كاد البرنامج أن ينتهي، وأثناء إلقاء كلمة الشكر، التفت إليّ صديقي وسأل: “هل يمكنك أن تختصر لي ما قاله المتحدث في كلمتين؟” فأجبته منزعجا: “لا أستطيع! أين كنت حتى الآن؟ ماذا كنت تفعل كل هذا الوقت؟” ثم قلت في نفسي: لم يكن امتناعي عن التلخيص كسلا أو بخلا في نقل الفائدة، بل كان دفاعًا صادقًا عن حقيقة أنني لم أفهم شيئا أصلا!
كانت المحاضرة عميقة للغاية، والضيف عالم مشهور بأسلوبه البحثي التحليليّ. وقد بذل المنظمون جهدا كبيرا لدعوته، ودفعوا مبالغ طائلة لاستضافته. فهو لا يُتاح عادة إلا بالحجز المسبق قبل شهور.
لكن مشكلتي أنني كنت مشغولا في تلك الساعة بإتمام مراجعة مقترح بحثٍ عاجل، فكنت أسمع شيئا وأغيب عن آخر. حتى كوب الشاي الذي قُدّم في القاعة أثناء الجلسة لم أستطع من شربه كما ينبغي. وبين الفينة والأخرى كنت أردّ على رسائل عاجلة في “واتساب”. وباختصار: لم أسمع، ولم أفهم! لكننا عادة نستحي أن نعترف بذلك، فنغضب على المحاضر والمنسقين لنغطي به غياب الفهم الحقيقي!
وهكذا في حياتنا؛ حين نهمل المتابعة الدقيقة في أي مشروع، معتمدين على ثقتنا في الآخرين، نفاجأ بأن الأمور قد انقلبت رأسًا على عقب. زرت مرة مدرسة كنت أشرف عليها بعد انقطاع، فرأيت العجب! الطلاب يأتون ويغادرون دون أن يتعلموا شيئا يذكر. بعضهم في المراحل العليا لا يعرف حتى الحروف الأبجدية. أمّا المعلمون فحالهم مؤسف؛ أخطاء لغوية فادحة، ونطق غير سليم، وأداء رتيب بلا روح. إحداهن كتبت “Genuwari” لتعلّم الأطفال كلمة “January”! أما الاجتماعات والسجلات والانضباط فحدّث ولا حرج. بعض التلاميذ الكبار لا يأتون إلا للهو والفساد.
فما الجدوى من وجود مدرسة إذا؟ أليست لتربية جيل مثقف؟ فلماذا تحولت إلى مركز للانحطاط؟ السبب واضح: الإهمال في التنفيذ. وكذلك في التجارة: الغاية منها الربح، لكن حين تُدار بلا وعيٍ ولا إخلاص، فإن الخسارة هي النتيجة الحتمية.
والآن نعود إلى السؤال الذي طرحناه في نهاية حديثنا بالأمس. هناك آية في القرآن الكريم حول الصلاة يصعب على البعض فهم معناها، وهي ﴿إِنَّ الجصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ). فكيف يكون ذلك؟ وما العلاقة بين أداء الصلاة وترك المعاصي؟ الجواب واضح، أليس كذلك؟ إذا صُلّيت الصلاة كما ينبغي، صارت وقاية من الشر.
فالنجاح لا يتحقق بمجرد وجود النظام، بل بحسن التنفيذ. ألم ترَ مدارسَ وجدت لتربية الأجيال، فتحولت إلى بؤر فساد؟ أو شركاتٍ أنشئت للربح، فانتهت إلى الإفلاس؟ فالخلل ليس في الأصل، بل في التطبيق.كذلك الصلاة. من صلّى بلا حضور قلبٍ، فليست إلا حركاتٍ بلا روح.
إذن، فلنتعلم كيف نصلّي كما نتعلم لماذا نصلّي. يقول الله تعالى في سورة طه:﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ أي إنما فُرضت الصلاة إنما شُرعت لتكون وسيلة دائمة لذكر الله. لذلك لم يقل القرآن "صلّوا" فحسب، بل قال: "حافظوا على الصلوات" و "أقيموا الصلاة"، أي اجعلوا ذكر الله قائمًا في قلوبكم من خلال الصلاة.
لكن الوصول إلى خشوع تام في الصلاة ليس أمرا سهلا. فهو لا يسقط علينا كأوراق يابسة، بل هو ثمرة تدريبٍ طويل ومجاهدةٍ واعية. الرياضيّ لا يكتسب لياقته إلا بالتمرين الشاق، والمسرحيّ لا يتقن أداءه إلا بالممارسة. فكيف بمن يريد أن يرتقي في أعظم عبادةٍ بين العبد وربّه؟
نقطة الانطلاق هي النية. فهي محرّك الصلاة وروحها. بقدر قوّة النية وصفائها تكون الصلاة مثمرة. أمّا من يهرع إلى الصلاة دون حضورٍ قلبيّ، فليس له من صلاته إلا حركات الجسد. لذلك يجب أن نقف بين يدي الله بعد تفريغ القلب من شواغل الدنيا، نوجّه البصيرة إليه وحده، ونربط الروح بحضرته. فالصلاة ليست طويلة بالزمن، لكنها عظيمة بالأثر، ويمكن لمن درّب قلبه أن يبقى حاضرًا فيها لحظات معدودة، فيمكن أن نبقى القلب حاضرا بالممارسة.
وقد وُجد في تاريخ الأمة من كانوا يعيشون في ذكر الله حتى خارج الصلاة، يخافون أن تدخل على قلوبهم لحظةٌ بغير ذكر الله! من هؤلاء العارف بالله ابن الفارض، الذي يُعدّ مثالًا لمن بلغ مرتبة “الأخيار”، أي الذين لا يغيبون عن الله طرفة عين.
وهذا لا يتحقق دفعةً واحدة. بل بالتدرّج كتفاوت الناس في مراتبيهم. فليس كلّ المسافرين في الطائرة يجلسون في درجة رجال الأعمال، ولا كلّ الطلبة يحصلون على المراتب الأولى. لكن كما أن لكلٍّ منهم حدًّا أدنى من النجاح، فلكلّ مؤمنٍ حدٌّ أدنى من الإيمان والخشوع يمكن بلوغه. ومن ثمّ يمكن للمرء أن يترقّى من تلك الدرجة شيئًا فشيئًا حتى تصير صلاته معراجًا روحيًّا يعرج به إلى الله تعالى.
نسأل الله أن يجعل صلاتنا سلّمًا نرتقي به إليه، ومعراجًا نبلغ به مراتب الأخيار آمين.




