دعني أقول شيئا. إننا عالقون في وضع تتجاذبه مسألتان عسيرتان لم نحسم أمرهما بعد، لذا نرحّب بكم جميعا بكل ود للمشاركة الفاعلة وتقديم مقترحات عملية ومجدية للخروج بحلٍّ رشيد.
هناك مؤسسة ما زالت كما هي منذ فترة، لكنها ليست على ما يرام! الأمور لا تسير كما ينبغي، وهناك خلل واضح وتراجع على مستوياتٍ مختلفة. والسبب الرئيس هو انعدام التواصل مع الناس وعدم تنظيم فعاليات جماهيرية تقرب المؤسسة من المجتمع.
إذن، الخطوة الأولى التي نحتاج إليها هي تنظيم فعاليات جاذبة تُعيد الجمهور إليها وتُعيد الحياة إلى أروقتها.
تنوعت الآراء: ففريق اقترح إقامة حفل غنائي، وآخرون قالوا: نجعلها مسرحية، وبعضهم قال: لتكن سيركًا! بينما رأى قلةٌ منهم أن يكون معرضًا، لاسيما إذا تضمن أفاعي — فحينها سيزداد الحضور! قالوا: خطبة دينية قد تنفع، لكن سرعان ما اعترض فريق آخر قائلين: "من يجلس الآن ليستمع إلى خطبة تمتد ساعات؟!" ثم قام بعض الشبان يقترحون إقامة ليلة رقص، وقال آخرون: مهرجان للطعام، فالناس لا تقاوم رائحة المذاق الطيب! وهكذا تتابعت الاقتراحات، وبعضها لا يصلح حتى للذكر، لأسبابٍ أمنية!
فما هو في رأيكم أفضل نشاط يجمع الناس ويجعل الفعالية شعبية ويعيد للمؤسسة نبضها الشعبي؟
أما المشكلة الثانية فهي أن السبب الأهم لركود المؤسسة هو غياب الاجتماعات والمشاورات المنتظمةوالمراجعات الدورية. فالمسؤولون مختلفو التوجّه والاتجاه، وقد تقرّر أخيرًا أنه لا يمكن ترك الأمور هكذا. نحتاج إلى لقاءات منتظمة ونقاشات جادّة داخل الإدارة. لكن السؤال الآن: كم مرة ينبغي أن نجتمع؟ .
قال أحدهم: مرة في الشهر كافية. فردّ آخر: لا، مرتان شهريًا أفضل. وقال ثالث: بل مرة في الأسبوع. فردّ عليه آخر: لا تكفي، نريد اجتماعين أسبوعيًا. ثم قال أحدهم: بل نجتمع يومًا بعد يوم! وهنا قفز آخر قائلاً: ولم لا نجتمع كل يوم؟! وما إن رفع الناس حواجبهم دهشةً حتى وقف آخر وقال: لا يكفي! نحتاج إلى اجتماعين في اليوم! ثم جاء صوت آخر يقول مازحًا: بل خمس مرات في اليوم على الأقل!
ما رأيكم؟ أترون ذلك عمليا تطبيقيا ولو بنسبة صفر بالمئة؟ بل ربما بنسبة سالبة!
والآن تخيّل أنك عدت ١٤٠٠ عام إلى الوراء. النبي محمد ﷺ بدأ دعوته برسالة سماوية خالدة. لم يكن الإسلام دينا جديدا ابتدعه في القرن السادس، بل هو امتداد لرسالة الأنبياء منذ آدم عليه السلام، وإنما جاء النبي ﷺ ليجدد الصلة بها.
يجب أن تنتبه جيدا إلى أمر مهم: هناك مجتمع انغمس في مظاهر الحياة المادية والملفات والشهوات، وقد امتلأت روحه بها حتى فاضت، وتشبّعت نفسه بمذاقها إلى الحد الذي جعلها جزءا من طبيعته. وفي ظلّ هذا الواقع، فإن من يسعى إلى إحداث تحوّل حقيقيّ لا بدّ أن يكون مؤثرا يجذب الناس ، ويجتمعون حوله، ويشعرون أن في كلامه معنى وجدوى، وأن ما يقوله يمكنهم تبنيه وتطبيقه في حياتهم.
أما إن لم تتوفر فيه هذه الصفات، فإن الناس سينفرون منه بمجرد سماعه، ويبتعدون عنه. وسرعان ما سيُغلق هذا النظام الجديد الذي يحاول تأسيسه. وعندما يعيش منعزل بلا أحد حوله، سيقولون ساخرين أو مشفقين: ألم يكن الأجدر به أن يتحدث بما يمكن للناس تقبّله؟ بل إن أقرب أصدقائه سيقولون: كنتُ أعلم منذ البداية أنه تجاوز الحدّ، لم يكن بحاجة إلى أن يُفصح عن كل شيء دفعة واحدة. ثم يضيفون :- لو أراد حقا أن يجذب الناس ، لكان عليه أن يبدأ بخطوات أقرب إلى ميولهم، وبرامج تتضمّن شيئا من المتعة والتسلية التي يألفونها ويحبونها.
إن ما أقول هنا هو فيزياء العبادة وكيمياءها الخاصة. فلو تأمّلنا قليلًا في نظام العبادات الذي يقدّمه الإسلام، في ترتيبها وبنائها، وخصوصا في سياقها التاريخي الذي ظهرت فيه، لأدركنا عمقها. ففي القرن السادس، حين ظهر النبي ﷺ برسالة الإصلاح والتزكية، لم يلجأ إلى أيّ وسيلة من وسائل الإبهار أو الخداع لجذب الناس إليه.
لقد كانت مهمّته أن يؤثّر في مجتمعٍ غارق في الخمر والنساء واللعب والعنف والقتل، ومع ذلك لم يبدأ الإسلام بإقامة حفلات غناء أو عروض مسرحية أو سهرات راقصة، ولم يتوسّل إلى الناس بما هو ترفيهي أو ممتع في ظاهره، بل قدم لهم عبادة تهذب النفس وتسمو بالروح، لا لهوا يلهيها عن حقيقتها.
فكروا في الأمر جيدا: لو كنا نحن في مكانه، ربما فكرنا بتنظيم مهرجانات غنائية أو عروض ترفيهية لجذب الجماهير. لكن انظروا إلى أولى العبادات التي فرضها الإسلام "الصلاة". لم تكن بالتدرج: مرة في الشهر، ثم أسبوعيا، ثم يوميا. بل فُرضت منذ البداية خمس مرات في اليوم. بل في الأصل كانت خمسين صلاة، فخففها الله إلى خمس بفضل شفاعة موسى عليه السلام.
لم يكن النبي ﷺ يحمل هم السؤال: كيف يمكن أن يُقنع مجتمعا كسولا خامد الهمة بما جاء به؟ لأنّ ما جاء به لم يكن من بناء أفكاره، بل وحي من عند الله. أما لو كنا نحن من قدم هذا المقترح، لربما تلقينا السخرية والاستهزاء من الحاضرين في أول مجلس!
تأمّل فقط كيف بدأ النبي ﷺ دعوته بإقرار الصلوات الخمس منذ البداية. إنّها ليست طقسا ترفيهيا يُمتع الحواسّ، بل عبادة تهب لروح الإنسان لذّة معنوية لا تُنال إلا بعد ارتقاء طويل في مدارج الإيمان. فالصلاة ليست كحفل غنائي أو عرض رقص أو سهرة سينمائية يمكن لأي إنسان أن يستمتع بها دون عناء، بل خضوع يتطلّب صفاء ومجاهدة وسموا.
ومن يرى عقد اجتماع المؤسسات مرّةً أو مرتين أسويعيا على حد أقصى ، قد ترى في خمس لقاءاتٍ يوميّة أمرًا غير معقول! لكن تأملوا! لقد أثبت التاريخ عبر ١٤ قرنا أن هذه العبادة ممكنة التطبيق واقعيا في حياة الناس، وأنها باقية تقام في كل بقعة من الأرض. فمنذ قرون، تُقام الصلوات الجماعية في ملايين المساجد دون انقطاع، في انتظامٍ مدهش لا يشبه أيّ نظامٍ بشريٍّ آخر. ومن يقف متأمّلًا في أحد أركان المسجد الحرام بمكة، أو المسجد النبويّ بالمدينة، سيرى المشهد بأمّ عينيه:
قبل الأذان بساعاتٍ تتدفّق الجموع من كلّ صوبٍ نحو الصلاة.
وفي كلّ قريةٍ ومدينةٍ وسوقٍ وعاصمةٍ مزدحمةٍ في العالم، يتردّد الأذان خمس مرّاتٍ في اليوم، ويُقبل الملايين إلى المساجد في مشهدٍ متكرّرٍ لم ينقطع منذ أربعة عشر قرنا. وما تزال المساجد تبنى وتفتتح يوما بعد يوم، والآلاف يدخلون في الإسلام، وينضمون إلى صفوف المصلّين في خشوع وإيمان.
تذكر! إن الصلاة لا تمنح لذة عاطفية آنية، ولا متعة حسية سريعة الزوال. فالناس لا يقبلون على الصلاة لأنها ترضي حواسهم أو تريح أبدانهم، بل لأنها توقظ أرواحهم وتربي نفوسهم. والحق أن الصلاة جهد ومجاهدة، وليست عملا يسيرا. فهي أن تنتزع النفس من شتات أفكارها، وتثبت على نقطة واحدة -هي الله وحده- لبضع لحظات من التركيز والخشوع الخالص، وهذا عمل يتطلب صبرا وتدربا. وهذا بالضبط ما أمر به النبي محمد منذ فجر الدعوة، لا حفلات غناء، ولا رقص، ولا مهرجانات للطعام والترف. فالإسلام لم يقدم متعا جانبية أو لذات سطحية لجذب الناس، بل دعاهم إلى عبادة جادة تطهر القلب وتسمو بالإنسان. وهذا دليل على أن الإسلام دين ينظر إلى الحياة نظرة جد ووعي، ويقدس كل لحظة من عمر الإنسان بوصفها فرصة ذات قيمة، لا مجال فيها للعبث أو اللهو.
تأملوا حقيقة الصوم قليلا : هل فيه متعة الذهاب إلى مهرجان للطعام؟ هل فيه لذة سماع الغناء أو حضور الحفلات؟ كلا ! بل هو امتناع عن الأكل والشرب والنظر والسمع والقول واللمس وسائر الشهوات من الفجر إلى الغروب، في زمن كان الناس فيه مولعين بالطعام والشراب والملذات، جاء النبي ﷺ يأمرهم بالصبر والجوع والعفة!
تأملوا جرأة النبي ﷺ وهو يوجّه هذا الخطاب إلى قومٍ كهؤلاء!
لو كان الأمر ناتجا عن تفكير بشريّ أو حسابات اجتماعية، لقال الحاضرون في أول مجلس: هذا غير ممكن، الناس لن يقبلوا به!
ولقال بعضهم: اقترح شيئا آخر، حفلة طعام أو نشاطا ممتعا، فسيجتمع الناس حولك!
لكن الإسلام لم يكن مذهبا يبحث عن الحشود ولا عن استعراض القوة العددية، بل دعوة إلى الوعي والإدراك، إلى السمو فوق الأهواء. وهو منهج يخاطب القلوب والعقول، لا البطون والغرائز، ولا يقبل في صفوفه إلا من آمن عن بصيرة ووعى عن اقتناع. فالإسلام لا يمنح عضويته لمن حضر، بل لمن أدرك الحقيقة وآمن بها من أعماقه.
العبادات في الإسلام لم تكن من ابتكار النبي محمد ﷺ ولا من اجتهاده الشخصي، بل هي توجيهات إلهية. وقد أثبت التاريخ، على مدى أكثر من أربعة عشر قرنا، أن الصيام عبادة عملية قابلة للتطبيق، مارسها المسلمون جيلا بعد جيل في كل بقاع الأرض. ومن المؤكد أنه لو كان الأمر إلينا - لو كنا نحن من يضع تعاليم الدين باجتهادٍ بشريٍّ أو آراءٍ جماعية - لما اخترعنا عبادة شاقة تُلزم الإنسان بالجوع والعطش طيلة النهار! ولو أن أحدا في مثل تلك المجالس اقترح عبادة كهذه، لكان الجميع قد رفضوه فورا، وربما أُسقط اقتراحه بالإجماع، بل أُخرج من المجلس بتصويت قاطع!
والآن ننتقل إلى الركن الثالث: الزكاة.إنها ليست مضاعفة للأموال، ولا استثمارا ربويا يُضخّم الجيوب، ولا تجارة وهمية تدار بالمضاربات، ولا اكتنازا للأرصدة، ولا أرباحا غير مشروعة، ولا شبكات تسحب المال خفية من جيوب الناس باسم الراتب السريعة. بل الزكاة هي العطاء، أن تُخرج مما تملك لتعطي من لا يملك. تأمّل هذا المشهد العجيب: دعوة جديدة تظهر في مجتمع ماديّ، تدخل إلى الجيوب لا لتملأها بل لتأمر أصحابها أن يفتحوا أيديهم للفقراء! ومع ذلك، يقبل الناس عليها أفواجا!
أليس هذا عجيبا؟
ومن الطبيعي أن يتهافت الناس على مشروع يعدهم بالربح السريع، فهذا مفهوم في منطق المصلحة. لكن أن يجتمع الناس حول مبدأ يدعوهم إلى الإنفاق والبذل من أموالهم، فذلك لا يُفسر إلا بعمق الإيمان، وبأن وراء هذا الدين قوة روحية تُحرّك القلوب لا الجيوب.
والآن نصل إلى الحج. قد يخيّل إليك، حين تسمع الكلمة لأول وهلة، أنه مجرّد رحلة جماعية ممتعة، كجولات بعض المؤسسات التي تجذب الناس بتنظيم الرحلات والسفر. لكن تمهّل قليلا، فالحجّ ليس كذلك أبدا. وليس العرفة شاطئ البحر، ولا المنى وادي كاشمير الباردة. بل هو في مكة المكرمة، في قلب الصحراء الحارقة، بين جبال سوداء صلبة لا يهبّ فيها نسيم بحر، ولا تنزل عليها قطرة ثلج. هناك تُؤدّى المناسك في حر لافح واكتظاظ شديد ومشقة واضحة، وسط ملايين الحجاج الذين يؤدّون شعائرهم في نظام مدهش وإيمان عميق.
والحجّ ليس مناسبة لارتداء أجمل الثياب أو التقاط الصور البهيّة. فحتى لو كنت من أغنى الناس، أو صاحب أضخم شركات الأزياء، فإنك لن تلبس إلا قطعتين من قماشٍ أبيض بسيط، لا خياطة فيهما. هناك، يتجرد الإنسان من مظهر الرفاهية والترف، ويقف أمام الله فقيرا عاريا من كلّ ما سوى عبوديّته.
وليس الحجّ رحلةَ ترفيهٍ ولا فسحةَ رومانسيةٍ مع الزوجة. إنه رحلةُ تضحية تتجلّى فيها ذكريات إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام، وتلوح في أجوائه دروس التضحية التي سطّرها ذلك الأب وذلك الابن في رمال مكة ولهيبها. إنه مشهد تتلألأ فيه صلابة الإيمان التي جعلت الإنسان مستعدّا لأن يقدّم أعز ما يملك في سبيل خالقه، وأن يُظهر من قلبه صلابة العهد والعزم على الطاعة مهما بلغت الكلفة.
فأيُّ نسيمِ هناك؟ وأي جسد رطيب أو جمال طبيعة أو لهو؟ لا بحر ولا ظلّ ولا رياح عليلة، بل عرق وتعب وصبر ومناجاة.
كلّ شيء هناك بعيد عن زينة الدنيا، منظم بالحساب الدقيق، مؤدّى بالمسؤولية الكاملة، حتى يقف الحاجّ في النهاية ملتفا برداء أبيض كالميّت الذي يخرج من بيته في كفن من يرمز إلى الزهد والانقياد.
وهكذا نرى أن كل عبادة في الإسلام ليست تسلية جسدية ولا وسيلة لجذب الجماهير، بل تدريب للنفس على السمو والصدق والجدية. والإسلام لا يغري الإنسان بالمظاهر السطحية ولا يستدرجه بالعواطف العابرة. بل يوجّهه نحو الهدف الأسمى: أن تكون الحياة طريقا للوعي والتزكية والخلود في رضا الله.
وليس معناه أنه لا بد للإنسان أن يعيش عمره كلّه في صرامة وجمود كالعسكر، متجهّم الوجه، لا يعرف الفرح والسرور. فالحياة لها إيقاعها الطبيعي، فيها اللعب والضحك والطعام والشراب والمزاح والتنافس والغناء والحديث والصيد والركض... كلّ ذلك جزء من لوحة الحياة.
غير أن الفرق جوهري كبير بين أن نقول إن الحياة فيها هذه الأشياء، وبين أن نقول إن الحياة هي هذه الأشياء. فبعض الناس حياتهم كلّها مزاح، ودينهم لهو، وإلههم لاعب مشهور، وكأن اللذة صارت موقفهم والتفاهة عنوانهم.
وهذا هو العبث الذي يرفضه الإسلام؛ فهو يرفض أن تُخفى القيم الكبرى خلف ستار التسلية، وأن تُقدم الأمور الثانوية على أنها جوهر الحياة، وأن يُغوى الإنسان بما يُلهيه عن المعنى. فجوهر الرسالة هو أن تُعاد الأشياء إلى مواضعها الصحيحة، وأن يُعطى كلّ أمر قدره الحقّ، دون إفراطٍ ولا تفريط.




