لقد وُدجدت عبر العصور فوارق اجتماعية متعددة بين البشر، تتأسّس على المكانة الاجتماعية، والوضع الاقتصادي، ومستوى السلطة، ومجد العائلة وما إلى ذلك. وغالبا ما تنتهي هذه الفوارق إلى تصنيف الناس طبقاتٍ متمايزة، أو إلى ظهور شكل من أشكال "الطبقية" أو "التمييز الاجتماعي".
يقال عادة إن شباك القوانين لا تصطاد إلا الأسماك الصغيرة، أما الحيتان الكبيرة فتشقها وتهرب. وهذه المقولة ليست مجرد مثل دارج، بل نرى شواهدها واضحة في واقعنا المعاصر؛ فكم من إنسان يتجاوز واجباته باستخدام والمناصب والأموال، بينما يقع غيره فريسة للأنظمة ذاتها. والسؤال هنا: هل يمكن أن نجد مثل هذا التمييز المالي أو الطبقي في العبادات الإسلامية؟
ولكي ندرك عمق هذا التساؤل، علينا أن نتأمل في سلوكنا الاجتماعي. تخيّلوا مثلًا أننا ننظّم مناسبةً عامة وندعو إليها أشخاصًا من طبقاتٍ مختلفة.
للفقراء نقول: "احرصوا على الحضور في الوقت المحدد، ولا تغادروا إلا بعد ترتيب المقاعد وتنظيف المكان." أما للأغنياء وأصحاب الشأن فنقول: "يكفي أن تحضروا قليلًا ثم تنصرفوا، نحن نقدّر مشاغلكم." لبعضهم نقول: "يكفينا أن تمرّوا مرور الكرام لتظهروا وجوهكم." ولآخرين: "لا داعي للجلوس في المجلس، احضروا الغداء فقط ثم انصرفوا سريعا."
ولكن، هل يمكن تطبيق هذا التسامح القائم على المال والمظهر والمنصب في شعائر العبادة في الإسلام؟
منذ اللحظة الأولى لبعثة النبي محمد ﷺ جاء إلى هذا الدين أفقر الفقراء وأغنى الأغنياء. ومع ذلك لم يأت الإسلام بشريعة للفقراء وأخرى للأغنياء. فهل قال مثلا: إن الفقراء لا يجدون ما يأكلون أصلا، فليصوموا من الفجر إلى المغرب، وأما الأغنياء فيكفيهم نصف النهار؟
لكننا اليوم، بما أصابنا من ضعف في الفهم، قد يتسلل إلى عقولنا تساؤل عجيب: كيف يُخاطَب الملياردير المترف الذي اعتاد الولائم الفاخرة بنفس الخطاب الذي يُوجَّه إلى الفقير المعدم؟ مهلا! كيف سيتعاملون مع الأمر؟ لم يكن الأثرياء موجودين اليوم فحسب؛ بل كانوا موجودين في شبه الجزيرة العربية في القرن السادس أيضا. بل هناك مليونيرات ومليارديرات؛ كيف نقول لهم هذا؟ كيف نقول للملوك الذين اعتادوا أن لا تخلو مائدتهم من أطيب المأكولات في كل حين؟ ، ومعهم مئات العمال وطهاة مشهورون؛ كيف يُطلب منه أن يتجرّع مرارة الجوع كغيره من الناس؟
ولحل هذه المشكلة، قد يقترح العقل البشري الفاسد تصنيف الناس حسب ثرواتهم، ليكون لكل فئة نظام صيامها الخاص!
فيقال: الفقراء يصومون اليوم كاملا من الفجر إلى المغرب،
وأصحاب الدخل المحدود إلى العصر، والأغنياء إلى الظهر، والمليونيرات إلى العاشرة صباحا، والمليارديرات إلى السابعة فقط! أما الملوك والرؤساء والقادة الكبار فيكفي أن يقولوا: "آه، ذاك الصيام.... نعم نعم!" ويكتفون بابتسامة رصينة تعفيهم من الصوم أصلا!
وكذلك شأن الصلاة في الإسلام.كيف يقال للزعماء المترفين والأثرياء المتأنقين في أبهى الثياب وأرقى المظاهر أن يقفوا خاشعين، مكتوفي الأيدي، ثم يركعوا وينحنوا ويسجدوا حتى تلامس جباههم الأرض؟ هؤلاء الذين اعتادوا أن تُرفع إليهم الرؤوس، وأن ينحني لهم المرؤوسون بتحية رسمية خاضعة، كيف يُطلب منهم أن ينحنوا هم بأنفسهم بين يدي ربهم؟ هؤلاء الذين لم يعرفوا في حياتهم إلا الوقوف منتصبي الصدور، متباهين بمكانتهم، أفيليق بهم أن يُؤمروا بالانحناء والسجود؟
إذن، لنجعل الأمر "منطقيًّا" على طريقة الدنيا! فنقسّم الناس درجات في الخضوع بحسب أموالهم ومناصبهم!
فليكن الفقراء وحدهم هم من يسجدون سجودا كاملا، تلامس جباههم وأيديهم وأقدامهم الأرض.أما الأغنياء المتأنقون، فحسبهم أن يُميلوا رؤوسهم قليلا إشارة رمزية. وأما أصحاب الثروات المتوسطة، فيزيدون درجة في الانحناء، لا أكثر. وأما أصحاب المليارات وأرباب النفوذ الرفيع، فليس عليهم أن ينزلوا رؤوسهم أصلا؛ يكفي أن يُشيروا بيد أو بإصبع كما لو كانوا يلقون قبلة خفيفة في الهواء!
أما عند الحديث عن الزكاة، فإن القلق يتزايد. فمن طبيعة الأثرياء غالبا أنهم قد يقبلون بالود والمحادثات و يقدمون تبرعات قليلة وهبات بسيطة هنا وهناك. لكنهم لا يحبون أبدا أن تمتد الأعين إلى مدخراتهم أو شؤونهم المالية. فيجب التعامل مع هؤلاء الأشخاص ذوي المال بعناية فائقة دون إزعاج. إذا، كيف نأمرهم بأن عليهم توزيع 2.5% من مدخراتهم سنويا على ثماني فئات؟ يا للهول
علاوة على ذلك، فإن نسبة ٢.٥٪ من ممتلكات الطبقة الوسطى تُعدّ مبلغا محدودا يمكن تحمله بدون مشقة، ولكن كم ستكون قيمة 2.5% من ثروات المليارديرات؟ إنها بلا شك مليارات فوق مليارات! فمَن ذا الذي يجرؤ على مخاطبتهم في هذا الشأن؟
وماذا لو قلنا لهم أن يخفضوا النسبة قليلا لتصبح ٢٪ ؟ أو لعلنا نقترح ١.٥٪ ؟ أم نقول: "بحسب الحسابات الشرعية الواجب هو ٢.٥٪ ، ولكن يا سيدي الكريم، ادفع ما يطمئن إليه ضميرك"؟
ثم الحج، كيف يمكن أن نقنع أولئك الذين يعيشون في وطنهم بين البذلات الرسمية، والمعاطف الفاخرة، والحراسة، والبروتوكولات، والتيجان، والنجوم المتلألئة، أن ينخرطوا في زحمةٍ بشريةٍ لا مكان فيها للتفاخر ولا للتميّز؟ وكيف نُقنعهم بخلع قمصانهم وأحزمتهم وربطات أعناقهم ومعاطفهم الفاخرة، ليظهروا كالفقراء تمامًا؟ أن يكتفوا بقطعتين بسيطتين من القماش الأبيض غير المخيط، ويتحركوا كأنهم جنائز تمشي على أقدامها، يطوفون حول الكعبة، ويسعون بين الصفا والمروة، ويبيتون في منى، ويرجمون الشيطان؟
وماذا لو رفضوا ذلك؟ ماذا لو اجتمع أولئك الأثرياء والوجهاء وقالوا إن في هذه الشعائر ما لا يليق بمقامهم وكرامتهم، فاحتجوا وانسحبوا جماعيا؟ ألن يُصاب الإسلام حينها نقصان؟
إذن، أليس من الأفضل أن نكبق بعض التعديلات الفورية بحسب الأشخاص، والمال، والمكانة الاجتماعية؟
قانون للغني وقانون آخر للفقير؟ قُبحا! هذه مقولات يستحق رميها إلى المزبلة. لأن الإسلام دين إنسانيّ نبيل، لا يعرف التمييز، ولا يرضى أن يُرهَق الفقير أو يُدلّل الغني.
إن كنت مسلما حقا، فلا بدّ أن تضع جبهتك على التراب، وأن تنحني حتى يكاد ظهرك ينكسر خضوعا. ربما تكون أمير المملكة العربية السعودية، أو ملك الكويت، أو سلطان بروناي. وقد يكون الذي يسجد أمامك مباشرة هو عامل النظافة في قصرك، وقد يكون جبينك يلامس الأرض خلف قدميه!
وبالمناسبة، دعني أذكر هنا حادثة مشهورة: كان رئيس جمهورية الهند الأسبق، الدكتور أي. بي. جي. عبد الكلام، يدخل المسجد ليؤدي الصلاة. وكان الذي يقف أمامه في الصف الأول سائقه الخاص. وعندما سجد الرئيس، صار موضع جبهته على الأرض خلف قدمي سائقه! هذا هو الإسلام. قانون واحد للجميع! لا تفريقَ فيه بين غنيٍّ وفقير.
دعني أؤكد هنا أمرا مهما: لا توجد في الإسلام امتيازات للأغنياء ولا مصائد للفقراء، بل العكس هو الصحيح تماما. فالدين يجعل العبء الاقتصادي على عاتق الغني، لا على الفقير.وليس الأمر مقتصرا على زكاة بنسبة 2.5% فحسب، بل هو مبدأٌ شامل للمسؤولية الاجتماعية. فمتى وُجد إنسانٌ غني يملك المال، وفي جيرانه من يعاني من الجوع أو العراء أو المرض، فإن الإسلام يحمله المسؤولية الكاملة عن ذلك. فالثروة في الإسلام ليست امتيازا للترف، بل أمانة واختبار يُحاسَب صاحبها على كيفيّة أدائها تجاه من حوله.
لا تظنّوا أن الجيران هم مجرد البيتين اللذين على اليمين واليسار بل يشمل أربعين بيتا أمامك، وأربعين خلفك، وأربعين عن يمينك، وأربعين عن يسارك، أي ما مجموعه مئة وستون بيتا.
فتخيّل، أيها الغنيّ المترف، أنك تجلس في بيتك الفخم تتناول لحم الضأن والأرزّ والمرق والعصائر، بينما في أحد تلك البيوت البعيدة قليلا، تجلس أمٌّ حزينة لأنها لم تجد حتى عين سمكة
مجففة لتصنع منها حساء لأطفالها الجائعين. فالدين يراقبك ويسجل!
وهذا ليس من قبيل الخيال المثالي أو المبالغة المفرطة؛ بل هو واقعٌ عاشه السلف الصالح. فقد وُجد بين الصحابة من يبكون خوفا أن تتحوّل ثرواتهم الزائدة إلى ابتلاء يجرّهم إلى الحساب العسير.وسنقف في الفصل القادم على نموذج مؤثر من تلك المواقف النبيلة.




