أصغى أهلُ السوق في دهشةٍ إلى ذلك الرجل وهو يروي تجربته بصوتٍ متهدّج. قال: كان لي عبدٌ قويّ الجسد، نشيطً في العمل. إذا قصّر يومًا أو بدا عليه الكسل، ثار غضبي، وكان ذلك يومَ ضربٍ وعقاب. كنتُ أُفرغ سخطِي في جسده، أؤدّبه حتى أرتاح، أليس ذلك من حقّ السيّد على عبده؟ لكن… اليوم، نعم اليوم، أعتقتُ عبدي.
ساد الوجوم، ثم تعالتْ هَمْهَمَات التعجّب في السوق: كيف يُطلِق عبدًا صالحًا بلا مقابل؟
سأل بعضهم: ما الذي فعله حتى تُفرّط فيه هكذا يا أبا مسعود؟ هل أوقع بك خسارةً عظيمة؟!
فقال: نعم… خشيتُ خسارةً أعظم، وخطرًا أشدّ.
ثم تنفّس عميقًا وبدأ يسرد قصته: في يومٍ من الأيام، زلّ عبدي زلّةً لم أستسغها. وهل يُتجاوز عن مثل ذلك؟ ضربتُه كعادتي، ضربًا موجِعًا، حتى أخذ يتلوّى من شدّته. وفجأةً، سمعتُ نداءً من خلفي، صوتًا فيه عتابٌ وشفقة.
كان رسولُ الله ﷺ مصدرَه. يقول لي: يا أبا مسعود، أما قدرتَ على الكفِّ عن هذا المسكين؟ اعلم، إنّ لله عليك من السلطان أكثرَ ممّا لكَ عليه!.
واللهِ لقد ارتعدت فرائصي، وذاب قلبي خوفًا من الله. أخذتُ أفكّر: ما المخرج؟ ما السبيل إلى النجاة؟
فلم أجد طريقًا إلا واحدًا… أن أُعتقه.
فانطلقتُ من ساعتي إلى رسول الله ﷺ، وقلت: يا رسول الله، هو حرٌّ لوجه الله.
فابتسم النبيّ ﷺ وقال: أحسنتَ يا أبا مسعود، لولا ذلك، لأحرقتْك نارُ جهنم.
