كانت تلك مرحلةً تمُوجُ بالجهود المضنية في خدمة علم حديث النبي ﷺ. وفي خضمّ تلك الانشغالات، كان خاطرٌ يزور ذهن الإمام مسلم بين الحين والآخر؛ تأليفُ كتابٍ عظيمٍ في هذا الفن.
فقد كان قد جمع بالفعل مئات الآلاف من الأحاديث، محفوظةً في صدره ومقيّدةً في كتاباته بإتقان. وكان يحلم بين الفينة والأخرى باستخلاص عملٍ دقيقٍ من تلك الثروة الهائلة. غير أنّه لم يُقْدِم على التنفيذ بعد.
وفي تلك الأثناء، طرح أحد طلابه الفكرة نفسها: لماذا لا تُؤلِّف كتابًا جامعًا؟ كتابًا يكون مقبولًا عند الجميع في باب الحديث، خاليًا من العيوب، تتلقّاه الأمة بالقبول؟
ويرى بعضهم أنّ الذي طرح هذه الفكرة هو تلميذه المقرّب أحمد بن سَلَمة، بينما يذهب آخرون إلى أنه قد يكون من أقرانه أو معاصريه. وعلى أي حال، فقد أثارت هذه الرؤية الصادقة حماسة الإمام مسلم، فأدرك أن لا مجال للتأخير. وسرعان ما شرع في التأليف، فكانت ولادة كتابه الذي عُرف لاحقًا في العالم كله باسم «صحيح مسلم».
وكلمة صحيح تعني الثابت الموثوق. وقد نُسب الكتاب إلى مؤلفه، فاشتهر باسمه. وكانت أحاديثه واضحةَ السند والدلالة، حتى قال مؤلفه نفسه: لا مجال للشك في صحة ما أوردتُه في هذا الكتاب.
وقد كُتب هذا المصنَّف في زمنٍ كانت فيه نيسابور تعجّ بكبار علماء الحديث، ممّا يجعل النقد شديدًا والدقة مطلوبةً إلى أقصى حدّ. ومع ذلك، لم يكن الإمام مسلم يخشى شيئًا، إذ كان يمتلك من أدوات العلم ما يمكّنه من مواجهة كلّ تمحيص.
وقد استغرق تأليف هذا الكتاب زمنًا طويلًا، كما هو حال الإمام البخاري. ويذكر الإمام النووي أن مدة التأليف بلغت ستة عشر عامًا، بينما يقول أحمد بن سلمة – الذي لازم شيخه أثناء التأليف – إنّه صحبه خمسة عشر عامًا في هذه الرحلة. وهي مدة طويلة، لكنها كانت لازمةً لضمان غاية الدقة في نقل الحديث.
وكان عمر الإمام مسلم عند بداية التأليف نحو عشرين عامًا، وامتدّ العمل حتى سنة 250 هـ، أي أنه بدأ قرابة سنة 235 هـ. وكانت تلك فترة مليئة بالانشغالات؛ تجارةٌ، ومسؤولياتٌ أسرية، ومع ذلك أدارها كلّها بحكمة، وتفرّغ لإنجاز كتابه.
وبعد إتمامه، عُرض الكتاب على كبار العلماء، فقرأوه واستمعوا إليه للتحقّق من دقته. ويذكر إبراهيم بن سفيان أنهم فرغوا من سماع «صحيح مسلم» في رمضان سنة 287 هـ.
وكانت هذه القراءات العلمية سببًا في بلوغ الكتاب درجةً عاليةً من الإتقان. وقد نُسخ في بداياته في نحو 620 صفحة بخطٍ صغير. وحرص كثير من العلماء على تلقيه مباشرةً من الإمام مسلم. بل إن حلقات تدريسه كانت تُعقد حتّى في أماكن التجارة. وقد حفظه عددٌ كبير من العلماء عن ظهر قلب.
وزيّن «صحيح مسلم» رفوف أشهر المكتبات في العالم، واحتل مكانةً مرموقة إلى جانب «صحيح البخاري». ويضمّ نحو 1351 بابًا، وقد انتُقي من نحو ثلاثمائة ألف حديث. ويحتوي على 5770 حديثًا، ترتفع إلى 7395 مع المكرّرات.
أجمعت الأمة على أن صحيح مسلم هو ثاني أصح كتب الحديث بعد صحيح البخاري،. بل إنّ بعض العلماء قدّموه على البخاري في بعض المواطن. وقال الحافظ ابن حجر: مسلم رجلٌ وُفِّق توفيقًا عظيمًا، ولم يُعطَ أحدٌ مثل ما أُعطي. وقد رأيتُ من يُقدّمه في بعض البلاد، وذلك لجودة تصنيفه. وقال ابن تيمية: ليس تحت أديم السماء بعد كتاب الله أصحّ من صحيح البخاري ومسلم.
وقد تنافس العلماء في خدمة هذا الكتاب؛ فمنهم من نسخه بخطّ اليد في زمنٍ لم تكن فيه الطباعة، ومنهم من درّسه وشرحه، ومنهم من حفظه. حتّى إنّ بعضهم كان يختمه في أيام قليلة كما يُختم القرآن. كما حرص الملوك والعلماء وطلاب العلم في الآفاق على تعلّمه وسماعه.
ووُضعت على «صحيح مسلم» شروحٌ كثيرة، بلغت نحو 64 شرحًا، من أشهرها شرح الإمام النووي. كما أُلّفت مختصراتٌ له، وكتبٌ تجمع بينه وبين صحيح البخاري، إضافةً إلى دراسات نقدية وتحقيقات علمية حول رجاله وأسانيده، بلغت عشرات المؤلفات. ولم تقتصر خدمته على العربية، بل امتدت إلى لغاتٍ أخرى أيضًا.
