خرج عُميرٌ قاصدًا رأسَ النبي ﷺ، فعاد مسلمًا. وتلك صفحةٌ من التاريخ بالغة الجمال.
دخل عُمير مجلسَ النبي ﷺ. فهبّ عمرُ بن الخطاب، أقربُ الناس إلى رسول الله، ليمنعه.
لكن النبي أشار إليه أن يتركه، ثم أمر عُميرًا بالجلوس.
جلس بعيدًا. فقال له النبي ﷺ برفق: ادنُ. فدنا.
توجّس الصحابة؛ فعُمير آتٍ من بيئةٍ عُرفت بالعنف والعداء.
قال عُمير: أنعِم صباحًا.
فقال النبي ﷺ: يا عُمير، لقد علّمنا الله تحيةً خيرًا من هذه، تحيةً من أهل الجنة، وهي السلام.
قال عُمير متحفّظًا: إنما هو أمرٌ جديد.
قال النبي ﷺ: على كلّ حال، أخبرني: ما الذي جاء بك؟
قال: جئتُ من أجل ابني، فهو أسيرٌ عندكم، فأحببتُ أن أفديه.
قال النبي ﷺ بهدوء نافذ: فما بالُ السيف في عنقك؟
قال عُمير محاولًا صرف الحديث: وهل يُغني السيف شيئًا؟ لا يُجدي نفعًا.
قال النبي ﷺ: اصدقني يا عُمير.
قال: ما جئتُ إلا لما ذكرتُ.
فقال النبي ﷺ قولًا فصلًا: بل جلستَ أنتَ وصفوان بن أميّة عند الحِجر، وتشاورتُم في أمري، فاتفقتم أن تأتي لقتلي، وتكفّل صفوان بدَينك ونفقة عيالك، وخرجتَ تنفيذًا لذلك العهد. والله هو الذي يحفظني، ولا حجاب بيننا الآن.
وقف عُمير مذهولًا. سرٌّ لم يكن يعلمه إلا هو وصفوان… وها هو محمد ﷺ يكشفه تفصيلًا!
تدفّقت كلمات النبي إلى قلبه، هزّت أعماقه، وزلزلت يقينَه القديم. لقد انكشف الحق أمامه عاريًا،
ولم يعد للإنكار سبيل.
قال عُمير بخشوعٍ صادق: ما كنتُ أظنّ أن ما تقوله وحيٌ من الله، لكنني الآن أيقنت. لم يعلم بخروجي إلا صفوان، وقد أخبرتَني بكل ما كان بيننا. هذا لا يكون إلا من الله. أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله.
فاقبلني.
فأشرق وجه النبي ﷺ ابتسامةً ورحمة. واغرورقت عينا عمربن الخطاب بالدموع.
وقال عمر: والله، لقد كان عُميرٌ أبغضَ إليّ من الخنزير، لكنّه اليوم أحبُّ إليّ من بعض أولادي.
