في الآونة الأخيرة، قامت إحدى الشركات بفصل ما يقارب 65% من موظفيها دفعة واحدة. والسبب؟ لأن الخدمات التي كانوا يقدمونها أصبحت تُنفَّذ بواسطة الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى وجودهم. أما ٣٥ ٪ الباقون، فقد خفضت رواتبهم بنسبة ٣٥ ٪. وكان في ذلك إشارة واضحة إلى أنه حتى هؤلاء قد لا تكون لهم حاجة في المستقبل القريب.
والآن، دعونا نطرح سؤالا بسيطا: لماذا كانت الشركة تُنفق رواتب كل هؤلاء الموظفين طوال تلك الفترة ؟ الجواب واضح: لأن خدماتهم كانت تُفيد الشركة، فكانت الأجور والمزايا مقابل المنفعة المتبادلة، إذن فالعلاقة كانت "مقابلا بمقابل"، أليس كذلك؟
لكن اسمحوا لي أن أطرح سؤالًا آخر: ما الذي يستفيده الله تعالى من عباداتنا؟ لو أننا جميعا توقفنا عن العبادة، فهل سيتضرر الله بشيء؟ بالتأكيد لا. وسؤال آخر أعمق: هل فكرنا يوما في جوهر عباداتنا؟ هل يمكننا تفسير العبادة على أساس "المقابل بالمقابل"؟
إن الصلاة، وهي أعظم العبادات البدنية، حين نتوضأ ونتطهر ونخشع ونسجد ونركع، ما الذي يناله ربنا من ذلك؟ من عرف الله حقّ المعرفة سيقول: لا شيء. لأن الله غني عن كل شيء، بينما نحن الفقراء إليه في كل شيء.
إن أهم ما ينبغي أن نتأمله هو وجودنا نفسه. الوالد ينفق الملايين لتربية ولده في الطعام واللباس والتعليم. لكن، أليس من المفترض أن يكون هناك ولد أولا؟ لقد زار كل مستشفى، وشاب شعره وتأكد أنه لن يكون هناك ولد بعد الآن، فما الفائدة من التفكير في إلحاقه بالمدرسة، وشراء الزي الموحد، ودفع رسوم الرحلة، وحجز مقعد في برنامج البكالوريوس التقني؟ كل هذا يأتي لاحقا. أين الولد؟
ذلك أمر الطفل، لكن ماذا عن وجودنا نحن؟ نحن لم نخلق وجودنا بأنفسنا. لم نُخلق بالتصميم الذي طلبناه، ولا بالحجم الذي أردناه، ولا في الوقت الذي حددناه، ولا في المكان الذي اشتهيناه، ولا للوالدين الذين اخترناهما. حتى ولادتنا، لم نكن على دراية بها. لم نرَ أنفسنا ونبدأ بالتعرف عليها إلا عندما كبرنا ونضجت فينا الفكرة والعقل.
بمعنى آخر، بدءا من أقدس وجودنا ووصولا إلى كل أمر بعده، فإننا نعتمد على الله؛ وهو لا يعتمد على أحد في أي شيء أو أمر. إذا، ما الفائدة من أن نصلي في أوقاتها، ونصوم شهرا كاملا، ونذهب إلى مكة ونطوف ونسعى ونرمي الجمرات ونحلق الشعر ثم نعود؟ لمن تكون المنفعة في كل هذا؟.
شيء واحد مؤكد؛ أنه لا توجد أي منفعة تعود على الله. وإذا كانت هناك أي منفعة لأي شخص، فهي تعود علينا نحن القائمين بها. هناك منافع خارجية وداخلية.
فمن المنافع الخارجية العديدة أن يتطهر الجسم من الأوساخ وتتحرك المفاصل والأربطة بالقدر المطلوب من التمدد والانقباض عند الصلاة، كما يريح الجهاز الهضمي ويزيل السموم ويخفّف الشحوم عند الصيام، مما يجعل الجسم أكثر ليونة، وهكذا.
والأهم من ذلك هو الطهارة الداخلية. فبالعبادة نقترب أكثر فأكثر من الله. والأهم من كل شيء هو أننا نقبل ما قاله الله حرفيا ونقول: "سمعنا وأطعنا" لأن الآمر هو الله المالك، والسامع هو نحن العبيد، فلا مجال للمزيد من النقاش أو الاعتراض. بل يجب القبول والطاعة، وهذا هو الأهم!
عندما ندرك أننا قليلو العلم، وأن الله هو علام الغيوب، فلن تكون هناك مشكلة في قبول أي شيء يأمر به. هذا الإدراك هو أعظم علم. وبدون هذا الإدراك، فإن الذهاب إلى منطق العلاقات السببية ومحاولة التشكيك فيما قاله الرب المالك على أساسه، ليس علما بل جهل. إنه عصيان. وهذا ما وقع فيه لإبليس.
عندما سُئلت الملئكة عن خلق الإنسان، قالت بناء على منطق خبرتهم: لا داعي لذلك. بمعنى آخر، إذا قررت الأمور بمنطق، لما نُخلق أصلا. لأننا قوم نسفك الدماء ونحدث الفساد في الأرض ونثير المشاكل. ورغم ذلك، لماذا خُلقنا نحن؟ لقد كان ذلك على أساس من الحكمة الإلهية التي تتجاوز حدود العقل البشري. ألم يقل الله للملائكة: «إني أعلم ما لا تعلمون»؟ لقد خلقنا بفضل تلك المعرفة الإلهية التي لا تدركها العقول. فكيف نجرؤ أن نسائل ربنا استنادا إلى عقولنا المحدودة؟ فأي تيه هذا؟!
عندما قرر الله في النهاية أن يخلق البشر، قد اعترف الصمت في الملائكة . ثم خلق الله من الطين ذلك الإنسان نفسه، آدم، الذي اقترحوا من قبل أنه لا يخلق أصلا ثم أمرهم أن يسجدوا لذلك الآدم نفسه. فسجدوا جميعا إلا إبليس. لقد تكبر وحلل الأمور بعقله.فراح يتفلسف فيمن يستحق السجود ومن لا يستحقه، وكأنه يُلقي على الله درسًا في المنطق! يا له من مسكين! فكان جزاؤه أن طرد إلى الأبد، وصار رمزا للكبرياء واللعن ومصدرا لكل شر.
ماذا نفهم من هذه القصة التي يكررها القرآن مراراً وتكراراً؟ إن الأساس المنطقي للعبادات هو الطاعة المطلقة بما أمر به، وبالشكل الذي أمر به. لا كما نراه نحن بعقولنا المحدودة. فالعبرة في العبادة ليست في إدراك الحكمة العقلية وراءها، بل في الامتثال لأمر الله كما جاء. لأن من يحاول أن يُخضع العبادة لمنطق العقل سيجد نفسه في دوّامة من الأسئلة التي لا تنتهي، ولن يجد لها جوابا شافيا. نعم، قد نفهم شيئا من معاني العبادات، لكننا لا نستطيع أن نفسّر العلاقة الخفية بين الأمر الإلهي وأثره، كما لا نستطيع أن نفسر بدقة لماذا يُضيء المصباح عند ضغط هذا الزرّ، ويعمل المروحة أو المكيّف عند ضغط آخر.
انظر مثلًا إلى الصلاة. فهي ليست على نمط واحد، بل لها أنواع متعددة: صلاة الجنازة لا ركوع فيها ولا سجود، وصلاة العيد فيها تكبيرات زائدة لا توجد في غيرها، وصلاة التراويح طويلة وعدد ركعاتها عشرون، وصلاة الكسوف فيها ركوعان في كل ركعة، وصلاة الظهر أربع ركعات، بينما صلاة الفجر ركعتان فقط، والمغرب ثلاث.
فلا يجوز أن نقول: بما أن صلاة الفجر بعد النوم والراحة فلتكن أربع ركعات، ولأن صلاة الظهر في وقت العمل والازدحام فلنُخفّفها إلى ركعتين! طبعا لا. هذه ليست قضايا منطقية قابلة للتعديل والابتداع، بل هي أوامر إلهية محددة بوقت وهيئة لا مجال للعقل فيها إلا في التسليم والاتباع.
أما الرخص التي شُرعت للمسافرين وغيرهم، فذلك موضوع آخر، له حدوده وضوابطه الخاصة. فمثلا، القصر في الصلاة له قاعدة واضحة: الأربع تُختصر إلى ركعتين، لأن نصف الأربعة اثنان، أما الثلاث فلا تُختصر إلى ركعة ونصف! فليس الأمر حسابا رياضيا، بل تشريع إلهي محدد.
كذلك الجمع بين الصلاتين له نظامه: يمكن جمع الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، لكن لا يجوز بحال من الأحوال جمع العصر مع المغرب. لماذا؟ لأن الله هو الذي حدد الأوقات والحدود، لا تُقاس بالمنطق البشري.
تأمل أيضا: قد يرغب أحدهم أن يزداد خضوعا لله في الصلاة، فيقول: “ لا يكفي سجودان في ركعة، فماذا لو أدى ثلاث أو أربع سجدات؟" أو يقول آخر : صلاة الصبح ركعتان فقط، وهذا غير كاف. أليس وقتا هادئا وجميلا؟ أليس لله؟ فلتكن أربعا أو خمسا! كل هذه مرفوض! لأن العبادة ليست مجالا للاجتهاد الشخصي أو للهوى، بل هي خضوع وتسليم. هذا هو ما قلناه في البداية؛ إن أساس العبادة هو الطاعة والامتثال لأمر الله كما هو، لا كما نراه نحن.
حتى في مسألة الصيام، هناك مثل هذه الأحاديث الطريفة. ليس الهدف أن تبقى جائعا عددا معينا من الساعات. فلو كان الأمر كذلك، أليس من الممكن أن يغيّر الوقت من الفجر إلى المغرب، ليجعله من الظهر إلى منتصف الليل؟ أحيانا سيكون الوقت أطول. يمكنه أن يؤدي عمله المكتبي بنظافة، ويشرب الشاي في الاستراحة، ويتناول الأرز جيداً في الغداء، ثم يبدأ الصيام مع أذان الظهر. أو قد يقول آخر: إن الصوم الحالي لا يكفيني، أريد أن أقترب أكثر من الله، فلا يُفطر عند المغرب، بل يؤخّره إلى العشاء، بل ربما إلى ما بعد العشاء!
وفي مسألة الزكاة أيضا تأتي الأسئلة: هل يجب أن يكتمل النصاب؟ وهل لا بد أن تمر سنة كاملة؟ وهل النسبة يجب أن تكون ٢.٥ % بالذات؟ ألا تكفي ١.٣/٤%؟ وما المشكلة إذا كانت ٣.١/٤%؟ لا توجد مشكلة إلا أنها لا تعتبر في ميزان الشريعة.
بل وحتى في الحج قد يقول قائل: بدلا من الذهاب إلى مكة وإنفاق مئات الآلاف، والطواف والسعي ورمي الجمرات وحلق الشعر والعودة، أليس الأفضل أن أبني بيتا لفقير أو أساعد طالبا محتاجا على دراسة الطب؟ لا، لا يصحّ ذلك! فهذا لا يكون حجا، ولا يُجزئ عن الحج
إن جوهر العبادة هو الامتثال لأوامر الله كما هي. وقد بيّن الله تعالى في مطلع سورة البقرة أن المؤمنين الحقيقيين هم الذين «يؤمنون بالغيب»؛ أي يسلّمون لأمر الله وإن لم يدركوا حكمته تمام الإدراك.
وفي عصارة الكلام إن أساس العبادة هو الطاعة. الطاعة التي لا تجادل، ولا تبحث عن البدائل، بل تنبع من الإيمان بأن الله أعلم بما يُصلح عباده، وأن الخير كل الخير في اتباع أمره كما هو، لا كما نراه نحن.




