"لم أرك منذ زمن يا صديقي الكاتب، أين كنت مختفياً؟"
"ابتعدت قليلاً، شهرين أو أكثر."
"لِمَ؟"
"كنت قد بدأت عملا منذ سنوات طويلة، لكن الانشغالات الكثيرة ـ البيت، الأهل، العمل، الزوجة، الأبناء ـ حالت دون إتمامه. فقررت أن شيئا ما لا بد أن يُترك. ذهبت إلى نيلغيري واستأجرت غرفة، وكنت أظن أن الأمر سيستغرق شهرين، لكنه تم في نصف المدة."
فقال له صديقه: هكذا هي الأمور دائما، عندما نقرر أن ننجز عملا ما، تنهال علينا الملهيات من كل صوب وأوب، ولا يكتمل العمل إلا إذا أوقفنا كل ما سواه. فالهدف إن لم نحمه من المشتتات التي تحوم حوله، فسوف تهاجمه وتلوثه، مثل البئر التي لم تُبن حولها جدران، سرعان ما تمتلئ بالأوراق والطين حتى تصير مستنقعة.
هكذا من يقف للصلاة إنما يُنتزع قلبه مؤقتا من خضم الحياة وضوضائها. غير أن قلبه، بطبيعته، يميل إلى التشتت في شتى الاتجاهات، كما أن اسمه نفسه ـ قلب ـ يدل على التقلب. هو كقطعة قماش خفيفة تتقاذفها الرياح. وفي الوقت نفسه، هناك جند من الشياطين ينتظرون الفرص ليتسللوا ويفسدوا كل عمل صالح. يكفي ظل شيطان واحد ليفسد مكانا، فكيف بجماعة من الشياطين المدربين الذين يأتون لإشعال النار في القلب وتحويلها إلى رماد.
وحين يقف العبد للصلاة، تتزاحم في داخله كل همومه: حسابات لم تغلق، مشاكل لم تحل، أفكار جديدة، خطط ومشاريع... وكلها تتدفق كالسيل وتحاول أن تجره بعيدا عن المركز الذي يقف فيه بين يدي ربه. فعليه أن يغلق هذه الأبواب بقوةإرادته، وأن يتخذ درعا روحيا يحفظه، هو "الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم".
فالاستعاذة ليست مقدمة للصلاة فقط، بل هي حصن ينبغي أن يُبنى قبل كل عمل صالح في الحياة. من أحسن الاستعاذة قبل الصلاة، يصبح قلبه كالبئر المحاطة بجدار متين: صافية مياهها، شفافة كبلّور، يرى أعماقها بوضوح. وما أروع أن يكون القلب كذلك! عندها لا يكون فيه إلا فكرة واحدة، ذكر الله، الله، الله.
ثم تأتي البسملة. وهي إعلان البداية باسم الله. واسم الله يحمل في ذاته جلالا وهيبة، وقد انكسر السيف في يد العدو حين سمع هذا الاسم. في البسملة تختزن كل البركات، فبعد أن أبعدنا الشر بالاستعاذة، نجلب الخير بالبسملة. فكما أن تنظيف الحقل من الحشائش لا يكفي لنجاح الزرع، بل يحتاج إلى البذر والسقيّ والرعاية، كذلك البسملة هي غرس شجرة البركة في قلب المصلّي. فبينما تهيئ الاستعاذة الأرض، تبث البسملة البذور.
وهي لا تقتصر على الصلاة، بل هي مطلوبة في كل عمل صالح: في الزراعة، والتجارة، وبناء البيت، والطعام والشراب، وحتى في المطالعة. فكل ما يبدأ بالبسملة ينمو ويزدهر ويُبارك فيه. والبسملة في الصلاة هي إعلان تفرغ القلب من كل ما سوا الله، وتوثيق للعهد بين العبد وربه، وبها تتعمّق التقوى، وتترسخ الخشوع، وتثمر الإخلاص.
ومن هنا يتبيَّن أن الصلاة لا تؤدّي ثمارها الحقيقية إلا إذا أداها المصلّي بوعي كامل لمعانيها ومقاصدها. فالصلاة الحية هي التي يتذوّق فيها القلب معاني الألفاظ، ويفهم العقل ما يردده اللسان، فينعكس ذلك على الروح صفاءً وخشوعًا. وأسمى لحظاتها تلك التي يتلو فيها العبدُ كلامَ ربّه، ولا سيّما سورة الفاتحة، التي تُتلى في كل ركعةٍ من الصلوات، إذ هي لبّ القرآن وجامعة لمعانيه الكبرى.
سورة الفاتحة تجسّد أدب الحوار الراقي بين العبد وربه. كما يحدث في أي مجلس محترم: يتحدث أحدهما، ثم يصغي للآخر. وهكذا الفاتحة؛ نصفها ثناء على الله، ونصفها الآخر دعاء من العبد.
الله يقدّم نفسه لعبده في الفاتحة بأسمائه وصفاته. يقول: «الرحمن الرحيم». فهو الرحمن، الذي ينشر رحمته بلا حساب، دون تمييز في الدين أو العرق أو اللون، يعطي المؤمن والكافر، الشاكر والجحود، جميعهم يقتاتون من عطائه. بل قد يبتلى العابد المحب بالمحن، في حين يعطى العاصي المكابر ملكا وسلطانا.
إنّ إدراك العبد أنه يقف أمام الرحمن الذي يعطي الجميع، يزيد ثقته بربّه. فهو ليس إلها بخيلا يمسك العطاء، بل رب كريم يفيض النعم. وعندما يدرك المؤمن أنّ كل ما يحتاج إليه سيناله من ربّه، ينشرح صدره ويزول عنه القلق.
والرحمن يدلّ على إحسان الله في هذه الحياة الدنيا، أما الرحيم فيدلّ على جزائه في الآخرة. فالله يمنح الدنيا للجميع، لكنه يخصّ الآخرة بالمؤمنين الصادقين. من هنا، يفهم المؤمن أنّ نظام الله شاملٌ للعدالة الدنيوية والأخروية معا.
الرحمن يربط العبد بدنيا عامرة بالأمل والعمل. فالحياة الدنيا ليست تافهة في ميزان الله، بل هي ساحة للعبادة والإعمار. للمؤمن دور فيها ومسؤولية، وهي ميدان للتمتع بما أحل الله. فالقراءة مثلا أول أمر جاء بالبسملة. وللمؤمن أن يستمتع بما أباحه الله من مأكل ومشرب ومسكن وعمل وزوجة وولد، دون أن ينسى أن لكل ذلك ضوابط.
أما الرحيم، فهو الذي يجري الحساب الدقيق في الآخرة، فيثيب من أطاعه، ويعاقب من عصاه. فليس في عطائه غفلة، بل عدل دقيق لا يظلم أحدا. وبهذين الاسمين يرى المؤمن العالمين معا: عالم الدنيا الذي يبث فيه الأمل، وعالم الآخرة الذي يزرع فيه الوعي والمحاسبة.
فالمصلّي الذي يتلو «الرحمن الرحيم» يستشعر معاني العدل والمسؤولية؛ فإن كان قد ظَلم أو تحايل أو غشّ، يدفعه ذكر "الرحيم" إلى التوبة وردّ المظالم. والذي تهرّب من عمله أو خدع أحدًا، حين يتلو "الرحيم" يعود ليُصلح خطأه. والذي تجاهل فقيرا متوسلا إليه، يقوم بعد صلاته يبحث عنه ليعينه.
تلك هي الصلاة الحقيقية؛ من الخارج تبدو ركوعا وسجودا، لكنها في الداخل حركة روح عميقة، فيها تجري أحداث عظيمة لا يراها إلا من يدخلها.
قال تعالى:- إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.




