وماذا نصنع اليوم في ظل غياب الخلافة؟ هذا سؤال يطرحه بعض الناس فيتوهّمون أنّ غياب الخلافة يعني ضياع الدين أو سقوط التكليف، ويظنّ آخرون أنّ على المسلمين السعي لإقامتها فورًا بأيّ وسيلة. وهؤلاء جميعًا بحاجة إلى قراءة منصفة هادئة تضع الأمور في نصابها.
لقد ظهر في عصرنا من يزعم أنّ إقامة الخلافة واجب على كلّ فرد من أفراد الأمّة، وأنّ من لم يعمل لذلك فهو آثم! وهذه الدعوى لم يقل بها أحد من علماء الإسلام عبر تاريخه الطويل، بل هي الذريعة الكبرى التي تستغلّها الحركات المتطرّفة لتبرير سفك الدماء وقتل المسلمين وإشعال الحروب في ديارهم. فكان شعار "إقامة الخلافة" دومًا السلاح الذي طعنت به هذه الجماعات جسد الأمّة، فمزّقته وأهلكت الحرث والنسل.
ويذهب هؤلاء إلى أنّ القتال من أجل الخلافة جهادٌ يجب على كل مسلم! وهذا كلام باطل لا أصل له في الشريعة؛ بل مخالفٌ تمامًا لروح الإسلام الذي جعل الخلافة نظامًا لتحقيق الوحدة ورفع الفتنة، لا لإشعال الفوضى وإهلاك المجتمعات.
لم يقل أحد من أهل العلم، أنّ على كلّ مسلم أن يخرج للقتال أو الثورة من أجل الخلافة، أو أنّ ترك ذلك إثمٌ يَحْمِله الفرد في عنقه. بل إنّ دعوة الأفراد وبعض الجماعات التي نراها اليوم أدّت إلى الصدام وإراقة الدماء، وهو عكس مقصد الخلافة تمامًا التي شرعها الإسلام لإقامة العدل، وردع الظلم، وحفظ جماعة المسلمين.
ولهذا جاء كلام الإمام أبي الحسن الماورديّ واضحًا في كتابه الأحكام السلطانية والولايات الدينية، إذ قال: (فصل) فإذا ثبت وجوب الإمامة ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم، فإذا قام بها من هو من أهلها سقط ففرضها على الكفاية. وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان : أحدهما أهل الاختيار حتى يختاروا إماما للأمة ، والثاني أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم.
وهكذا يتبيّن بجلاء أنّ واجب الخلافة ليس تكليفًا فرديًا على عامّة المسلمين، ولا يجوز لواحد منهم أن يتذرع بهذا الأمر ليثير القتال والنزاع. فالإسلام لم يكلّف الأمة ما فيه تمزيقها، ولا أوجب على الأفراد ما يفضي إلى الفتنة والفساد.
لم يفرض الإسلام في أيّ حال من الأحوال، ولا تحت أيّ ظرفٍ من الظروف، إقامةَ دولةٍ أو خلافةٍ بأيّ ثمن. فالمبدأ الذي قرّره الإسلام، وأجمع عليه العلماء عبر القرون، هو أنّ الخلافة مطلوبةٌ ما دامت إقامتها ممكنة، وأنّ الوجوب متعلّقٌ بالقدرة والاستطاعة، لا بمجرد الرغبة أو الشعار.
وقد اتّفق كبار العلماء من السلف والخلف على أنّ النصوص التي تحدّثت عن وجوب نصب الإمام محمولةٌ كلّها على حالة الإمكان، لا على الإلزام المطلق. فإن تعذّر وجود الشروط، أو غابت القدرة، أو لم يُوجَد في الأمة من تتوفّر فيه المؤهلات، فلا إثم على المسلمين ولا مؤاخذة؛ إذ لا يكلّف الله نفسًا إلا وُسعها.
يقول إمام الحرمين الجويني: في غياث الأمم: فَنَصْبُ الْإِمَامِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَاجِبٌ. ويقرّر الإمام التفتازاني الحكمَ نفسه في كتابه شرح المقاصد، بقوله: إنّ الإمامة إنما تجب عند الإمكان. ويؤكّد هذا المعنى أيضا الإمام ابن حجر الهيتمي في كتابه: الصواعق المحرقة ، وهو عين ما ذهب إليه سائر الأئمة المحقّقين.
بل نصّ العلماء على أنّ غياب الخلافة بسبب العجز أو غياب الكفء لا يحمِّل الأمة وزرًا ولا يُدخلها في دائرة التقصير. يقول الإمام الخَيالي على شرح العقائد النسفية مفاده: تُؤاخذ الأمة بترك الإمامة إلّا إذا كان تركها مع القدرة عليها، أما إذا لم تُوجد القدرة، أو تأكّد أن الترك هو المتعيّن، فلا إثم.
وإنما أوردنا هذه الأقوال لتتجلّى للقارئ سَعةُ الفقه في هذه المسألة، وليُدرِك الجميع أنّ الإسلام لا يجيز بحالٍ أن تكون فكرة «إقامة الخلافة» جسرا إلى الفوضى أو العنف أو التطرّف، ولا ذريعةً لتمزيق الأمة وسفك دماء المسلمين. فقد استغلّت جماعاتٌ متشدّدة هذه القضية عبر التاريخ، لتبرير القتال والاعتداء تحت اسم «الجهاد»، بينما موقف الإسلام الصحيح ثابتٌ واضح: الخلافة مقصدٌ عظيم، ولكنّ الحفاظ على وحدة الأمة، وصون دمائها، ومنع الفتن، أعظم وأعلى.
لقد سجّل العلماء، منذ قرونٍ طويلة، أنّ فترةً قد تمرّ على الأمة لا يكون لها فيها خليفةٌ ولا نظامُ خلافة. يقول إمام الحرمين الجويني في كتابه غياث الأمم: ثُمَّ الْأَدْيَانُ وَالْمِلَلُ، وَالشَّرَائِعُ وَالنِّحَلُ، أَحْوَجُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، الْمُؤَيَّدِينَ بِالْمُعْجِزَاتِ، وَالْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ، مِنْهَا إِلَى الْأَئِمَّةِ، فَإِذَا جَازَ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنِ النَّبِيِّ، وَهُوَ مُعْتَصَمُ دِينِ الْأُمَّةِ، فَلَا بُعْدَ فِي خُلُوِّهِ عَنِ الْأَئِمَّةِ.
ومن هنا يبرز السؤال: هل تَسْتطيع الأمة في واقعها الراهن أن تُقيم إمامًا جامعًا؟ وإن أمكن ذلك، فهل يتيسّر وجود مَن تتحقّق فيه الشروط؟ وإن تعذّر وجود من استكملها، فهل يؤدي اختيارُ الأكفأ والأقرب إلى اجتماع الأمة ووحدة الصف؟ وهل يقبل المسلمون اليوم إمامًا جامعًا تختفي به الفُرقَة وتنطفئ بوجوده النزاعات؟
هذه أسئلةٌ جديرةٌ بالتأمل، لا سيما وأنّ المسلمين اليوم مبتَلَوْن بتنازع الأنظمة، وتدافع القوى، وتعارُض المصالح، الأمر الذي يجعل إقامة إمامٍ واحدٍ لجميعهم أمرًا في غاية العُسر. إنّ المشهد السياسي في العالم الإسلامي - حيث تتجاذب الأنظمةُ والأحزابُ وتتنازع القوى على السلطة -يكشف أنّ أيَّ محاولة لفرض إمامٍ واحد قد تزيد الانقسام اشتعالًا، خصوصًا مع وجود التيارات السُّنية والشيعية والحركات المتطرفة التي قد تغذّي الصراع بدل أن تُطفئه.
ثم إنّ أغلب الدول الإسلامية اليوم تضمن لمواطنيها - في الجملة - الأمنَ على الدين والنفس والمال والعِرض. فهل يكون السعي إلى إقامة إمامٍ جامعٍ في ظلّ هذه الظروف خطوةً تُفقدنا ما نملكه من استقرارٍ نسبيّ؟ أليس من الحكمة أن نتّعظ بما آلت إليه بعض الثورات، وما جلبته من فوضى واضطراب، حتى أصبحت البلاد التي شهدتها بعيدةً كلّ البعد عن الأمن والسكينة؟ إنّ التجارب القريبة لمن أرادوا «إقامة الحكم» بالقوة تُظهر بجلاءٍ أن النتيجة في الغالب مزيدٌ من الدماء والانهيار.
وفي سياقٍ آخر، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنّ وجود أكثر من خليفةٍ في أقاليم متباعدة أمرٌ محتملٌ إذا دعت إليه الضرورة، وأنّ حُكّام الدول الإسلامية اليوم يقومون - في الحقيقة - بوظيفة «الإمام» في حدود ولايتهم، ما دامت مصالح الناس محفوظة، وحقوقهم مصونة، وأمنهم قائمًا. وهذا الرأي ليس بعيدًا عن الصواب؛ إذ المقصود من الإمامة حفظُ الدين وسياسةُ الدنيا، فإذا تحقّق ذلك بما هو قائمٌ اليوم، كان في الأمة من يقوم بوظيفتها الشرعية في الجملة.
