دعني أسألك:
- متى يكون أنسب وقتٍ للتعلّم؟
في الصباح
- ومتى يكون أنسب وقتٍ للعب؟
في المساء.
- وللاستحمام؟
بعد اللعب.
- ومتى يُستحبّ تناول الطعام؟
عند الظهيرة.
- أمّا العمل؟
ففي وضح النهار.
- وللأنس مع الأهل؟
في الليل...
الإنسان كائن تتقلّب أمزجتُه، وتتأثر روحه بتغيّر الزمان والمكان. كلُّ لحظةٍ تترك فيه أثرًا، وتترك في داخله شعورًا أو فكرة. ونحن- شئنا أم أبينا - نسير في هذه الحياة بطريقٍ طويل، ننتظر كلّ وقت مَن يأخذ بأيدينا حتّى نصل إلى من نحبّه أكثر فأكثر. وبينما نحن في هذا السفر، لا ينبغي لنا أن نتغافل أو نضلّ الطريق، أو أن نفقد أنفسَنا في زحمة الحياة وصخبها.
لهذا، كانت الصلوات الخمس محطّاتٍ للروح، توقظ القلب من غفلته، وتُعيده إلى حظيرة الإيمان. ليست يقظةً من نوم الجسد، بل يقظةً من غفلة الوعي إلى صفاء الإدراك، ومن حياة العادة إلى حياة العبادة.
فالحياة لا تخلو من لذّةٍ أو معاناةٍ أو مزيجٍ بينهما، أيّا كانت لا يجوز للإنسان أن يضيّع أوقاته. جاءت الصلوات كلّ يوم موزّعةً على أوقات معينة: في الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، والتي تذكّرنا كلّ حينٍ أنّ هناك غايةً أسمى وهدفا لا يُنسى. إنّها نداءات من السماء توقظ الإنسانيّة فينا، وتُربطنا بالله حتّى لا نعيش اليوم كما عِشنا الأمس، بل نصعد من صلاةٍ إلى صلاة، ومن يقظةٍ إلى يقظة، حتى نبلغ اليقين.
قبل كلِّ صلاة، هناك نداء يهزّ القلوب ويوقظ الهمم - إنّه الأذان، صوتٌ من السماء يدعو الإنسان من غمار دنياه، من حقله ومتجره، من عمله وحديثه، من سفره ولعبه ونومه، مِن كلّ ما استغرق فيه حتّى نسيَ الوقت والمقصد. يأتي النداء الإلهي ليقول له: حان اللقاء... قم إلى الصلاة. إنه ليس نداءً للصلاة فحسب، بل هو أيضًا تنظيم للزمن، وضبطٌ لإيقاع الحياة بين العمل والراحة، بين السعي والسكينة.
وحين يتهيأ المؤمن للقاء ربّه، يبدأ بتطهير ظاهره وباطنه. فكما نرشّ الماءَ على وجه النائم لنوقظه من غفوته، فإنّنا نحن أيضًا نغسل وجوهنا وأيديَنا وأرجلنا ، نغسلها بالماء الطاهر، ونمسح رؤوسنا وآذاننا، فنوقظ كلّ ذرّةٍ فينا من سباتها. هذه هي الطهارة، هي الوضوء الذي يجعل الجسد شاهدًا على يقظة القلب.
ثم نقف بين يدي من نحبّ، بين يدي الذي أوجدنا وأفاض علينا النعم، وقفتُنا تلك ليستْ كأيّ وقفةٍ في الدنيا. نطوي الدنيا خلْف ظهورنا، ونرفع أيدينا في تكبيرةٍ تشبّها بانطلاق الطائر حين يبسط جناحيه ليحلّق في السماء. ألسنا نحن أيضًا نحاول التحليق؟ أليست أيدينا تلك التي نرفعها في الصلاة هي أشبه بجناحي طائر ؟
حين نقول: الله أكبر، كأنّنا نخلع عنّا ثقل الأرض، ونتخفّف من قيودها، فنغادر بقلوبنا إلى العلوّ، إلى مناجاةٍ تفتح للسماوات أبوابها. والأقدام ما تزال على الأرض، نعم... لكنّ الروح قد طارت نحو الله. إنّها لحظة الانفصال عن العادة، والاتصال بالمعبود، لحظةٌ لا تشبه شيئًا من الدنيا، لأنّ فيها يسافر الإنسان بلا مركب، ويحلّق بلا جناحين، ويصل بلا مسافة.
حين نرفع أيدينا ونعقدهما في الصلاة، ننطق بعبارةٍ لا يُمكن أن يحلّ محلّها لفظٌ آخر، نقول: الله أكبر. لم نقل: الله أعلم، أو الله أرحم، أو الله أكرم، لأن هذه الأوصاف، على جلالها، لا تفي بعظمة المقام. إنّما نقول : الله أكبر، لأن كبرياءه تعالى لا يُقاس، وعظمته لا تُحدّ. نقولها ونحن نغيب عن المكان والزمان، نذوب في جلالٍ لا يُدرك بالعقل، بل تُحسّه الروح وهي تعلو في رحلتها إلى الله. إنها كلمةُ الانطلاق، كلمةُ التحرّر من ضيق الأرض إلى فسحة السماء. بهذه التكبيرة نغادر حدود المادّة، ونرتقي في معراجٍ روحيٍّ عجيب.
وقد استخدم القرآن اللفظ نفسه - أكبر- في قصّة يوسف عليه السلام، حين بهرت النساء بجماله، فقال تعالى:{فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} [يوسف: 31]. ذلك الانبهار، تلك الدهشة التي أفقدتهنّ الإحساسَ، هي صورةٌ مصغّرة لما يعيشه القلب المؤمن حين يقول: الله أكبر. فهو انخطافٌ روحيّ، وارتفاعٌ عن حدود الحسّ إلى آفاق المعنى، إلى مقامٍ لا يبقى فيه شيءٌ من الدنيا.
نحن في صلاتنا لا نُخاطب بشرًا ولا مخلوقًا؛ بل نقف أمام خالق السماوات والأرض. هو لا يُرى بالعين، لكنه يُبصِرنا، ويُحيط بنا علمًا ورحمةً ونورًا، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وإن لم تكن تراه فإنّه يراك، فإذا استحضرتَ ذلك، أحسستَ أنّ روحك قد ارتفعتْ من أرض الغفلة إلى سماء الحضور، وأنّك قد صرتَ - في تلك اللحظة - مسافرًا إلى الله.
وحين يقول المؤمن: وجَّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض، فذلك إعلانُ الإقلاع — كأن القلب طائرةٌ تُحلّق نحو الأفق الأعلى. ومنذ تلك اللحظة، ينفصل المصلّي عن عالم الغفلة، ويندمج في عالم النور، لا يتحدث عن أيّ شيء في الأرض - لا عن أصغر ولا أكبر - بل يسبّح الخالق الذي أبدع السموات والأرض بإتقانٍ وإبداع. إنها لحظةُ التحليق الإيماني، حين يُصبح القلب مرآةً للسماء، والعقل شاهدًا على عظمة من قال له: قم إلى الصلاة... فإنها معراجُك إليّ.
في مطلع كل صلاة، يتسع قلب المؤمن حتى يحتضن السماء والأرض معًا، تتسع مداركه، وتتحرّر روحه من ضيق الوجود، فيغشاه شعورٌ عميق بعظمة الخالق الذي أبدع هذا الكون البديع. لكن حين يحاول أن يتأمل في جلال الله، يخفق قلبه خجلًا، ويطأطأ رأسه هيبةً ويركع بين يديه، ثم يحاول أن يرفع بصره مرّة أخرى معتدلا، فلا يملك ذلك إلا أن يخرّ إلى الأرض ساجدا ثم انبعاثٌ من العجز ليستقيم جالسا ، فلا يتمكن إلا أن يخرّ إلى الأرض مرّة ثانية أمام عظمة الخالق قائلا: سبحان ربي الأعلى ومقرّا بعبوديته. ثم ينهض منه وديعًا، متواضعًا، كمن وُلد من جديد. هذا السقوط وذاك النهوض هو تدريبٌ يوميّ، وهذا الانقياد والترفع سرّ السعادة الروحية التي لا يعرفها إلا من ذاقها.
كان رسول الله ﷺ يجد قُرَّة عينه في الصَّلاةِ، وكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. لأن فيها وجد راحته وطمأنينته. وقد بلغ من حال بعض الصالحين أنهم كانوا فاقدين شعورهم أثناء الصلاة، لا يحسّون بألمٍ ولا جُرحٍ ولا نارٍ، لأنّهم كانوا غارقين في مناجاة ربّهم، كأنما سُلبت قلوبهم من الدنيا وعلّقت بالسماء.
وربما يستغرب بعض الناس هذه الحالة فيقولون: أليست هذه مبالغة؟ كلّا، فلدينا في حياتنا اليومية ما يُشبهها! تخيّل، أنك تتجوّل في حديقتك، وتلاحظ كلّ ما فيها من أشجار وأثمار وغيرها، وتراقب أيضا خطواتك بحذر لئلا تجرح قدميك بالأذى كالشوك والزجاج أوغيره، وعندما وصلتَ إلى الطرف الآخر للحديقة، فجأةً تسمع فحيح أفعى أو زئيرَ وحش! في تلك اللحظة، لا تفكّر في شوكٍ ولا في أذى ولا في طريقٍ ولا في نعالٍ... بل تفرّ فرارا بكلّ كيانك! لا شعورَ لك إلا بالنجاة. فإذا وصلت بيتك وأخذت أنفاسك، رأيت الدم يسيل من قدمك دون أن تدري متى جُرحت ، لأنكَ كنتَ في انخطافٍ كاملٍ نحو هدفٍ واحد.
كذلك المصلّي الخاشع، لكنّه لا يهرب من خوف، بل يندفع إلى حبٍّ وهيبةٍ معًا. إنه لا يهرب من شيء، بل يتّجه إلى الله بكلّ جوارحه، يغيب عن الدنيا ليحيا في الحضرة الإلهية. ولهذا قال بعض السلف: من أراد أن يكلّمه اللهُ فعليه بالقرآن، ومن أراد أن يكلم اللهَ فعليه بالصلاة . وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: ما وجدتُ في الدنيا لذةً تعدل لذّة الصلاة. فالصلاة ليست عادةً زمنية، بل رحلةٌ روحيةٌ يوميةٌ إلى الله، يتدرّب فيها القلب على السجود الصادق، ويتعلم كيف ينهض من كل سقوطٍ بثباتٍ وإيمان.




