هل سيجيب دعوتي المتواضعة؟
إنّه خليفة المسلمين، حاكمُ هذه الديار، فهل يليق بمثله أن يُدعى إلى بيت رجلٍ لا يملك من الدنيا إلا عمل يده؟ هو خادم بسيط، لا جاه له ولا نفوذ، إنّما رجل من عامّة الناس.
تردّد طويلًا، ثم تشجّع أخيرًا، ودعا الخليفة قائلاً في حياء: زفافي قريب… وأتشرف بحضوركم.
لم يُبدِ الخليفة أدنى تردّد، بل قَبِل الدعوة بوجهٍ منبسط وقلبٍ راضٍ. ومع ذلك، ظلّ الخادم غير واثق من حضوره، فالرجل مشغول بأمور الأمة كلّها.
حلّ يوم الزفاف. وإذا بالخليفة يأتي، كأحد أهل المدينة، بلا موكب ولا مظاهر. دخل البيت، ولقي صاحب الدعوة، وقال في لطف: إجابة الدعوة حقّ، أمّا الطعام فلستُ آكلَه، فإنّي صائم. جئتُ أدعو لك بالبركة والسعادة.
غمرت الفرحة قلب ذلك الخادم، وكان لدعاء الخليفة وقعٌ أعظم من كلّ وليمة.
ذلك الخليفة هو عثمان بن عفّان رضي الله عنه، صهرُ رسول الله ﷺ، وثالث الخلفاء الراشدين.
كان شديد العناية بالناس، قريبًا من العاملين تحت إدارته، متفقّدًا لأحوالهم، ساعيًا في قضاء حوائجهم.
استدان منه يومًا صديقُه طلحة بن عبيد الله خمسين ألف درهم. وبعد مدة، قال له: يا أمير المؤمنين، المال عندي حاضر، متى شئتَ أدّيته، وإن أحببت أوصلته إلى بيتك.
فأجابه عثمان في سكينة: لا حاجة لردّه، قد جعلته لك هبة.
وكانت في المدينة امرأة فقيرة اعتادت أن تأتيه تسأل المعونة. غابت أيامًا، فسأل عنها عثمان: ما لي لا أراها؟.
قالوا: لقد وضعت مولودًا بالأمس، غلامًا.
فأخذ خمسين درهمًا من الفضّة، وأرسلها إليها، وقال: اشتروا بها ثوبًا للمولود.
وذات يوم، قام عثمان يخطب الناس. ارتفعت الأصوات في المجلس، فأخذ عصًا كانت بيده، يوقظ بها من شغل عن الخطبة. فقام رجل يُدعى جَهْجَاه - جهجاه بن سعيد الغفاري - وانتزع العصا، وكسرها على ركبته أمام الناس.
وصاح به الناس: من يجرؤ على هذا مع أمير المؤمنين؟
لكنّ عثمان، وهو الحاكم، نزل من المنبر ، لم يغضَب، ولم ينتقم، ولم يتكبّر. بل سكن غضبه، وانصرف إلى بيته، ثابت النفس، كريم الخلق.
ورمى الله الغفاري في ركبته، فلم يحلّ عليه الحول حتى مات.
