ها نحن الآن نستيقظ ونتحرّك من جديد، لقد قال الله لنا كلّ ما أراد أن يقوله، وجاء دورنا الآن. هيا بنا نُقبل على ربّنا، نحدّثه ونناجيه. ولكن قبل ذلك علينا أن نتذكّر أمرا مهما: لقد امتلأت قلوبنا بالرضا حين عرفنا ربنا. فخالقنا جلّ شأنه هو صاحب الصفات التي تأسر القلوب وتدهش العقول.
هو مالك المحبّة التي لا حدّ لها، الكريم الذي يغمرنا بعطائه سواء شكرناه أم كفرناه، البحر الذي تتلاطم أمواج رحمته على الجميع دون تمييز أو حساب. هو الراعي الحنون الذي يحرسنا، ويُضيء لنا الدرب حين يلفّنا الظلام، ويُنجينا إذا داهمنا العدوّ من كل جانب. هو الذي أوجدنا من العدم، ونمّى فينا الحياة نَماءً دقيقًا متوازنا، يمنحنا ما نحتاج إليه في الوقت الذي نحتاج فيه دون أن نشعر.
ذاك هو ربنا، خالقنا، الله! فماذا نقول بين يديه؟ وكيف نُقابله بما يليق به؟ لا ينبغي أن ننطق بكلمة إلا بعد أن نتفكر فيها مليًّا، ولا نقدّم إليه شيئًا إلا بعد أن نُمعن النظر في قدره وعظمته!
لو كان القادم وزيرا لأهديناه درعا. ولو كان أستاذا لأهديناه كتابا. ولو كانت حبيبة لأهديناها وردة. ولو كان مديرًا لأرسلنا إليه باقة أزهار فاخرة. أما هذا الذي نخاطبه فهو ربّ العالمين، الملكُ الذي ليس فوقه أحد! فماذا يمكن أن نهدي لمن خلق كلّ ما نهدي؟ هو الذي صنع الورد والذهب، وأعطى العقل واللسان، وهو الذي يُنعِم علينا ثم يُعلّمنا كيف نشكره على نعمه! فماذا نملك أن نقدّم له نحن الفقراء؟ هو الأعلم بنا من أنفسنا، والأقرب إلينا من حبل الوريد، والأحرص علينا من أمٍّ على رضيعها، والأحبّ لنا منّا لأنفسنا! يا إلهي!!
يا لها من فكرة عجيبة خطرت بالبال! مجرّد رأي، لكنْ ما أجملَه!
ماذا لو قدّمنا لله شيئا لا يقدر أحد غيرنا على تقديمه؟ شيئا لا يشارِكُنا فيه أحدٌ من خلقه في أيّ زمانٍ أو مكان؟ ماذا لو قدّمنا له أنفسَنا كلَّها، بلا بقاءٍ ولا ادّخار؟ فما الذي نملك أن نقدّمه إنْ لم نقدّم ذواتِنا؟
لكنّ تقديمَ النفس لا يكتمل إنْ كنتُ وحدي، أو كنتَ أنت وحدك، أو كان أحدُنا منفردًا. كلٌّ منّا يعرف ضعفه ونقصه، ولا أحد منّا يصلح أن يقف وحيدا أمام جلاله. ولو كنت أطهر من الطهر، وأنقى من النسيم، لما استطعت أن أقدّم نفسي وحدي بين يديه!
فلنجتمع إذن، ولنتقدّم صفّا واحدا نحو العظمة الإلهية، نُسلم أنفسَنا بكل خضوعٍ وانكسار، ولنرفع أصواتنا جميعًا: «إيّاك نعبد»، نحن لك يا ربّ، ونحن عبدك.
عبودية؟ نعم، عبودية خالصة!
عبودية ! عبودية !! عبوديّة!!!
العالم يكره العبودية، ويهرب منها إلى الحرّيّة. فالناسُ يرون أن لا حياة بلا حرّيّة، وأنّ العبوديّة موتٌ بطيء.
أليس الشاعرُ قال: "العبوديّةُ للكرام أهوَنُ من موتٍ بلا حرّيّة"؟
حتى لو سُكبت الحلاوة في أوانٍ من ذهبٍ وفضّة، فهي عبوديّةٌ إنْ كانت تُقَيِّد النفسَ وتَحجُب القلب.
لكن، هل تعلمون؟ يأتي وقتٌ نسأل فيه : هل يوجد أحد يريد هذه الحرّيّة؟
نقضي عمرنا ننتظر لقاء من نحب، نعيش على الأمل، نحصي الأيام والساعات، حتى تأتي تلك اللحظة النادرة التي يلتقي فيها القلب بمن كان يحلم به طويلا. وحين كنا أسرى الشوق والانتظار، جاء من فك قيودنا التي طالما كبّلتنا، ويمنحنا ما نسمّيه «الحرّيّة». لكن يا للعجب! تتحوّل تلك الحرّيّة نفسها إلى قيدٍ جديد، قيد يحول بيننا وبين من نحب، فتغدو الحرّيّة سجنا، والسجن الذي كنا فيه أحنّ وأدفأ. وهنا، كما قال الأديب بشير المليباري، يتردّد السؤال في أعماقنا: لمن تُراد هذه الحريّة إذا؟
هنا، لسنا عبيدا لحبيبة أو عاشقة، مهما تغنّى الناسُ بالحبّ الخالد والعشقِ الأبديّ، فإذا لم تنل الحبيبةُ أو الحبيبُ ما يريدانه في حينه، تتبدّل المشاعر وتنقلب الأحوال. حين تذبل تلك الحبيبةُ التي كانت يومًا زهرةَ الورد والياسمين، وحين تظهر في وجهها تجاعيدُ السنين، وتغدو ملامحها مرآةً لعمرٍ مضى، عندها فقط يُدرك المرءُ مدى هشاشة ما سمّوه "سحر الحبّ" وقوّةَ انجذابه الزائل.
كم رأى الزمانُ من هذه القصص العابرة! ولهذا أقسم القرآنُ بالزمان نفسه حين تحدّث عن مصير الخاسرين في قوله:( والعصر إن الإنسان لفي خسر).
ولسنا أيضا عبيدا لسيد أو صاحب عمل. فالسيد بحاجة إلينا قبل أن نحتاج إليه. لو توقفنا عن العمل لانقطعت موارده، ولما وجد محصول يجنَى أو سلعة تباع.إن ربحه قائم على جهودنا،
فإذا احتج العمال جماعة، ارتجف السيد وانهار عرشه المصنوع من عرقهم وصبرهم.
أما نحن، فننتمي إلى ربّ لا يحتاج إلينا، ومع ذلك يدعونا إليه برحمة لا حدّ لها. كل ما نملك فهو ملكه، وكل ما نطلب فهو نعمته، لا من سواه. هو الغنيّ عن العالمين، لا يفتقر إلى زمانٍ ولا مكان، لا يحدّه مكان، ولا تقيّده جهة، لا والدَ له ولا ولد، لا صاحبةَ له ولا شريك، لا ينام ولا يضعف، لا يزول ولا يُبيد، هو الأوّل بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء.
وحين نتأمل في حياتنا نرى أن كلّ ما جرى ويجري من ولادتنا إلى هذه اللحظة إنما هو بفضل رحمته. لو سُحب منا شيءٌ من لطفه لهلكنا. يكفينا أن نخدش إصبعا لنشعر بضعفنا، أو نفقد بعض السمع أو البصر أو الحركة لندرك قيمة العافية التي نغفل عنها.
انظر إلى القلب الذي لا يتوقّف لحظةً منذ أن بدأ نبضه، لا يمكن إطفاؤه كما تُطفأ آلةٌ لإصلاحها، لأنه إن توقّف لحظةً فحياتنا تنتهي. هذا القلب يضخّ الدم بلا انقطاع إلى كلّ أنحاء الجسد كما تضخّ الحياة في الكون. ومع ذلك فعمل القلب وحده لا يكفي؛ إذ يحتاج إلى هواءٍ نقيٍّ يمدّه بالأكسجين، فلو فُقد الهواء أو اختنقنا بدخانٍ خانق لهلكنا. هكذا نحن في كل لحظةٍ متعلّقون بالله، متوكّلون عليه، مرتبطون به في كلّ أنفاسنا. فماذا نقول بعد ذلك إلا: نحن عبيدك يا الله! وهل في الدنيا احتفال أعظم من أن نعلن جميعًا: إيّاك نعبد... نحن عبيدك وحدك!
ثم نحتاج إلى اسمٍ يعبّر عن هذه العبودية الكاملة، اسمٍ لا يشاركنا فيه أحد، لا يُستعمل في الحبّ ولا الرحمة ولا الاحترام، لأنها صفاتٌ يشترك فيها البشر. أما الاسم الذي لا يصلح إلا لله وحده، فهو العبادة، العبادة لله وحده، أي الخضوع الكامل له.
دعني أسألك سؤالا في منتصف الحديث: ما هي العبادة حقّا؟
إنها مسألة تحتاج إلى فهم دقيق وتأمّل عميق. يقول الله تعالى في موضعٍ من القرآن الكريم:﴿وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلا ليعبدون﴾ أي إن الله تعالى لم يخلق الإنس والجن لشيءٍ آخر سوى أداء العبادة له وحده.
فما معنى هذا إذن؟ هل المقصود أن الإنسان لا يجوز له أن يقوم بعملٍ واحدٍ في حياته إلا أن يكون عبادة؟ إذن، أليس المشي، والجلوس، واللعب، والاستحمام، والزراعة، والتجارة، والنوم، والدراسة، وأداء الامتحانات عبادة؟ والجواب: نعم، هي في الحقيقة عبادات.
لأن العبادة في معناها الواسع ليست مجرد صلواتٍ أو طقوسٍ محددة في أوقاتٍ معينة، بل هي حالة دائمة يعيشها المؤمن حين يؤدي كل أعماله بنية صادقة، وتوجه خالص إلى الله تعالى. فكلّ فعل يصدر عن الإنسان بروح الطاعة، والإخلاص، والتسليم لله، يُعدّ عبادة، ولو كان من شؤون الحياة اليومية. فليست هي كما يظن بعض الناس انعزالًا عن الحياة أو تركًا للمسؤوليات.
مثلا, رجل أُصيبت أمه بالمرض وارتفعت حرارتها، وأطفاله يبكون من الجوع، وزوجته تتألم في قلبها حزنًا وضيقًا، وجاره توفِّي فجأة، فبقيت زوجته الأرملة وأيتامه في حالٍ من العوز والضياع. في خضمِّ هذه المآسي، ترك هذا الرجل كلّ هذه المعاناة الماثلة أمامه، وذهب إلى أحد الجبال أو الأودية ليجلس هناك يُردّد الأذكار والتسبيحات! فهل يُسمَّى هذا عبادة؟ كلا! ليست هذه عبادة. بل تقصيرٌ في حقّ الله وخلقه.
لأن العبادة الحقيقية هي ما عبّر عنه المؤمن بقوله "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين". أي إن كلّ حركة دقيقة في حياة المؤمن هي عبادة، إذا كانت نابعة من روح الإخلاص والنية الصادقة. لكن لا بدّ من القوّة القلبية وصدق التوجّه لله.
فمن صلّى في منتصف الليل بلا إخلاص كامل، أو شارك قلبَه مع غير الله، فليست صلاته عبادة. بينما من نام في بيته في منتصف الليل وقلبه مملوءٌ بالرضا والخضوع واليقين بالله، فإن نومه ذاته عبادة.
انتبه... إن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو أشرف الخلق وسيد المخلوقات. فما من مخلوق في هذا الكون أنقى منه طهرا، ولا أسمى منه مقاما، ولا أرفع منه منزلة. وقد خصَّه الله تعالى بأعلى الألقاب وأشرفها، وهو "العبد" كما قال تعالى : (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام)
فالعبودية لله ليست ذلة، بل هي ذروة الكرامة، وغاية الكمال الإنساني. فهي التي تفيضُ حرّيّةً، وتُورِثُ القلبَ حياةً، وتُسكِنُ الروحَ طمأنينةً. عبوديّةٌ لله وحده، هي أسمى أشكالِ الحُبّ، وأصدقُ معاني الوجود.
اللهم اجعلنا من عبادك الصادقين، واقبلنا ضمن صفوف أولئك الذين بلغوا كمال الطاعة والخضوع لك،
يا رب، واجعلنا من الذين يفخرون بشرف العبودية لك وحدك، إنك أنت الغفور الرحيم.




