كان بلالٌ عبدًا…عبدًا يُباع ويُشترى بين أيدي سادةِ مكّة، كأنّه متاعٌ من الأمتعة. كان مِلكًا لأميّة بن خلف، أحدِ جبابرة قريش، بينما هو في الأصل رجلٌ حبشيّ من أرضٍ بعيدة، لكنّ قلبه كان أوسعَ من الصحراء التي يُساق فيها.
وفي تلك الأيام التي كانت مكّة فيها تغلي بالكبرياء والظلم، بدأ صوتٌ جديد ينتشر، صوتٌ يهتف: إنّ ربّ العالمين هو وحده المالك، والناسُ كلّهم سواء، لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ، ولا لسيّدٍ على عبدٍ إلا بالتقوى.
ذلك النداء لم يكن ككلّ الأصوات. لقد طرق قلبَ بلالٍ طرقًا عنيفًا، فامتلأ به يقينًا ونورًا. وعندما أعلن بلالٌ إسلامه، قامت الدنيا عليه. فقد تمرّد العبد على سيّده، وتمرّد على نظامٍ ظلّ قرونًا راسخًا في النفوس.
بدأت رحلة العذاب. سُحب بلال في شوارع مكّة، وأُلقي على الرمضاء المحرقة، ووُضعت الصخرةُ العظيمة على صدره. وقف أميّة بن خلف فوقه يصيح: ارجع عن دين محمد، وامدح آلهتنا! لكنّ شفتي بلال لم تنطقا إلا بكلمةٍ واحدةٍ تهزّ السماء: أحدٌ… أحدٌ. أيّ عظمةٍ هذه التي تجعل عبدًا أعزل يواجه سيّدَه بكلّ هذا الثبات؟! لقد عرف ربَّه، فهانت عليه الدنيا وما فيها.
ورأى الصدّيق أبو بكرٍ رضي الله عنه هذا المشهدَ المروّع، فلم يطق أن يصمت، فاشتراه من أميّة، وأعتقه لوجه الله. خرج بلالٌ حرًّا للمرة الأولى، لكنّ حرّيته كانت أكبر من جسده، كانت حرّية الروح والإيمان. واحتضنه رسول الله ﷺ بيديه، وقال له كلماتٍ ملأت جراحُه بردًا وسلامًا. من تلك اللحظة صار بلالٌ من خاصّة النبي، يسمع منه، ويشهد له، ويؤذن بين يديه.
ثم جاءت ساعة النصر، يوم فُتحت مكّة ودخلها رسول الله ﷺ متواضعًا، والعالمُ من حوله ينظر. حان وقت الصلاة، فكان في المجلس من كبار قريش وأشهر الأنصار والمهاجرين، فالتفت النبي ﷺ إلى بلال وقال له: يا بلال، اصعد على ظهر الكعبة، وأذّن. صعد بلال، وصوته يعلو من فوق البيت العتيق، يمتدّ صداه بين الجبال: الله أكبر… الله أكبر.
تجمّعت قريش تنظر في دهشةٍ صامتة، وقال بعضهم: الحمد لله أن آباءنا ماتوا قبل أن يروا هذا اليوم!
وقال آخر ساخرًا: عبدٌ حبشيّ من بني جمح يؤذّن فوق الكعبة؟! لكنّهم لم يدركوا أنّ هذا هو اليوم الذي انهارت فيه أسوار الجاهلية، وسقطت أوهام السيادة والنسب. لقد ارتفع بلال، العبدُ بالأمس، فوق رؤوس المتكبّرين، لأنّ الإسلام لا يرفع الأجساد بل القلوب.
ابتسم رسول الله ﷺ لذلك المنظر المهيب، وفي عينيه فخرٌ خفيّ، وقال في نفسه: هذا هو الإسلام… هذا هو العدل… هذا هو الإنسان. لقد كانت تكبيرة بلالٍ من فوق الكعبة إعلانًا لميلاد عالمٍ جديد، عالمٍ لا يُقاس فيه الناسُ بلونهم ولا أصلهم، بل بما يحملونه في قلوبهم من نور الإيمان.هكذا كتب بلالُ الحبشيّ أوّل سطرٍ في سجلّ الحرية الإسلامية، ليظلّ صوته يدوّي إلى قيام الساعة: أحدٌ… أحدٌ.
من وضعٍ كان العبيد يعتبرون أذل من البهائم، رفع الإسلام عزّتهم حتى الأذان فوق الكعبة المشرفة، وحطّم جدرانَ الظلم والكراهية، ونشر الرسالة الإنسانية للمساواة والعدالة، وبدأ المجتمعُ الإنساني يسير على هذا النهج القويم.
