كانت مدينة النبي ﷺ تستقبل شتّى أصناف التجّار؛ يهودً ونصارى وعبّاد نار، وغيرهم من أصحاب العقائد المختلفة. فصارت المدينة واحةُ حرّيةٍ دينية، يعيش الناس فيها آمنين على معتقداتهم.
وفي إحدى المرّات، قدم إلى المدينة رجلٌ نصرانيّ من بلاد الشام، يحمل في يده مقدارًا من الزيت؛ يظهر للناس أنّه بائع زيت، لكن البيع لم يكن غايته الأساسية، بل كان عملًا جانبيًا فحسب. أمّا هدفه الحقيقيّ فكان الدعوة إلى النصرانية، ومحاولة جذب بعض أهل المدينة إلى الشام وتجنيدهم هناك. فبدأ دعوته خفيةً بين الناس، ولم تمضِ إلا أيام قليلة حتى استطاع أن يستميل ابنين لصحابيّ من الأنصار يكنى أبا الحصين، فتنصّرا وخرجا إلى الشام معه.
بلغ الخبرُ أبا الحصين، ففاض قلبه غمًّا، ولم يطق كتمانَ حزنه. ولم يرَ أمامه إلا أن يحمل المسألة إلى رسول الله ﷺ، رجاء أن يأذن له بإكراههما إلى الإسلام، ظنا منه أنهما ابناه ولا ينكرذلك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم . كما طلب من النبي ﷺ أن يمنعَ ذلك النصرانيّ من متابعة دعوته. لكنّ النبي ﷺ لم يقبل طلبه ، بل بيّن له وللناس أصلًا من أصول الدين، ومبدأً عظيمًا قام عليه التشريع الإسلامي، وهو قول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ ( البقرة: 256). وقد ذكر المفسرون أنّ هذه الآية نزلت في سياق هذه الحادثة نفسها.
لا إكراه في الدين ، هذا تصريح واضح لم تعرفه شريعة غير الإسلام . فالإيمان لا ينعقد بالضغط والقسر، بل ينبعث من القلب وحده. ويُعيد القرآن هذا المبدأ في مواضع شتّى: ﴿قُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ( الكهف: 29) وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 99).
كان رسول الله ﷺ قائدًا لدعوة صادقة، يتلقّى الوحي من ربّه، ويبلّغ الناس رسالاته بلا ملل. وكان يحبّ أن يهتدي الناس جميعًا، وأن تجتمع القلوب على كلمة التوحيد. لكن القرآن مع ذلك يكشف شدّة حزنه ﷺ لإعراض المشركين، حتى قال تعالى في صدر سورة الكهف: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ﴾ أي لعلّك تهلك نفسك همًّا وحزنًا من أجلهم! ثم جاء البيان في سورة الشعراء:
﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾. فالله قادرٌ أن يجعلهم كلّهم مؤمنين قسرًا، لكن هذا ليس الغاية. الدين دعوة، وليس قهرًا. والحجة والبيان طريق الإيمان، لا السيف ولا الإكراه.
ومع ذلك، يأمر الإسلامُ بالدعوة إلى الحق، وتبليغ الرسالة، وإيصال النور إلى جميع القلوب، لكن من غير قسرٍ ولا إضرار. لذلك قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ ( الأنعام: 107) وقال في موضع أخر: ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ﴾ ( ق : 45) وقال أيضا: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ. لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ ( الغاشية 21-22)
ولأجل ذلك، لا يمكن في مجتمع مسلمٍ أن يُجبر أحد على الإسلام، ولا أن يُكره على نطق الشهادتين. لأن الإسلام لا يعترف بإيمانٍ لا يُسكن القلب، مهما كثُرت الأعمال الظاهرة. فالمرء قد يصلّي ويصوم ويقرأ القرآن، لكنّه ما دام قلبه فارغًا من الإيمان فهو ليس بمؤمن عند الله. وهؤلاء سمّاهم القرآن بالمنافقين، وجعل لهم أسوأ الدرجات من النار في الآخرة، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾. ( النساء: 145) والنبي ﷺ كان ينهى أشدّ النهي عن فتح باب النفاق بالإكراه والقسر.
وتشهد سيرة النبي ﷺ بمواقف كثيرة تؤكد حرّية الاعتقاد من غير إجبار ولا إكراه ، منها معاهدته لنصارى نجران. ففي آخر بنود العهد قال: ولنجران وحاشيتهم جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم، وملتهم، وأرضهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وبيعهم، وصلواتهم لا يغيروا أسقفًا عن أسقفيته، ولا راهبًا عن رهبانيته، ولا واقفًا عن وقفانيته، وكل ما تحت أيديهم من قليل، أو كثير ، ولا يُكره أحد منهم على دينه، ولا تطأ أرضهم خيلٌ للمسلمين. ثم جاء الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه فجدّد هذا العهد لهم بالنص نفسه تقريبًا ، وكان هكذا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا مَا كَتَبَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَهْلِ نَجْرَانَ، أَجَارَهُمْ بِجِوَارِ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَرْضِيهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَحَاشِيَتِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ وَغَائِبِهِمْ وَشَاهِدِهِمْ وَأَسَاقِفَتِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ وَبِيَعِهِمْ وَكُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ لَا يخسرون وَلَا يعسرون, لَا يُغير أسيقف مِنْ أُسْقُفُيَّتِهِ وَلا رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيَّتِهِ وَفَاءً لَهُمْ بِكُلِّ مَا كَتَبَ لَهُمْ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ جِوَارُ اللَّهِ وَذمَّة النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبدا وَعَلَيْهِم النُّصْحُ وَالإِصْلاحُ فِيمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ. ( كتاب الخراج).
إنَّ التجسيد العملي من الرسول في تطبيق هذا المبدإ، هو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكره أحدًا من الأسرى الذين وقعوا في يده على الدخول في الإسلام. فالتاريخ يشهد بأنَّ أكثر من ستة آلاف شخص أُطلق النبي صلى الله عليه وسلم سراحهم وتركوا لحرّية اختيارهم دون أي إكراه، حتى المستشرق المنصف السير توماس آرنولد كتب في كتابه الشهير الدعوة إلى الإسلام : كان محمد قد عقد معاهدات مع عدد من القبائل العربية المسيحية، منحهم فيها الحماية وحرية ممارسة دينهم. وقد تمتعت المجتمعات غير المسلمة في الغالب بحكمٍ ذاتي كامل؛ إذ وكِلت إليها إدارة شؤونها الداخلية. كما كان لرجال دينهم سلطةُ اتخاذ القرارات في المسائل الدينية، ووُفِّرَت الحماية لكنائسهم وأديرتهم دون أن تُمسّ بسوء.
أما الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد سار على النهج نفسه. ففي وثيقته الشهيرة لأهل إيلياء (القدس) قال: سم اللَّه الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود. ( تاريخ الطبري)
وكان عمر شديد الورع في هذا الصدد، حتى كان سببًا في امتناعه عن الصلاة داخل الكنيسة حين حضرته الصلاة، وقال للبطريرك لما طلب لعمر أن يصلّي داخل الكنيسة: أخشى إن صليتُ فيها أن يغلبكم المسلمون عليها، ويقولون هنا صلى أمير المؤمنين. حتى أن عمرُ رضي الله عنه حاول استرداد عبده النصراني « إسْتاق» إلى الإسلام بدعوته بالحسنى، فلما لم يجب، قال عمر له: لا إكراه في الدين، وتركه وشأنه.
