كان رجل يمشي في طريقه، فرأى طفلا صغيرا يجلس على الرصيف يلمّع الأحذية بيدين صغيرتين أنهكهما التعب. اقترب منه الرجل، وجلس قليلا حتى بدأ الطفل يلمّع له حذاءه.
وأثناء ذلك، أخذ الرجل يحدّق في وجه الصغير، فإذا بعينيه تلمعان ببراءة تخفي وراءها حزنا عميقا. شعر الرجل بغصّة في حلقه، وتدفّق إلى قلبه سيلٌ من المشاعر المؤلمة، إذ تذكّر ابنه الصغير وأطفال قريته الذين يذهبون كلّ صباحٍ إلى مدارسهم، يضحكون ويلعبون دون همّ ولا جوع.
أما هذا الطفل المسكين، فبدل أن يحمل حقيبته المدرسية، يحمل صندوق تلميع الأحذية، يسعى خلف لقمة تحفظ له ولأهله بقايا حياة. تخيّل الرجلُ قلبَه الصغير، وفيه بركان من الحزن والحرمان.
فسأله برفق: "كيف حالك يا بني؟"
فرفع الطفل رأسه، وابتسم في وجهه، وقال بهدوء عجيب: الحمد لله!
اندهش الرجل!
كان من غير المسلمين، بل ممن يحملون تصورا سلبيا عن الإسلام وأتباعه. غير أن تلك الكلمة البسيطة "الحمد لله" هزّت أعماقه وفتحت له باب التأمل والبحث. وقال في نفسه:- كيف استطاع هذا الطفل الفقير، وسط هذه الشدائد، أن يقول "الحمد لله" بكل هذا الرضا؟
بدأ يسأل ويبحث، حتى ساقه البحث إلى نور الإسلام.
ولمن يشكّ في مثل هذه القصص، فليستمع إلى شهادة البريطاني إدريس توفيق (Idris Tawfiq) في حديثه المشهور:
My Journey to Islam
ونحن هنا سنتحدث عن معنى "الحمد لله" الذي يتردّد على ألسنة المصلين خمس مرات يوميا في سورة الفاتحة، حين يقولون:
"الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ". أي إن كل أنواع الحمد والثناء والتمجيد لله وحده، لأنه هو وحده المستحق لذلك.
فالحمد لا يكون إلا لمن يستحقه حقا، لأن حمد الإنسان دليل على أن في داخله صفات تستحق الثناء. فحين يكون الممدوح أهلا للمدح، ويثني عليه الناس عن صدقٍ واعترافٍ بفضله، يسمّى ذلك في العربية "الحمد". فهو ثناء صادق صادر عن قلبٍ يعرف الفضل ويعترف به. إنه إعلان بأن الخير كله من الله، وأن النعم منه وحده، وأنه أهل لكل تمجيد واعتراف.
أما "المدح" فهو مجرّد تمجيد أو إطراء، وقد يكون خاليا من الصدق. فالشخص الفاشل في الامتحان أو المنافسة، أو من لا يظهر تميزا في أي مجال، لا يمدحه أحد. وكذلك الفتى الذي يعصي والديه، ويهرب من المدرسة أو الكلية، ويتزعّم أعمال اللهو والعبث في الحيّ، لا أحد يراه جديرا بالثناء. اللص، والقاتل، والقاسي، والمعتدي، كلّهم بعيدون عن كل مدح أو حمد صادق. وهذه حقيقة يدركها الجميع، فهي من أبسط ما يعرف في ميزان الأخلاق.
ومع ذلك، فهناك من يمدحون غيرهم نفاقا أو طمعا في مكاسب دنيوية، خصوصا الحكام والساسة وأصحاب النفوذ. فيطرونهم في المجالس، ويبالغون في تمجيدهم حتى يدخلوا في قلوبهم الغرور والعجب بالنفس. ومثل هذا المدح المزيّف لا بركة فيه، بل هو خطيئة في حق المادح والممدوح كليهما.
وأحيانا، يُمدح الإنسان لا حبا فيه ولا اعترافا بفضله، بل اتقاء لشرّه! فإذا كان المرء ظالمًا أو بطّاشًا، تجد الناس يتودّدون إليه بالكلمات المعسولة كي يَسلموا من أذاه. وهذا من علامات الفساد في المجتمعات، كما قال النبي ﷺ: "إذا أُكرم الفاجر مخافة شره، فانتظر الساعة."
أما أولئك الذين يعيشون حياتهم باتزان واعتدال، فلا يلتفت إليهم الناس كثيرًا بالمديح، لأنهم لا يثيرون ضجيجًا ولا يطلبون الأضواء. وإن سُئل عنهم أحد، قال: "هو هكذا، يمضي في حاله."
كأنَّ المديح في زمننا لا يُمنَح إلا لمن يُبالغ أو يتطرّف أو يُثير ضوضاء، أما أهل التوازن والحكمة فيمرّون بصمتٍ دون تصفيقٍ ولا تمجيد.
وفي الوقت نفسه، فإنّ الممدوح يكون قد بلغ مرتبةً رفيعة، وأثبت تميّزا بارزا في مجاله الذي يعمل فيه، أو أظهر في تعامله وأخلاقه سموًّا رفيعًا ومكانةً عالية، ولذلك يُثني عليه الناس ويُمدح. وليس من الضروري أن يكون الممدوح قد أفاد الآخرين بعمل أو علمٍ أو إحسانٍ حتى يُمدَح؛ فقد يُمدح المرء لجمال مظهره، أو لصحته الجيّدة، أو لصوته العذب كصوت البلبل، أو لامتلاكه سيارة فاخرة جميلة. فكل هذا يُسمَّى "مدحا" ، لا حمدا، لأن الحمد لا يقال إلا في حق من يستحق الثناء على إحسان أو فضيلة أو نفع حقيقيّ.
وهنا يظهر مفهوم آخر يوازي "الحمد" في المعنى، وهو الشكر؛أي التعبير عن الامتنان. فالشكر لا يكون إلا لمن قدم لك نفعا أو إحسانا مباشرا. تأمّل مثلا: مسكين يقف جائعا أمام مطعم، فيدخل رجل أنيق، بلحية مهذبة أو حليق الوجه، يأكل حتى الشبع ثم يخرج راضيا مسرورا، فهل سيقول له المسكين: “شكرا”؟ لا، لأنه ليس هناك ما يدعو إلى الشكر. وكذلك ذلك الرجل الأنيق حين يسير في طريقه فيتوقف بجانبه سيارة “بوغاتي” الفارهة، لن يقول لها “شكرا يا بوغاتي!”، لأنه لم ينل منها نفعا.
أما "الحمد" فهو لا يكون إلا لمن يستحق الثناء ويدان له بالفضل، إذ هو شكر مقرون بالتقدير والاعتراف بالعظمة. وإذا تحدّثنا عن الأحقّ بالحمد على الإطلاق، فإنَّه لا يكون إلا لله تعالى وحده، لأنَّه وحده مصدرُ كلّ خير وفضل في هذا الوجود.
وفي الصلاة نقول:الحمد لله ربِّ العالمين، أي إنّ جميع أنواع الثناء لا تليق إلا بالله، وعلّة ذلك ما يأتي في الجملة التالية: "رب العالمين"، فهو ربّ كلِّ العوالم، خالقها ومدبّرها ومغيثها.
وإذا تأمّل الإنسان موقعه في هذا الكون الفسيح، أدرك ضآلته؛ فهو مجرّد نقطة في بحر الوجود. ومع ذلك، فإنَّ الله تعالى يرزق المخلوقات العظيمة الهائلة ؛ فكم تحتاج الحيتان الضخمة إلى الطعام في وجبة واحدة؟ وكم من أنواع الحيتان والقرش والسلمون والسردين والروبيان! كم عددها؟ ومن يُطعمها؟
إنه الله وحده، الذي يُطعِم كلَّ حيٍّ في البرِّ والبحر، ويكفي كلَّ محتاجٍ بلا عددٍ ولا حساب.
يعرف القائمون على حدائق الحيوان جيدا كم من الحيوانات يجب أن تُذبح يوميّا لتقديم اللحم للأسود والدببة والنمور والذئاب والفهود. فإذا كانت هذه الحيوانات القليلة داخل حديقة تحتاج إلى كل ذلك، فكيف بما لا يحصى من الوحوش الكاسرة التي تجوب الغابات منذ سنين وقرونٍ وعصور؟! أليس الله تعالى هو الذي يرزقها جميعا طعامها الطازج في كل لحظة؟
وحين يُذكَر الرزق، يخطر في بالنا عادة الحيوان، لكن ماذا عن النبات؟ كم في الأرض من ملايين الأنواع من الأشجار والأعشاب والنباتات الصغيرة؟ وكم من البلايين من الكائنات الدقيقة التي لا نراها؟ بل كم من الحشرات والزواحف الصغيرة: النمل، والبعوض، والفراش، والعقارب، والثعابين، والوزغ... كلها موجودة هنا، ولكلٍّ رزقه الذي يقدّره الله ويهيّئه له.
إنَّ ذلك الربَّ الذي يعلم كلَّ شيء عن هذه المخلوقات، ويرزقها ويُغذّيها ويعتني بها، هو ربّي أيضا. فهل يعجز عن تدبير شؤوني الصغيرة وحلّ مشكلاتي اليسيرة؟
حين ينطق المؤمن بقولِه "الحمد لله" وهو واع لمعناها، يمتلئ قلبُه طمأنينة وسكينة، وتذوب همومه كما يذوب البخار في الهواء، ويغمر قلبَه مطرٌ رقيقٌ من المعرفة الممزوجة بالامتنان لله تعالى.
إنَّ كلمة «الربّ» في معناها العميق تعني: الذي يتولّى الشيءَ منذ بدايته فيُنشئه ويربّيه ويرعاه خطوة خطوة حتى يبلغ كماله اللائق به. فالله تعالى هو الذي ربّانا في كلّ مرحلة من وجودنا؛ ربّانا جسديّا في توازنٍ دقيقٍ وتناغمٍ عجيب. فلو نمت يدٌ على غير نظام، أو طال الساق بلا تناسق، أو خرجت الأسنان بغير انتظام، أو انحرف الأنف عن موضعه، لصرنا مشوَّهين لا يَصلُح مظهرُنا حتى لعروض السيرك! لكنّ الله تعالى ربّ العالمين جعل فينا هذا التناسق البديع، فأبدع خلقنا في أحسن صورة، كما قال تعالى: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم».
وكما ينمو الجسد، ينبغي أن تنمو النفس والعقل والعاطفة أيضا. فكلُّ مرحلة من العمر لها نضجها الطبيعي واهتماماتها المناسبة.
الطفل يجب أن يفرح بالألعاب، لكن من المعيب أن ترى رجلا شائبًا، مدير مدرسة متقاعدا، يطلب من أمّه: "اشتري لي بالونا!"، أو امرأة راشدة متزوّجة تشتكي لأمّها: "زوجي لا يضمّ يدي حين ننام!"! هذا خلل في النمو النفسي والعاطفي. فالنضج لا يكون في الجسد فقط، بل في المشاعر والعقل والسلوك أيضا.
والله تعالى هو الربّ الذي يُنمي كلَّ ذلك فينا بالقدر واللطف والحكمة، يربّينا في الجسد، وفي الفكر، وفي العاطفة، وفي الروح.
وكما نحتاج إلى النموّ الداخلي، فلابدّ من النموّ في محيطنا أيضا: في أعمالنا، وأرزاقنا، ومشروعاتنا. لا يصحّ أن يقف المرء عند نقطة البداية؛ بل ينبغي أن تتزايد المبيعات، وأن تتّسع المشاريع، وأن يزداد الدخل، وأن تتحسّن الوظائف والترقيات. حتى ما نزرعه في الأرض من يام وطرطوف ومانجو يجب أن ينمو. والأهمّ من ذلك: أن ينمو أبناؤنا نموّا سليما في الأخلاق والعلم والإيمان. فما فائدة المال والنجاح إن فسد الأبناء؟
وهكذا، فكلّ شيءٍ في حياتنا محتاجٌ إلى تربيةٍ ونماءٍ مستمرٍّ. والذي يقوم بكلّ ذلك بغير أن نشعر هو ربّنا سبحانه.
فحين يقف المؤمن في صلاته، وقد صفّى ذهنه من كلّ شاغل، وتوجّه بقلبه إلى الله، وقال بصدقٍ ووعي : «الحمدُ للهِ ربِّ العالمين»، يُدرك عندها أن كل ذرة من وجوده وكل لحظة من حياته هي أثر من آثار تربية هذا الربّ الكريم، فيفيض قلبه حمدا وامتنانا وسلاما.




