تولّى عمرُ رضي الله عنه الخلافة، فعاد إلى بيته وهو يختنق بالبكاء، تفيض عيناه حرقةً ومسؤولية. لقيته زوجه على تلك الحال، فقالت في دهشة: ما لك تبكي؟ هل أصابك مكروه؟ فقال وهو يغالب دموعه:
لقد وُلِّيتُ أمرَ أمةِ محمد ﷺ. تفكّرتُ في الفقير والمحروم، والجائع والمريض، والضائع والمكلوم، ومن لا يجد لباسًا يستر عورته، والمسافر المنقطع، والمظلوم والمضطهد، والغريب والأسير، والشيخ الكبير، والمرأة الأرملة…! أفلن يسألني الله عن كلّ واحدٍ منهم؟ وهذا هو الذي أبكى عمر عند تولّيه الحكم.
أمّا عمر بن عبد العزيز، فقد جاءه خبر البيعة بغتةً. إنّه ولىّ الخلافة بعد عمَّه، فلمّا مات واجتمع الناس في المسجد يوم الجمعة، رأوا أنّ خيرَ مَن يلي أمرهم هو عمر بن عبد العزيز. فلمّا بلغَه الخبر انفجر باكيًا، واضطرب جسدُه من شدّة ما نزل به، حتى إنّه لم يستطع الوقوفَ من هول المسؤولية. فقام العلماء وقادة الأمة آنذاك وسندوه حتّى أوصلوه إلى المنبر، وألزموه بالخلافة إلزامًا، رغم بكائه وتوسّله إليهم أن يعفوه من هذا الحمل الثقيل. فألقى خطبته الأولى وهو يغالب الدموع، يطلب من الناس أن يرفعوا عنه هذا الأمر، فلا يجيبونه، فقد رأوا فيه الرجل الأكفأ والأتقى.
فالتاريخ الإسلامي حافل بقصص الصالحين الذين هربوا من المناصب كما يفرّ الناس من النّار؛ علماء بكوا حين فُتح لهم باب الولاية، وآخرون فرّوا من بلادهم حين قُدّموا لمناصب عليا، ومنهم من أُودِع في السجن لأنه رفض تحمّلَ مسؤولية لا يراها لنفسه.
وهذه الوقائع تقول أنّ السلطة في ميزان الإسلام ليست متعة تُطلب، ولا منصبًا يُسعى إليه، ولا وجاهة يتزاحم الناس عليها؛ بل هي عبء ثقيل ومسؤولية رهيبة. وقد أكّد النبيّ ﷺ هذه الحقيقة في أحاديث كثيرة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ألا كُلُّكُم راعٍ، وكُلُّكُم مسؤولٌ عن رعيَّتِه؛ فالإمام راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيَّته، والرجل راعٍ في أهلِ بيته وهو مسؤولٌ عن رعيتِه… ألا فكلّكم راعٍ، وكلّكم مسؤولٌ عن رعيته.[البخاري ].
يقرّر هذا الحديث أنّ السلطة ليست مجرد مسؤولية، بل مساءلة دقيقة ومحاسبة شاملة، لا بين يدي الخلق فحسب، بل بين يدي الخالق جلّ وعلا أيضا. وهذه الحقيقة هي التي أبكت العظماءَ وأرهبت قلوبَ الصالحين حين تُطرح بين أيديهم أمانة الحكم.
لقد أصبح واضحًا الآن أنّ الخلافة في الإسلام ليست كما هي عليه الممارسة السياسية الحديثة. فالإسلام يقرّر بجلاء أنّ من طلب الإمارة مُنع منها، ومن رغب فيها لا يُوَلَّى عليها؛ وقد جاء النّهي عن سؤالها والتطلع إليها صريحًا قاطعًا. حتّى إنّ الإمام مسلمًا رحمه الله أفرد في صحيحه بابًا بعنوان: باب النهي عن سؤال الإمارة والحرص عليها. و قد أورد فيه أحاديث كثيرة، منها قول النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: يا عبدَ الرحمن، لا تسألِ الإمارة؛ فإنّك إن أُعطِيتَها عن مسألة وُكِلتَ إليها، وإن أُعطِيتَها عن غيرِ مسألةٍ أُعِنتَ عليها. وقال ﷺ:إنا، والله! لا نُوَلِّي هذا العمل أحدًا سأله، ولا أحدًا حرص عليه. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال النبي ﷺ محذرًا ومبينًا: يا أبا ذرّ! إنّك ضعيف، وإنّها أمانة، وإنّها يوم القيامة خزيٌ وندامةٌ، إلّا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها.
يُبيّن الإمام النوويّ رحمه الله في شرح هذه الأحاديث أصول الإسلام في باب الإمارة قائلا: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي اجْتِنَابِ الْوِلَايَاتِ لَا سِيَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ عَنِ الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ تِلْكَ الْوِلَايَةِ. وَأَمَّا الْخِزْيُ والندامة فهو في حَقُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهَا أَوْ كَانَ أَهْلًا وَلَمْ يَعْدِلْ فِيهَا، فَيُخْزِيهِ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَفْضَحُهُ وَيَنْدَمُ عَلَى مَا فَرَّطَ. وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ وَعَدَلَ فِيهَا فَلَهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ كَحَدِيثِ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ وَالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ هُنَا عَقِبَ هَذَا أَنَّ الْمُقْسِطِينَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهِ وَمَعَ هَذَا فَلِكَثْرَةِ الْخَطَرِ فِيهَا حَذَّرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا وَكَذَا حَذَّرَ الْعُلَمَاءُ وَامْتَنَعَ مِنْهَا خَلَائِقُ مِنَ السَّلَفِ وَصَبَرُوا عَلَى الْأَذَى حِينَ امْتَنَعُوا.
ويصف الإمام النووي هنا مَلمحًا عامًّا من ملامح تاريخ الأمة، ولا سيما طبقة العلماء فيها؛ إذ لم يكن هَمُّ أحدهم أن يمدّ يده إلى السلطة أو يتكالب عليها، بل كان حرصُهم منصبًّا على الهروب منها خشية المسؤولية الثقيلة ومقام السؤال بين يدي الله عز وجل. وتفيض كتب التاريخ بالأمثلة التي تروي لنا كيف كان الأكابر يفرّون من المناصب فرارهم من قدر محتوم، ويُساقون إليها سوقًا وهم كارهون.
لم تعرف الأمة في عصورها الرشيدة عادةَ تولية السائلين ولا التشجيع على طلب المنصب. لأنهم كانوا يؤمنون يقينًا بأن المسؤولية لا يُعين عليها إلا الله، وأنّ عون الله لا يُمنح لطالب الولاية ولا للراغب فيها. وقد صرّح الإمام النووي بذلك قائلًا: فيه كَرَاهَةُ سُؤَالِ الْوِلَايَةِ سَوَاءٌ وِلَايَةُ الْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ وَالْحِسْبَةِ وَغَيْرِهَا، وَبَيَانُ أَنَّ مَنْ سَأَلَ الْوِلَايَةَ لَا يَكُونُ مَعَهُ إِعَانَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تَكُونُ فيه كفاية لذلك العمل، فينبغي أن لا يُوَلَّى وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نُوَلِّي عَمَلَنَا مَنْ طَلَبَهُ أَوْ حَرَصَ عَلَيْهِ. وقال العسقلاني في فتح الباري: والحرص على الولاية غالبًا يكون لأغراض النفس، ومن كان كذلك لم يُوَفَّق، ومن لم يكن له من الله عونٌ على عمله تَوَرَّطَ فيما دخل فيه وخَسِرَ دنياه وأُخْراه.
ولهذا كان سلف الأمة يعدّون الخلافة وسائر الولايات قُربةً وعبادة إذا أُعطيت بحقها، لأنّها في حقيقتها رعايةٌ لشؤون الخلق، وخدمةٌ للناس، وإقامةٌ للعدل الذي يحبّه الله.
ومع أنّ الإسلام شدّد في التحذير من طلب الولاية، فقد أخبر النبي ﷺ ، بنور النبوّة ، أنّ زمانًا سيأتي يتكالب فيه الناس على السلطة، ويجعلونها غاية يسعون إليها. روى الإمام البخاريّ رحمه الله أن النبي ﷺ قال:
إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَإِنَّهَا سَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ. فَنِعْمَتِ المُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ. وفي شرح هذا الحديث، أورد الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله حديثين آخرين يؤكدان هذا المعنى: أَوَّلُ الْخِلَافَةِ مَلاَمَةٌ، وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ، وَآخِرُهَا عَذَابٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( رواه الطبراني ) وحديثًا آخر: أَوَّلُ الْإِمَارَةِ إِعْتَابٌ، ثُمَّ نَدَامَةٌ، ثُمَّ عَذَابٌ شَدِيدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ( رواه البزار).
ومن مجموع هذه النصوص يتبيّن لنا أنّ الخلافة ليست منصِبًا يُتنافس عليه، بل مسؤولية عظيمة لا ينهض بها إلّا مَن أعانه الله. وقد وضع الإسلام لها ضوابط واضحة، ولم يجعلها على شاكلة الأنظمة السياسية الحديثة التي تقوم على التسويق الشخصيّ، والشهرة، والدعاية، وطلب الأصوات، وسائر ما يجري في عالم السياسة المعاصر. وليست الخلافة شيئًا يُطلب أو يُسعى إليه؛ بل الأصل أن يفرّ منه أهله، كما فرّ منه كثير من العلماء والزهاد، حتى سُجن بعضهم أو لاقى الأذى لرفضه موقعًا لا يقدر على حمل تبعاته.
أمّا العصر الحديث، فقد عرف السلطة بوصفها مغنمًا ووسيلة للجاه والنفوذ، فرأينا لأجلها التنافس المحموم، والخصومات، والانقسامات، والدماء، والصراعات التي لا تنتهي. ورأينا كذلك كيف يتسابق الناس إلى الترشيح للمناصب، ويحتفلون بها، ويُظهرون السرور عند تقلّدها؛ وكل ذلك على الضدّ من هدي الإسلام.
ولذلك فإنّ مَن يزعم اليوم أنّه يريد الخلافة لنفسه، أو يعلن ذاتَه خليفةً على الناس، إنّما يدلّ على جهل فاحش بحقيقة الخلافة الشرعية، وبشروطها الشديدة، ومسؤولياتها الخطيرة. وما نراه من سفك الدماء وإهلاك الحرث والنسل باسم الخلافة ليس إلا بغيًا صريحًا وجهلًا بالدين.
