فاشتعلت نفسه شوقًا للوقوف على حقيقته، وتعجّب كيف فاته. فما إن انتهى المجلس حتى عاد إلى بيته، وأمضى ليلته كلّها في البحث والتحقيق عن ذلك الحديث.
هكذا كان الإمام مسلم: يذوب في طلب العلم، وينسى نفسه أمام شغفه بالمعرفة. وهذا مقام لا يبلغه إلا القليل، لأنه لم يكن رجلًا عاديًا، بل كان مثالًا حيًا للعالِم الذي جعل حياته كلها وقفًا على خدمة سنة النبي ﷺ.
