كانت حياةُ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه إعراضًا صادقًا عن زخارف الدنيا. وقد دوّن المؤرخون وصفًا بليغًا لزُهده، فقالوا: كان فراشه قصيرًا إلى حدٍّ إذا غطّى رأسَه انكشفت قدماه، وإذا ستر قدميه بدا رأسه.
ويشهد عليٌّ بنفسه أنّه حين تزوّج فاطمةَ بنتَ رسول الله ﷺ، لم يكن في بيتهما فراشٌ يُذكر، ولا خادمٌ يُعين، ولا متاعٌ سوى حصيرٍ من ليف النخل. ثم تمضي السنون، ويغدو هذا الزاهد ابنُ أبي طالب بعدُ رابعَ خلفاء الإسلام.
لقد اقترن عليٌّ بأحبّ بنات النبي ﷺ إلى قلبه، فاطمة الزهراء. ولم يكن يملك مهرًا يقدّمه. كلّ ما كان عنده دِرعٌ حربيّة كان رسول الله ﷺ قد أهداه إيّاها من قبل. لم يجد بدًّا من بيعها. فوافق عثمانُ بن عفّان رضي الله عنه - وكان من أثرياء المدينة - على شرائها بخمسمائة درهم. غير أنّ عثمان، ما إن قبض الدرع، حتى أعادها إلى عليٍّ هديةً بمناسبة زواجه. لكنّ عليًّا أبَى أن يأخذها. فلمّا قال له عثمان: هي أنفع لك في مواطن الجهاد منّي، قبلها عليٌّ شاكرًا ممتنًّا.
استأجر عليٌّ بيتًا متواضعًا، وأسكن فيه أمَّه وزوجتَه. وكان رسول الله ﷺ قد جهّزهما بوعاءٍ من جلد، ورحَيَيْن من حجر، وبعض الأواني الفخارية، وحصير، وسرير بسيط. وقسّم عليٌّ أعمال البيت بين أمّه وزوجه تقسيمَ عدلٍ ولطف: فكانت أمُّه تتكفّل بجلب الماء وجمع الحطب، وتتولّى فاطمة إعداد الطعام وسائر شؤون المنزل.
وذات يوم، قصد النبيّ ﷺ بيتَ ابنته ليزور حفيديه الحسنَ والحسينَ رضي الله عنهما. فلم يجدهما في الدار. فسأل فاطمة، فقالت: إنّ الطفلين بكيا من شدّة الجوع، فأخذهما عليٌّ إلى الخارج ليُلهيهما حتى يجد ما يُطعمهم. فخرج النبيّ ﷺ يبحث عنهما، فإذا بالحسن والحسين يلعبان بقِربةٍ صغيرة. أعادهما عليٌّ إلى حضن جدّهما، ثم انطلق يبحث عن طعام، فعاد بقليلٍ من ثمار القَرَظ. وسار الجميع عائدين إلى البيت، على بساطتهم، وعلى غناهم بما في القلوب من سكينة.
