في السنة العاشرة من الهجرة انتشر خبرٌ سارّ في المدينة وما حولها: النبي ﷺ سيخرج للحج هذا العام، ومن شاء فليرافقه. انتشرت البشارة انتشار النار في الهشيم، وبدأ الناس يستعدّون دون إضاعة لحظة واحدة. نساءٌ ورجال، أطفال وشيوخ، حتى الحوامل منهنّ، الجميع تهيّأ للخروج مع رسول الله ﷺ. لم يكن أحدٌ مُجبَرًا أو محتاجًا إلى تشجيع خاص؛ فقد امتلأت القلوب برغبة واحدة لا ثاني لها، وذلك أداء الحج مع النبي ﷺ.
كانت الرحلة من المدينة إلى مكة تستغرق عشرة أيام، لكنّ أحدًا لم يرَ فيها مشقّة أو عناء؛ لأن السفر مع الحبيب ﷺ نعمة لا تعادلها نعمة، وفرحة تفوق متعة الحياة نفسها. فقد كان مجرّد السير معه سعادة، ومجرد رؤيته راحةً للقلب والروح.
رافق النبيَّ ﷺ من المدينة مائةٌ وثلاثون ألفًا من الصحابة الكرام. ولم يقتصر الأمر عليهم؛ فالكثيرون انضمّوا إلى الركب في الطريق. كان أهل كل بلدة، ما إن يبلغهم خبر خروج النبي ﷺ، حتى ينتظروا على طريق مكة–المدينة ليلتحقوا به. وهكذا مضى الجميع في موكبٍ إيماني مهيب نحو مكة المكرمة.
نزل النبي في ذي الطوى بالقرب من مكة وبات فيها ليلة الرابع من ذي الحجة. وبعد أن صلّى الفجر بالمسلمين واغتسل دخل مكة نهارًا، وتوجه إلى الكعبة الشريفة وقبَّل الحجر الأسود. ثم طاف بالكعبة سبع أشواط، وبعد ذلك توجّه إلى مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام، وقرأ قول الله تعالى :وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى..
بعد زيارة مقام إبراهيم توجّه إلى الصفا، وقرأ قول الله تعالى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّـهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّـهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ). بعد ذلك طلع على جبل الصفا ، ثم توجه إلى المروة .
ظل النبي صلى الله عليه وسلم بمكة أربعة أيام، في اليوم الثامن من ذي الحجة، توجّه إلى منى. وصلّى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. بعد ذلك توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عرفات. امتلأت عرفة بالبشَر، وبدت كالأرض وقد اكتست ثياب النور.
ولما زالت الشمس، ركب النبي ﷺ ناقته القصواء، وتوجّه إلى بطن وادي عُرنة، ثم صعد على جبل الرحمة، وألقى على الناس خطبته الخالدة، التي جمعت ثلاثة وعشرين عامًا من الوحي والجهاد والتربية، فصارت أوّلَ إعلان لحقوق الإنسان في التاريخ .
كانت خطبة الوداع هي نفسها خطبة عرفة، ففي مكة بدأ النبي صلى الله عليه وسلم رسالته المباركة، وفي ربوعها الطاهرة قضى جلّ سني حياته الشريفة. ومن هنا كان لزامًا أن يودّع أمّته من الموضع ذاته الذي شهد انطلاق الدعوة، وبين ذلك الجمع المبارك من المؤمنين. وفي عرفة نزل الإعلان الإلهي بإكمال الدين وإتمام النعمة، فكانت عرفة بحق نافذة العالم، يجتمع فيها الناس من كل فجّ عميق، في مشهد مهيب يتكرر كلّ عام، يذكّر البشرية كلها برسالة الإسلام الخالدة.
وقف النبي محمد ﷺ، أعظم من حمل قلبًا رحيمًا بالإنسانية، فوق راحلته ليعلن للعالم حقوق البشر كافة. وكانت الجموع الغفيرة، التي جاوزت مائة ألف، تشهد ذلك الموقف العظيم. وكان ربيعة بن أميّة يردّد بصوت جهوريّ كلمات النبي ﷺ ليبلغها إلى الناس جميعًا.
وهكذا انطلقت من هناك خطبته في عرفة، خطبة الوداع… إعلان حقوق الإنسان… وإعلان اكتمال الدين وتمّام نعمة الإسلام. فكانت تلك اللحظات بداية رسالة خالدة تهدي العالم إلى العدل والرحمة. وإليك تلك الخطبة:
أيها الناس، اسمعوا مني أبيِّن لكم، فإني لا أدري لعلِّي لا ألقاكم بعد عامي هذا، في مَوقفي هذا.
أيها الناس، إن دماءكم، وأموالَكم، حرامٌ عليكم إلى أن تَلقَوْا ربَّكم، كحرمةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغتُ، اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة، فليؤدِّها إلى من ائتمنه عليها. إنّ ربا الجاهلية موضوع، وإنّ أول ربًا أبدأ به ربا عمّي العباس بن عبدالمطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث، وإن مآثر الجاهلية موضوعة، غيرَ السِّدانة والسقاية، والعَمْد قَوَدٌ ، وشِبْهُ العَمد ما قُتِلَ بالعصا والحَجَر، وفيه مائة بعير، فمن زاد، فهو من أهل الجاهلية.
أيها الناس، إنَّ الشيطان قد يئسَ أن يُعبدَ في أرضكم، ولكنّه قد رضي أن يُطاعَ فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم.
أيها الناس، إن النسيء زيادةٌ في الكفر، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإنّ عدةَ الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعةٌ حُرم: ثَلاثٌ متواليات، وواحدٌ فرد، ألا هل بلَّغت، اللهم فاشهد.
أيها الناس، إنّ لنسائكم عليكم حقًّا، ولكم عليهنّ حقٌّ؛ ألا يُوطِئنَ فُرُشَكم غيرَكم، ولا يُدخِلنَ أحدًا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتِينَ بفاحشةٍ، فإذا فعلنَ ذلك، فإنَّ الله أذِنَ لكم أن تَهجروهُنَّ في المضاجع، وتَضربوهُنَّ ضربًا غير مُبَرِّحٍ، فإن انتهينَ وأطعنكم، فعليكم رزقهُنَّ وكِسوتهُنَّ بالمعروف، وإنّما النساء عوان عندكم ، ولا يَملكنَ لأنفسهِنَّ شيئًا، أخذتموهُنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجَهنَّ بكلمة الله، فاتّقوا الله في النساء واستوصوا بهنَّ خيرًا، ألا هل بلغتُ، اللهم فاشهد.
أيها الناس، إنما المؤمنون إخوة، ولا يَحلُّ لامرئٍ مالُ أخيه إلا عن طيب نفسٍ منه، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد، فلا ترجعوا بعدي كفَّارًا يَضرب بعضُكم رقابَ بعض، فإني قد تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده؛ كتاب الله.
أيها الناس، إن ربَّكم واحدٌ، وإن أباكم واحد، كلكم لآدمَ، وآدمُ من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عَجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.
أيها الناس، إنَّ الله قد قسم لكلِّ وارثٍ نصيبَه من الميراث، ولا تَجوز لوارثٍ وصيَّةٌ، ولا تَجوز وصيَّة في أكثر من الثُّلثِ، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، من ادَّعى لغير أبيه، أو تَولَّى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يَقبلُ الله منه صرفًا ولا عدلاً. ألا هل بلغتُ، اللهم فاشهد. فليبلغ الشاهد الغائب.
بعد أن تحدّث القرآن الكريم والنبي ﷺ عن الحقوق الإنسانية، اضطرّ العالم للانتظار أكثر من ألف وخمسمئة عام ليَسمع أيَّ إعلان آخر لحقوق الإنسان. وفي النهاية لم تكن تلك الإعلانات سوى تكرارٍ لما سبق أن أعلنه النبي ﷺ منذ قرون.
لكنّ المؤسف حقًّا أنّ المجتمعات غير الإسلامية لم تكن مستعدّة لتقبّل هذه الحقوق طوال قرون طويلة. وما شهدَه العالم خلال اثني عشر قرنًا من صور الظلم المختلفة، ضد العبيد، وضد أصحاب البشرة السمراء، وضد النساء، وضد أصحاب المهن المتواضعة، وضد الأقليات الدينية، لَهُوَ دليلٌ واضح. لقد صان الإسلام حقوق هؤلاء جميعًا، ورفع من شأنهم، وجعلهم جزءًا كريمًا من البناء الاجتماعي. أمّا المجتمعات الأخرى فلم تنشأ فيها مثل هذه المبادئ إلا بعد أن خرج المظلومون في مظاهرات طويلة واحتجاجات مريرة. وهكذا ظهرت حركات تحريم العبودية، ثم موجات النسوية وغيرها.
من هنا تتجلّى عظمة الإسلام وقدوة النبي ﷺ؛ ففي الوقت الذي كان فيه معظم أهل الأرض يجهلون معنى الحقّ أصلًا، كان الإسلام ، قبل أربعة عشر قرنًا ، يعلّم البشرية أنّ لكلّ إنسان عشرات الحقوق التي لا يجوز المساس بها. وقد قدّم النبي محمد ﷺ النموذج العملي لهذه الحقوق في حياته كلها.
ولم تكن حقوق الإسلام حبرًا على ورق، بل نُفّذت تنفيذًا كاملًا في المجتمع الإسلامي الأول، فاستمتع بها كل فرد، وشعر كل إنسان بقيمته وكرامته. وقد جاء النبي ﷺ لحماية هذه الحقوق وترسيخها، وكانت من أهم أهداف الرسالة. ومن أجلها جاهد في مكة والمدينة، حتى جاء الإعلان الأخير، إعلان النصر، في خطبة عرفة.
لقد جمع النبي ﷺ هناك مئات الآلاف من الناس، من شعوب مختلفة، وقبائل شتّى، وألوان متعددة، في مشهد إنساني فريد، يلبسون لباسًا واحدًا، ويرفعون ذكر الله بصوت واحد، ليُلقي عليهم أعظم خطبة عرفها التاريخ؛ خطبة الوداع.
تؤكّد الموسوعات الغربية، وعلى رأسها Encyclopaedia Britannica، أنّ مصطلح حقوق الإنسان لم يحظَ بالاهتمام العالمي إلا بعد الحرب العالمية الثانية. والمؤلم حقًّا أنّ كثيرًا من هؤلاء لم يرَ أو تجاهل، أن النبي ﷺ والقرآن الكريم تحدّثا عن الحقوق الإنسانية في مئات المواضع قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا. وهذا وحده يكشف أنّ الإسلام سبق العالم الحديث بأكثر من ألف وخمسمئة عام في إرساء مفهوم الحقوق. لقد قدّم الإسلام تعليمات واسعة حول الحُقوق، وكانت خطبة عرفة إعلانًا جديدًا لهذه المبادئ أمام العالم أجمع.
أمّا العالم الحديث فلم يبدأ حديثه عن الحقوق إلا بعد صراعات دامية وثورات حمراء؛ والثورة الفرنسية مثال صارخ على ذلك. وما هتف به الثوّار هناك من شعارات، كانت الأمة الإسلامية تعرفه قبل اثني عشر قرنًا من قيام ثورتهم. بل إن أشهر كلمات روسو: » الإنسان يولد حرًّا، لكنّه في كلّ مكان مُكبّل بالأغلال». سبقها الفاروق عمر رضي الله عنه حين خاطب الناس معلنًا: »متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟»، وهو قول تشهد به كتب التاريخ.
والحقيقة أن كثيرًا ممّا تباهى به العالم لاحقًا من مصطلحات ومبادئ إنما هو مقتبسٌ، بوعي أو بغير وعي، من الحضارة الإسلامية. فالنبي ﷺ هو أول من علّم البشرية أن للإنسان حقوقًا ثابتة، وأنّ كرامته مصونة عند الله. بينما كان العالم خارج الإسلام يعيش تحت هيمنة طبقاتٍ متسلطة تمتلك كلّ الحقوق، وتستعبد من دونها، وتستعمل رجال الدين أداةً لتثبيت سلطانها؛ جاء الإسلام فهدم تلك الأصنام الفكرية، وساوى بين الناس، وجعل الحقّ قيمةً مطلقة لا يحتكرها أحد.
أمّا الديانات الأخرى في العالم، فلم يكن لديها ما تقدّمه في شأن الحقوق الإنسانية؛ فكتبها وقادتها كانوا يجهلون هذه المبادئ تمامًا. ولذلك لمّا خلتْ حياتهم من مفهوم الحقوق، تفجّرت الثورات في الغرب منذ القرن السادس عشر، وظهرت ما يُسمّى بثورات النهضة؛ لأنها في الحقيقة كانت أوّل محاولة عندهم للتعرّف إلى معنى النهضة والحقوق، بعد قرون طويلة من الجهل بهما. بينما كان النبي ﷺ يحدّث الإنسانية عن الحقوق دون أن يكون ذلك ثمرة ثورات أو دماء أو صراعات، بل كان يمنح هذه الحقوق لكل إنسان عبر جهادٍ عمليّ وتضحيات عظيمة، حتى يستردّ كل فرد كرامته التي وهبها الله له.
وأمّا الماغنا كارتا، الوثيقة التي يتباهى بها العالم اليوم، فقد وُلدت حين خرج الناس إلى الشوارع احتجاجًا على ظلم الملك. وهي أوّل وثيقة لحقوق الإنسان في أوروبّا. لكن الحقيقة أنّ هذه الوثيقة التي ظهرت عام 1215 لم تكن وثيقةً إنسانية خالصة؛ بل كما يقول الباحث الغربي الشهير هنري مارش: لم تكن الماغنا كارتا سوى ميثاق صُمّم لخدمة الإقطاعيين ومالكي الأراضي.( Henry Marsh, Documents of Liberty, MW Books, England, 1971, p.51 )
وهكذا يتبيّن أنّ ما اعتُبر إنجازًا تاريخيًا في الغرب، لم يكن إلا خطوة متأخرة جدًّا، وبواعثها لم تكن إنسانية بقدر ما كانت صراعًا بين الإقطاع والملك. أمّا الإسلام فقد سبق هذا كله بقرون، ورفع الإنسان إلى مقام الكرامة دون ثورة ولا ضغط، بل بوحيٍ من ربّ العالمين.
بعد الماغنا كارتا التي خذلت السواد الأعظم من الفقراء والضعفاء، لم يحدث أي تقدّم يُذكر في مجال الحقوق لقرونٍ طويلة. ولم يبدأ الوعي بفكرة الحقوق في الظهور إلا تدريجيًا خلال عصر النهضة. وقد أكّدت الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية هذا المعنى مرارًا( Sills, David L., International Encyclopedia of Social Sciences, MacMillan, New York, 1972, Vol. 5, p. 540)، كما كرّرته الموسوعة البريطانية قائلة من عصر النهضة وحتى القرن السابع عشر تغيّرت معتقدات المجتمعات وممارساتها إلى الدرجة التي أصبح فيها مفهوم حقوق الإنسان قادرًا على الترسّخ كحاجة اجتماعية وواقعٍ معاش ( The New Encyclopedia Britannica, Chicago, 15th ed., 2005, Vol. 6, p. 137 )
لكن الإسلام سبق كل هذا بأربعة عشر قرنًا، عندما جعل الحقوق الإنسانية محورًا رئيسًا في رسالته، وركنًا أصيلًا في نظامه. فقد جاء الإسلام ليُحرّر الإنسان، ويجعله عبدًا لله وحده، لا يخشى إلا ربّه، ولا يخضع لبشرٍ يُذلّه أو يستعبده.
ومن هنا نشأ علم جليل في الحضارة الإسلامية هو مقاصد الشريعة، الذي يقرّر أن كلّ تشريع في الإسلام إنّما وُضع لصيانة الضرورات الست: النفس، والعقل، والنسل، والدين، والمال، والكرامة. وهذه الضروريات المعروفة اصطلاحًا بـ الكليات الست، لا يجوز أن تمسّها أي عبادة أو قاعدة أو نظام داخل الإسلام. فدين الله لا يمكن أن يشرّع ما يهدم حياة الإنسان أو كرامته.
ولذلك كان النبي ﷺ والقرآن الكريم منذ البداية في صفّ الإنسان وحقوقه. بل إن النبي ﷺ لم ينسَ في خطبته الأخيرة - خطبة الوداع - أن يؤكّد على هذه الحقوق، ويشدّد عليها أمام عشرات الآلاف من أمّته، ليظلّ صوته شاهدًا إلى يوم القيامة بأن الإسلام جاء لحماية الإنسان، لا لاستغلاله
في النظام السياسي الإسلامي لم تُمنَح الحقوق لأنّ الناس خرجوا إلى الشوارع وطالبوا بها، بل لأنّ الخالق سبحانه وتعالى هو الذي منحها لهم ابتداءً. وقد أرسل الله الأنبياء ليُعلِنوا أن للناس حقوقًا ثابتة، وليُقيموا هذه الحقوق بينهم على أرض الواقع.
ويؤكّد القرآن هذا المبدأ بوضوح قاطع حين يقول: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ([الإسراء: 70]. فهذا التكريم الإلهي هو أصل الحقوق، وهو عطاء من الله ومن هذا الدين ومن رسله للبشر جميعًا، وليس منّةً من أحد، ولا فضلًا من حاكم، ولا نتيجة صراعٍ أو احتجاج. إنّها حقوق لا تُنتزع انتزاعًا ولا يخشى أهلها من ضياعها.
وبحسب الإسلام فإن الناس جميعًا متساوون في هذه الحقوق، وكلّ إنسانٍ مكرَّمٌ وله مكانته، لأنها هبةٌ من الله سبحانه. ولذلك لا يملك أحدٌ في الدنيا أن يعبث بها أو ينتقص منها، فهي حقٌّ ثابتٌ بحكم الخالق، لا بحكم البشر.
"يُعَدّ الإعلان الذي أصدرته الأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948، والمعروف باسم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR)، أكبر إعلان لحقوق الإنسان في نظر الكثيرين. غير أنّ من يطالع هذا الإعلان بعمق يكتشف بسهولة أنّ كل ما ورد فيه قد سبق النبي ﷺ فبيّنه ووضّحه للناس قبل أربعة عشر قرنًا. ولذلك فإنّ من قرأ سيرة النبي ﷺ وتعاليمه لا يرى في هذا الإعلان أيّ جديد، بل مجرد تكرار لما جاء به الإسلام منذ عهد النبوّة.
ومع ذلك، فإن الأمم المتحدة لم تقدّم هذه المبادئ بصفتها تشريعات مُلزمة التنفيذ، بل باعتبارها جملة أفكار ومشاريع تنظيرية، لأنها لا تملك آليات التنفيذ ولا سلطة التطبيق في أيّ مكان من العالم. صحيح أن دولًا كثيرة تحاول أن تلتزم بها، لكنّ النظام الدولي يفتقر إلى الجهاز القوي القادر على فرض هذه الحقوق كما فعل الإسلام.
أما الإسلام فقد قدّم هذه الحقوق بوصفها جزءًا أصيلًا من رسالته، وركنًا أساسيًا من الدين نفسه. فقد عرّف النبي محمد ﷺ أمّته بهذه الحقوق، وجعل الالتزام بها واجبًا لكل مسلم، ثم طبّقها عمليًا في دولته، فالتزم بها الناس جميعًا وتحوّلت إلى واقعٍ معاش.
