وصل إلى ثمامة بن أثال حاكم اليمامة كتابٌ. كان رسولُ الله ﷺ قد بعثه إليه، يعرّفه فيه بدين الحق ويدعوه إليه. وما إن قرأ الملكُ الرسالة حتّى استشاط غضبًا، وصاح متوعّدًا: اقتلوا محمدًا، واقطعوا كلّ صلة به وبأصحابه!.
وبعد زمن، قدِم نفرٌ من أتباع النبي ﷺ إلى اليمامة في زيارة، فبطش بهم ثُمامة بن أُثال بطشًا شديدًا، وقتلهم بلا رحمة.
ثم خطر لحاكم اليمامة خاطرٌ آخر: أن يزور مكة، وأن يتقرّب إلى أصنامها. فخرج في ركبٍ من قومه. غير أنّ الرياح تغيّرت في الطريق، وهاجت العواصف، فتفرّق الجمع، وانفرد ثمامة وحده.
وعند أطراف المدينة، أوقفه حرّاس الحدود وسألوه، فلم يرضهم جوابه، فأوثقوه وربطوه إلى أحد أعمدة المسجد.
دخل النبي ﷺ المسجد، فرأى الرجل موثوقًا، فسأل أصحابه: أتدرون من هذا؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: هذا ثمامة بن أُثال، من أهل اليمامة.
عاد النبي ﷺ إلى بيته، وأمر زوجته أن تُعدّ الطعام لثمامة، فهو وإن كان أسيرًا، ضيفُ المدينة. فكان يُكرم ويُحسن إليه.
وفي اليوم التالي جاءه رسولُ الله ﷺ وسأله: ما عندك يا ثمامة؟ وكان يسأله عن موقفه ومكنون قلبه.
فقال ثمامة بلهجةٍ لا تخلو من كبرياء: إن تقتلني تقتل ذا دَم، وإن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنتَ تريد المال فسل تُعطَ.
ثم انصرف النبي ﷺ، وبقي ثمامة يُطعَم ويُكرم. وبعد يومين عاد السؤال، فعاد الجواب نفسه. وفي اليوم الثالث، جاء النبي ﷺ مرة أخرى، فلم يجد عنده جديدًا.
عندها، ومن غير شرطٍ ولا فداء، أمر رسول الله ﷺ بإطلاق سراحه.
خرج ثمامة من أسره، وركب ناقتَه حتى بلغ أطراف المدينة، فدخل بستانًا فاغتسل وتطهّر، ثم عاد إلى المسجد، فوقف بين يدي النبي ﷺ وقال بصوتٍ خاشع: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه.
ثم نظر إلى النبي ﷺ وقال: والله، ما كان على وجه الأرض وجهٌ أبغضَ إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك اليوم أحبَّ الوجوه إليّ.
غمر الندم قلبه، وقال بحرقة:يا رسول الله، ما كفّارتي؟ لقد قتلتُ من أصحابك. فقال له النبي ﷺ، وقد وسعت رحمته الآفاق: لا تثريب عليك اليوم.
عاد ثمامة إلى قومه وقلبه مملوء بالإيمان. ثم أعلن موقفًا صارمًا: ألّا يصل إلى مكة حبّةُ قمحٍ واحدة من اليمامة. فاشتدّ الأمر على قريش، واضطرّ سادتهم - ممن آذوا النبيّ ﷺ وأصحابَه — إلى أن يكتبوا إلى رسول الله ﷺ يستشفعون به: مُرْ ثمامة أن يرفع الحظر.
فتدخّل رسول الرحمة ﷺ وقال: لا تمنعوا عن مكّة طعامها. نعم، قد آذوْنا، ولكن لا يجوز أن يُعاقَب قومٌ بأكملهم.
فامتثل ثمامة لأمر النبي ﷺ، وعاد العدل قبل أن تعود التجارة.
