ألم نسلم أنفسنا له؟ ألم نعلن عبوديتنا جهارا؟ إذا، فكل ما نحتاجه سيتكفّل به ربنا الكريم. ومع ذلك، من تمام الأدب أن نسأله، لأن السؤال نفسه تعبير عن التوحيد الخالص: من غيرك نسأل؟ وهذا هو معنى قوله تعالى في الفاتحة: «وإياك نستعين».
ينبغي أن يُطلب من الكبار أمور كبيرة. يُروى أن ملكًا دعا رعيته وقال لهم: "اطلبوا ما تشاؤون." فطلب أكثرهم أشياء بسيطة: بطاطا حلوة، أوراق نخيل، أعواد خيزران، فحما، أو قطع حديد. أما أصحاب العقول الثاقبة فطلبوا ذهبا، وآخرون طلبوا لؤلؤا، أو ياقوتا، أو جواهر ثمينة.
وحين عاد الجميع إلى بلدانهم، كان الذين ملأوا عرباتهم بالأخشاب والحديد يستهزئون بالآخرين الذين رجعوا وأيديهم فارغة، وقالوا: "ما أغباهم!" لكنّ أولئك لما فتحوا أيديهم، إذا بها تتلألأ بالأحجار الكريمة والياقوت والذهب! فدهش القوم، وتمنوا لو كانوا فعلوا مثلهم.
فمن أراد الخشب والحجر والطين، فقد هيّأ الله له الأسباب في الدنيا. أما نحن، فعلينا أن نسأله عن أنفس الكنوز وأثمن الجواهر، ألا وهي الهداية إلى الطريق المستقيم، فذلك ما نكرّره في كل صلاة، في كل ركعة، في قولنا: «اهدنا الصراط المستقيم». فما نفع كل ما نحصل عليه إن لم تكن طريقنا صحيحة؟
الطرق أمامنا كثيرة، لكن القرآن يخبرنا أن هناك طريقين فقط: طريق الهداية وطريق الضلال. فكل ما عدا الصراط المستقيم هو مسالك باطلة. ومن هنا تكمن الفتنة، إذ من بين آلاف الطرق، هناك طريق واحد فقط يوصل إلى الله، والسير فيه ليس يسيرا. وحتى من اهتدى إليه، قد يتعرض لإغواء الشيطان وأعوانه الذين ينتظرون على جانبي الطريق ليصرفوه عنه.
والهداية إلى الطريق المستقيم ليست حاجة فردية فحسب، بل هي حاجة إنسانية واجتماعية عامة. فبينما تختلف حاجات الأفراد - فهذا يحتاج رزقا وذاك شفاءً وآخر علما - تبقى الحاجة الكبرى المشتركة بين الجميع هي الهداية. ولهذا تأتي في الفاتحة بصيغة الجمع: «اهدنا» لا «اهدني». كأن المصلي يقول: يا رب، حاجتنا جميعا واحدة، وهي أن تهدينا إلى طريقك الصحيح القويم.
والمقصود ليس مجرد معرفة الطريق، فهي وحدها لا تكفي، كما لا تكفي اللوحة الإرشادية للوصول إلى بلد بعيد. فكم من إنسان رأى الإشارات وضاع! لذلك فالمعنى العميق لـ «اهدنا» هو: لا تكتفِ بأن تدلّنا، بل سر معنا في الطريق حتى نصل.
إنها كالأم التي تقول لطفلها حين يخرج من البيت: “اذهب، وسأراقبك من هنا.” فيرد الطفل الصغير برجاء: “لا، تعالي معي حتى أصل.” كذلك العبد في مناجاته يطلب مرافقة الله في الطريق، لا مجرد الإرشاد إليه.
وهناك من الناس من يتخذ موقفا حياديا باردا فيقول: "دعني أنظر إلى نفسي فقط، ما شأني بالآخرين؟ لكن في مسألة الهداية لا مكان للحياد؛ موقفنا حازم، واضح، جازم. لذا نقول في الفاتحة: «غير المغضوب عليهم ولا الضالين» أي لا تجعلنا يا رب من أولئك الذين غضبت عليهم أو ضلّوا عن السبيل.
ومن يقرأ التاريخ يعرف من هم هؤلاء. لقد أرسل الله أنبياءه لهداية البشر، لكنّ بعض الأمم كذّبوهم وسخروا منهم، بل عذبوهم وقتلوهم. تمتعوا بنعمه ثم جحدوا، وغرقوا في الكفر والجحود. وهناك آخرون بالغوا فرفعوا أنبياءهم إلى مقام الألوهية، فاختلط الحق بالباطل، وفسدت العقيدة والمجتمع.
ولهذا تُختتم سورة الفاتحة بدعاء شامل: أن يحفظنا الله من طريقي الغضب والضلال، وأن يثبتنا على الصراط المستقيم، طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.




