خرج أبو حذيفة رضي الله عنه مع رفقةٍ له من المدينة متّجهين إلى الشام في تجارة. وفي طريق العودة، وقع ما لم يكن في الحسبان. فبغتةً، طوّقهم جمعٌ مسلَّح، وأُخذوا أباحذيفة على حين غِرّة.
تقدّم أبو حذيفة، وهو من أصحاب النبي ﷺ، وسألهم بثبات: ما قصدكم؟ ومن أنتم؟
فأجابه قائد العصابة: أنا أبو الحكم، ونحن من أهل مكة. أنتم أهلُ المدينة الذين آويتم محمّدًا ونصرتموه. سنقاتل المسلمين لا محالة، وأنتم ستقفون ضدّنا. أردنا أن نمنع ذلك، فلهذا الغرض هذا التقييد.
فكتب أبو حذيفة وثيقة قال فيها: أتعهّد ألّا أقاتلكم. وبذلك أُطلِق سراحُه، فعاد إلى المدينة.
لمّا وصل، علم أنّ قريشًا قد أجمعت أمرَها على القتال، وأنّ رسول الله ﷺ خرجَ بأصحابه متّجهًا إلى بدر. فما كان منه إلا أن لبس سلاحَه، وركبَ مسرعًا يريد اللِّحاق بالمسلمين.
كان النبيّ ﷺ آنذاك يُعِدّ الصفوف. ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر رجلًا فقط، قليلٌ من السلاح، ونزرٌ من الخيل والإبل. وفي المقابل، جيشٌ كثيف العدد، وافر العُدّة. غير أنّ قلوب المؤمنين كانت عامرة بقوّة الإيمان، فهان كلّ شيء سواها.
وفجأة، رأى المسلمون فارسًا يقترب مسرعًا. إنه أبو حذيفة! محاربٌ ماهر، يُقال إنّه كان يثبت لعشرين رجلًا في آنٍ واحد. عمّ الفرحُ الصفوف، فقد جاءهم مددٌ كريم.
وقف أبو حذيفة بين يدي رسول الله ﷺ، وأخبره بما كان من أمر الأسر، والعهد الذي قطعه لينجو بنفسه. فقال له النبي ﷺ في هدوءٍ حازم: إذًا، يا أبا حذيفة، اعتزِل القتال، ولا تستخدم سلاحًا ولا دابّة.
قال أبو حذيفة، وقد داخله التردّد: يا رسول الله، ما أشدّ ما صنعه هؤلاء بنا! سلبونا أموالنا، وأخرجونا من ديارنا، وأمعنوا في أذانا. أَنَفِي بعهدٍ أُخذ منّا قهرًا؟
فقال رسول الله ﷺ كلمته الفاصلة: لا غدر، ولو مع العدوّ. من خان العهدَ فليس منّا. نحن مسؤولون عن الوفاء بما التزمنا به.
فامتثل أبو حذيفة، وبقي بعيدًا عن ساحة القتال، يرقب وقائع بدر، وقد تعلّم - ومعه الأجيال - أنّ أخلاق الإسلام لا تُؤجَّل إلى ما بعد النصر، بل تُمارَس في أحلك لحظات الصراع.
