كان رسولُ الله ﷺ في سفرٍ مع أصحابه. فإذا بالمطر يهطل فجأة، فأصابهم جميعًا، وابتلّت ثيابهم. وحين انقشع المطر، نزل النبي ﷺ عند سفح جبل، ونشر ثوبه ليجفّ، ثم اضطجع قليلًا فأخذه النوم.
وعلى السفح المقابل، كان رجلٌ يرقب المشهد بدقة. إنّه دُسور بن الحارث، زعيم قبيلة مُحارِب، رجلٌ امتلأ قلبه حقدًا على الإسلام، وكان يتربّص بالنبي ﷺ الدوائر، لا يفوّت فرصةً لاغتياله إن سنحت.
قال في نفسه: هذه فرصتي.
تقدّم في صمت، وتأكد أن أصحاب النبي بعيدون عن المكان، ثم استلّ سيفه، وأيقظ النبي ﷺ فجأة،
وقال في تحدٍّ وغرور: يا محمد، من يمنعك مني؟
فأجابه النبي ﷺ في ثباتٍ لا يتزعزع، ومن غير أن يتغير وجهه: الله.
ما إن سمع دُسور هذه الكلمة، حتى اضطرب قلبه، وارتعشت يداه، وسقط السيف من بين أصابعه.
وفي لحظةٍ خاطفة، كان السيف في يد رسول الله ﷺ.
فسأله النبي ﷺ بالسؤال نفسه الذي كان قد وُجِّه إليه قبل قليل: ومن يمنعك مني الآن؟
ارتجف دُسور، وانكسر غروره، وقال مستسلمًا: عفوك ورحمتك...
ولم يكن رسولُ الرحمة ﷺ ليقسو على من استجار به. فدعا له، وأطلق سبيله.
لكن دُسور لم يبرح مكانه. كان قلبه قد استيقظ، وكأن نورًا طرق أبوابه لأول مرة.
قال متوسّلًا: علّمني عن الله.
فأخذ النبي ﷺ بيده، وأتى به إلى أصحابه، وعرّفه بربّه، فعرف دُسور طريق النجاة.
عاد إلى قومه، وقد تغيّر قلبه،
وما هي إلا أيام حتى أحبّت قبيلة مُحارِب رسولَ الله ﷺ، وتذوّقت حلاوة الإيمان.
