ميدان القتال...
ثلاثة إخوةٍ يخرّون إلى الأرض وقد أنهكهم الجهدُ، وأحرق حلوقَهم العطش. لحظاتُهم الأخيرة تقترب، والموت يلوّح لهم من بعيد. ومع ذلك، يملأ قلوبَهم نورٌ غريب من السعادة والسكينة. وكأنّ أرواحَهم تهمس: طوبى لنا، إذ نُزَفّ إلى الله في ساعةٍ مثل هذه.
لكنّ العطش يعود فيوخِزهم من جديد. يتردّد صوتٌ خافت: الماء... يدنو الساقي مسرعاً يحمل الإناء، فيضعه على شفتي أحدهم، فيسمع صوتَ أخيه يئنّ من الظمأ. فيشير بيده: ابدأْ به... اسقه قبلي. يمضي الساقي إلى الثّاني، فيسمع الثالثَ يهمس بطلب الماء، فيقول مثل صاحبه: ابدأْ بأخي... وحين عاد إلى الثالث، كان قد فارق الحياة... بل، كانوا جميعاً قد رحلوا إلى الله قبل أن تلمس شفاهُهم قطرات الماء.
هؤلاء هم عِكرمة بن أبي جهل، وحبيب بن أبي حارث، وعيّاش بن أبي ربيعة رضي الله عنهم. أجسادهم كانت تتلظّى بالعطش، لكنّ قلوبَهم كانت تفيض بعطشٍ أعظم؛ عطشِ الإيثار، وعطشِ الأخوّة، وعطشِ الجنة. ما أروعها من لوحةٍ إيمانية، تكتبها دماء الأخوة، لا حروف الكلمات.
عِكرمة رضي الله عنه... ابنُ أبي جهل عدوّ الإسلام الأكبر. كان في جاهليته شديدَ العداء للنبي ﷺ، مقداماً في صفوف المشركين، لا يلين ولا يتراجع. لكن الله شرح صدره للإيمان، فكانت قصّته من أبدع قصص التوبة والعودة.
وحين أسلم، قال النبي ﷺ لأصحابه الكرام: سيأتيكم عِكرمة مؤمناً مهاجراً، فلا تسبّوا أباه، فإن سبّ الميّت يؤذي الحيّ، ولا يبلغ الميّت شيئاً. أيّ سموٍّ أعظم من هذا الخُلق النبوي، الذي يطوي صفحات الأحقاد بيد الرحمة!
يوم فتح مكة، ظنّ عِكرمة - كما ظنّ غيرُه من قادة قريش - أنّ النبي ﷺ سيقتصّ منه، فهرب نحو اليمن. لكنّ زوجته المؤمنة أم حكيم بنت الحارث رضي الله عنها، ذهبت إلى رسول الله ﷺ تستأمن له، فقال لها النبي الرحيم: قد أمنتُه.
سارت أمّ حكيم خلف زوجها حتى لحقته عند شاطئ البحر، وكان يهمّ بركوب السفينة والهروب من مكة خوفا من النبيّ وأصحابه. اضطرب الموج وهاج البحر، فقال ربّان السفينة: أخلِصوا الدعاء لربّكم الواحد، لا تنفعكم اليوم آلهتكم! فقال عكرمة في نفسه: إن كنتُ لا أنجو إلا بإخلاصٍ لله في البحر، فلماذا لا أخلص له في البرّ؟ ماذا أقول لتجريد الإخلاص للخالق إلا قول لا اله الا الله! من أيّ شيء أهرب؟ مِن شيء يعرفه العرب والعالم أجمع؟! خمدت من نفسه جمراتُ الكفر والشرك.
عاد مع زوجته إلى المدينة، فوقف بين يدي النبي ﷺ خاشعاً متواضعاً، وقال: يا محمد، والله ما كنتَ إلا أبرَّ الناس وأصدقهم، وهذه يدك أبايعك على الإسلام. فابتسم له النبي ﷺ، وقبله بين المؤمنين، وغسلت دموع التوبة آثار الجاهلية.
ومن يومها، كان عكرمة رضي الله عنه من فرسان الإسلام، يذود عن الدين بنفسه وسيفه، حتى لقي الله شهيداً. ذلك الذي كان بالأمس يقاتل الدعوة، أصبح اليوم يفديها بروحه. وفي آخر مشهدٍ له مع إخوانه في الميدان، ينسى ظمأه ليُطفئ ظمأهم، ويؤثرهم على نفسه وهو في الرمق الأخير... هكذا تصنع تربية الإيمان رجالها؛ تحوّل قسوة القلب إلى رحمة، وحبّ النفس إلى بذل، والعطش إلى ريٍّ في الجنة. هؤلاء هم أبناء الإسلام، الذين سقوا الأرض بدمائهم، فأنبتت قلوبَ المؤمنين ربيعاً لا يذبل.
