التقى زيدٌ بتلك الجماعة فجأة.
إنّهم قومُه… أبناءُ بلده!
كَم مضى من الزمن منذ أن افترق عنهم؟
تهادى إلى قلبه طيفُ أمِّه وأبيه، فاضطربت المشاعرُ في صدره.
وُلد زيد في أسرةٍ ثرية من قبيلة كَلب. وفي يومٍ أغارت عصابةٌ من اللّصوص على قريتهم، فنهبتِ الأموالَ، وساقتِ الغلامَ زيدا أسيرًا. تنقّل بعدها بين أيدي النّاس، في أسواق الرقّ، حياةً بعد حياة، حتى انتهى به المطافُ في مكّة، في بيتِ السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها. ثم وهبتْه لزوجها الحبيب، محمدٍ ﷺ.
احتضنه النبيّ ﷺ بعطف الأب وحنان المربّي، وأحاطه برعايةٍ لم يَعرف مثلها من قبل. ولم يلبث زيدٌ أن وجد في رسول الله ﷺ أحبَّ الناس إلى قلبه، وأقربهم إلى روحه.
وذات يوم، كان زيد واقفًا في محيط الكعبة، فإذا به يقع بصرُه على رجالٍ من قومه. اقترب منهم، وحدّثهم طويلًا، ثم أنشدهم أبياتًا من الشعر حمّلهم فيها رسالتَه إلى والديه: أنّه بخير، وأنّه يعيش في سعادة وطمأنينة، فلا يحزنوا عليه ولا يقلقوا.
كانت تلك الأبيات بلسمًا لقلب أسرةٍ أنهكَها الشوقُ ومرارةُ الفراق، فقرّر أبوه أن يشدّ الرحال إلى مكة، مصطحبًا معه عمُّ زيد.
وحين وصلا، عَلِمَا أنّ زيدًا يقيم مع محمد بن عبد الله ﷺ. قالا في نفسيهما: لا بدّ من فداءِ الابن مهما غلا الثمنُ. أيّ عددٍ من الدنانير يُطلب… سندفعه.
دخلا على النبيّ ﷺ، وعرّفاه بنفسيهما، وشرحَا قصّتَهما ورغبتَهما في استعادة ولدهما.
فأصغى إليهما رسولُ الله ﷺ باهتمام، ثمّ قال في هدوء وعدل: الأمر بيد زيد. إن اختارَكُم، أخذتموه بلا فداء. وإن اختارَني، فلا أرى لأحدٍ عليه سبيلًا.
غمرت الفرحة قلب الأب والعمّ، ودُعي زيدٌ إلى المجلس.
سأله النبي ﷺ: أتعرف هذين؟
قال زيد: نعم، هذا أبي، وهذا عمّي.
فتعانقوا، وسالت الدموعُ شوقًا وحنينًا.
قال الأب: جئنا لنأخذك معنا.
فقال زيد، وقد استقر اليقين في قلبه: بل أختار البقاءَ معك يا رسول الله ! أنتَ عندي الأب والأمّ، ولا أرى على وجه الأرض أحدًا أحبَّ إليّ منك.
قال العمّ، مندهشًا: ويحك يا زيد! أَتُفضِّل البقاءَ عبدًا على أن تعود حُرًّا مع قومك؟
فأجاب زيدٌ بثبات: نعم. فوالله ما رأيتُ أحدًا أبرَّ ولا أرحمَ من رسول الله ﷺ، وأنا أختار جواره!.
عندها أخذ رسولُ الله ﷺ بيد زيد، ومضى به إلى الكعبة، ونادى في الناس، وقال: اشهدوا جميعًا: إنّ زيدًا ابني، يرثُني وأرثه.
فامتلأ قلب الأب والعمّ سكينةً ورضًا، وقالا في نفسيهما: ما دام ابنُنا في هذا الموضع المبارك، وتحت هذه الرعاية العظيمة، فلا خوف عليه ولا حزن.
ثم ودّعاه، وانصرفا، وقد تركاه في أكرم بيتٍ عرفته الإنسانية.
