قلت بحزمٍ وحِدّة: لا حاجة إليه، وكفى هذا!
لقد تجاوزنا نصف الساعة ونحن ننتظر هنا بلا جدوى.
فقال صاحبي، وقد بلغ به الغيظ مبلغه: ألا ترى أنه آن الأوان أن نمسك به من تلابيبه، ونصفعه صفعاتٍ متتالية، ثم نركله بكل قوتنا على خاصرته ونغادر المكان مسرعين؟!
جرت هذه المحادثة بيني وبين صاحبي عندما توجّهنا إلى منزل أحد وجهاء البلدة لجمع التبرعات، بهدف بناء مأوى لعائلة رجل توفّي في حادثٍ أثناء عمله بالخليج؛ ترك وراءه أربعةَ أطفالٍ صغارًا وقطعةَ أرضٍ ضئيلةَ المساحة لا تتجاوز ستَّ سنتاتٍ.
دخلنا المنزل. فقيل لنا إن صاحب البيت في الحمّام. وهل يعقل أن يبقى إنسان في الحمّام كل هذا الوقت؟ أهو مكان مقدس إلى هذا الحد؟!
خرج بعد قليل، وعلى وجهه كآبة واضحة، وابتسامة مصطنعة تشبه ابتسامة المومياوات المصرية التي غُمرت بمحلول الزنجبيل الحامض. لم يبدُ عليه أي ترحيب، حتى إنه لم يسألنا إن كنا نريد شربة ماء. كان الموقف كله مفعمًا بالنفور.
ثم بدأ يتحدث بكلامٍ جارح، عن أنّ جمع التبرعات صار وسيلة للكسب، وأن المؤسسات الخيرية تكاثرت لا خدمةً للناس بل طمعًا في المال، وأن القائمين عليها لا همّ لهم سوى الحصاد!
تحدث إلينا وكأننا متهمون. ثم راح يلوك بألسن الناس سيرة ابنته التي تدرس في كندا، ويروي عن شيكٍ خُدع فيه، وعن مرضٍ ألزمه الفراش، وعن خياناتٍ وأسرارٍ لا داعي لذكرها.
ولم يكتفِ بذلك، بل مضى يقول: إن جمع التبرعات صار تجارةً، وإن معظم العاملين فيه يأخذون عمولة ضخمة! عندها، انفجر غضب صديقي، وقال غاضبًا: لِنُطفئ المصابيح ولنعلمه درسًا قاسيًا لا ينساه أبدا !
كيف لا يغضب وهو يسمع مثل هذا الكلام ؟ أهذا كلام عاقل؟ لو لم أتمالك نفسه لوقع ما لا تُحمد عقباه ! أقصدنا جمع المال ونمتلئ ثراء؟ حاشا وكلا ! ألم نأتِ هنا على أمل أن ينجو هؤلاء الأطفال بأي وسيلةٍ كانت؟ أليس من أجل ذلك تحدّينا ضيق الوقت وجئنا إلى هنا؟
اترك هذا الموقف جانبًا الآن، وتخيّل أننا دخلنا على ربّ العالمين كما دخلنا إلى هذا البيت. كيف سيكون استقبال الله لنا حين نقف بين يديه؟
إن سورة الفاتحة تُقدّم لنا صورة مذهلة عن عظمة هذا اللقاء. لا نسمع منه أي تردد أو ضيق حين نقف بين يديه؛ بل يعرّف نفسه أولًا بأنه «الرحمن الرحيم»، الذي يعطي دون تفرقةٍ ولا تمييز، لا بين ذكرٍ وأنثى، ولا بين غنيٍّ وفقير، ولا بين قريبٍ وبعيد.
يقول لنا بلسان الحال: أنا المعطي بلا حساب ولا حدود، أنفق على عبادي جميعًا، من أرضكم ومن سائر بقاع الأرض، لا ينقص من ملكي شيء، فكلّ ما عندكم من فيضي وكرمي.
إن سورة الفاتحة أشبه ما تكون بمقدمةِ مؤلفٍ جليل، يعرّف فيها الكاتب بنفسه قبل أن يدخل في صلب الموضوع.
والله تعالى، حين وصف نفسه أولًا بالرحمة، أراد أن يُشعر عبده بالأمان، ليقبل عليه بطمأنينةٍ لا بخوفٍ ولا رهبة. ثم أعاد الوصف مرةً أخرى "الرحمن الرحيم" ليؤكد لنا أنه ما زال يعطي، وأن عطاياه لا تنقطع، وأن يده لا تُقبض أبدا.
ولكن انتبه، العطاء الإلهي ليس عشوائيّا. ذلك الكريم الذي يعطي بلا حدود، هو نفسه الذي يحاسب بدقةٍ متناهية. فلا تظن أن هذا العطاء بلا حساب! لأنه ليس غافلًا ولا مهملًا. كل شيء عنده بمقدار. فلا أحد يقصد أنه يستطيع أن يخدعه بأوراق مزورة أو أختام مزيّفة أو أسماء كاذبة. فكل تبرع، وكل صدقة، وكل مؤسسة، وكل لجنة، وكل حساب، كل ذلك مسجل عنده بدقة تفوق التصور.
يوم القيامة، يوم لا سلطان فيه، لا وساطة ولا جاه، ولا منصب ولا سياسي إلا الله. يقول القرآن الكريم: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ»(غافر: 16).
في ذلك اليوم، ستقف بين يديه، خاشعا ذليلا، تضع جبهتك على الأرض وتدرك أنك لا تملك من أمرك شيئا. حينها فقط تفهم معنى قوله تعالى: مالك يوم الدين.
فإن لله تعالى جلالا وجمالا؛ جلال في هيبته وسلطانه، وجمال في رحمته وإحسانه. وقد أرسل نبيه صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا يجمع بين البشارة والنذارة، بين الحب والخوف، بين الأمل والرهبة. فلا حياة للإنسان إلا بهذا التوازن.
لكن العالم اليوم قد أفسد هذا التوازن؛ فمنهم من جعل التعليم مجرد لهو ولعب باسم “الودّ والصداقة مع الطفل”، فضاعت الهيبة، وخرجت أجيال لا تعرف للأستاذ قدرا ولا للكلمة وزنا. وفي المقابل، كان هناك زمن صار فيه المعلم كالعسكري، يخيف الطلاب بعلمه لا بحكمته. كلا الطرفين مرفوض. الخير في الموازنة بين اللين والحزم، بين الجمال والجلال، وهو التوسط كما قال : خير الأمور أوسطها.
حين يقرأ المصلّي قوله تعالى: مالك يوم الدين، ينتقل قلبه فجأةً من الدنيا إلى الآخرة. يتذكّر لحظة موته، وغسله، وتكفينه، ودفنه في التراب. هذا الإدراك يطهّر النفس من الكِبر والعُجب، ويغسلها من غبار الغفلة.
والإيمان بأن يوم الحساب آتٍ لا محالة يجعل الإنسان أكثر صدقا وأمانة. يعيش مراقبا نفسه، مدققا في أعماله، كأنه يجري مراجعة روحية دائمة لحياته. فالمؤمن الذي يقف بين يدي ربّه في الصلاة غنيّا كان أو فقيرا، رئيسا كان أو مرؤوسا، يتطهّرُ قلبه بهذه الوقفة من جديد. أمّا أبطال الفساد في هذه الدنيا، فيعيشون في قلق دائم، يخشون انكشاف سرقاتهم، ويتساءلون في رعب: متى تُفضح خيانتنا؟ ومتى يطرق بابَنا جهازُ التحقيق؟ وأيّ ساعة ستُعرض فيها فضائحُنا على الشاشات ونحن نحاول إخفاء وجوهنا؟
وانظر إلى أولئك الذين يحيطون أنفسهم بالحراس والمواكب
من قادة عسكريين، ورجال سياسة، ومديرين، ورؤساء وزراء، وملوك حين يقفون في صف الصلاة ويقولون: «مالك يوم الدين»، يدركون أن هناك ملكًا آخر أعظم منهم جميعا. إنهم ينطقون بكلمة الملك، فيتذكرون أن ملكهم محدود، وأن فوقهم ملكا لا يدانى في عظمته ولا في سلطانه.
ذلك هو المعنى الذي رفضه فرعون، حين أنكر أن يكون فوقه ملك أو إله، وقال متكبرا: «أنا ربكم الأعلى». لكن الرؤساء الذين تسكن في قلوبهم نزعة ألوهية، حين يقفون في الصلاة وينطقون بعبارة «مالك يوم الدين»، تتحطم في داخلهم صخور الغرور، وتنبت مكانها براعم الخشوع والتسليم.
" هل لهذا العالم فناء حقًا؟" فلا يزال بعض الناس يشكون فيه.
لكن الحقيقة أن كل ما في السماء من شموس وكواكب ونجوم
يسير بقدر، وسينتهي بقدر أيضا. سيأتي يوم تخبو فيه الشمس،
وتنكدر النجوم، وتتفكك المجرات، وتزلزل الأرض زلزالها،
فتقذف ما في جوفها، ويفر الناس هائمين لا يدرون أين المفر.
في ذلك اليوم، تعرض الأعمال كلها: الخير يجزى، والشر يدان.
وسيعلم الذين ارتكبوا الجرائم والمظالم والنهب والقتل
وظنوا أنهم نجوا بدهائهم، أن هناك يوما قادما لا مهرب منه،
يوما تكشف فيه الأسرار، وتسوى الحسابات، ويقال فيه لكل نفس ما قدمت وأخرت.
أتدرك الآن كيف تحدث وتؤثر سورة الفاتحة في قلب المصلّي
زلزالا روحيا عظيما؟ وكيف تحميه الصلاة من الانحراف والزلل،
وترده دائما إلى طريق الصدق والنقاء؟
فسورة الفاتحة ليست مجرد كلمات تُتلى في الصلاة، بل هي ثورة داخلية توقظ القلب، وتردّه إلى صراط الاستقامة. هي التي تمنع الإنسان من الانحراف، وتثبته على الجادة، وتذكّره بأن فوق كل سلطان سلطانا أعظم، هو الله مالك يوم الدين.




