سنبدأ الكلام بقصّة، غير أنّ وراء هذه القصة الصغيرة معنى كبيرًا يستحق التأمّل. هي أنّ الحيوانات في غابة من الغابات أصابها خوفٌ شديد بسبب تهديدٍ خارجيّ داهمها. اضطربت الحيوانات كلّها، وعمّ الرعب أرجاء الغابة. فما كان منها إلّا أن تجمّعت في مكانٍ واحدٍ تبحث عن مخرجٍ لأزمّتها. أدرك الجميع أنّ الحال لن تعود كما كانت، وأنّ بقاء الغابة رهنٌ بتنظيم شؤونها، وأنّه لا بدّ من قائدٍ يدير أمورها، وحكومةٍ تُسيّر أمور البلاد.
اجتمعت الحيواناتُ على اختلاف أنواعها. ففيها الأقوياء كالأُسود والنّمور، وفيها ذوو المهارة والذكاء كالقِرَدة، وفيها مئات الغزلان الضعيفة الكثيرة العدد. فسأل الأسد ، بما فيه من قوةٍ وحزم : كيف نُقيم حكومةً تحفظ أمننا؟ بادرت الغزلان، مدفوعةً بكثرتها، فقالت: نحتكم إلى رأي الأغلبيّة، وننتخب مَن نريد. ولتسُد «الديمقراطية» التي يتحدث بها البشر!
كان الصوتُ المرتفعُ للغالبية كافيًا ليعمّ النداءُ المكان. ثم جرت الانتخابات. ولم يكن مفاجئًا أن تُجمِّع الغزلان أصواتَها في مرشّحٍ واحد من بني جنسها، ففاز «الغزال الرشيق» برئاسة الغابة. وفشلت الأقلياتُ القويّة والخبيرة كالأسود والنمور والقرود ، وقد طأطأت رؤوسها.
وتشكّلت أولُ حكومةٍ في الغابة، كلّها من الغزلان الضعيفة! ثم جاءت ساعةُ المشكلة: كيف تُواجه هذه الحكومةُ تهديدَ العدوّ؟ نظرت يمينًا وشمالًا، فإذا لا قدرة، ولا خبرة، ولا قوة، وإنما مجرّد عددٍ كثيرٍ لا يغني في يوم الشدائد.
فما رأيكم في ديمقراطية الغابة؟ وهل كان هذا هو النموذج الأمثل لحماية الغابة والدفاع عنها؟
إن كنتم ترون الخلل واضحًا في هذا النموذج، فاعلموا إذًا أنّ حماية الأوطان لا تكون بالعدد والحسبان، ولا بمجرد شعار «حكم الأغلبية»، بل تقوم على العدل، والخبرة، والأمانة، ووضع المسؤولية في يد من يملك القدرة على أدائها. للديمقراطية منظومةٌ واسعة من القيم، غير أنّ واقعنا اليوم يُظهر أنّ الاهتمام انصبّ على آلياتها وإجراءاتها الشكلية، بينما أُغفل جوهرها القيمي والأخلاقي. ومن هنا بدأت أزمتنا، تعنى تقديسُ العملية وإهمالُ القيمة.
أمّا الإسلام فجمع بين الجانبين معًا؛ قيمةً ومنهجًا، روحًا وممارسةً. وهذا ما ينبغي للأنظمة الديمقراطية الحديثة أن تتعلّمه من الرؤية الإسلامية؛أنّ العملية بلا قيمة فارغة، وأنّ القيمة بلا آلية عاجزة.
نتأمل: نحن نشترط في توظيف مدير مدرسة ابتدائيةٍ شروطًا علميةً ومهنية كثيرة. ولكن من يتولّى شأن الأمّة بأسرها، ويقود مصالح الملايين، قد لا يُشترط له في كثير من الأحيان أيّ قدرٍ من الكفاءة، إلّا أن يكون بالغا! إنّما هو ثمرةٌ طبيعية لواقعٍ تصعد فيه إلى سُدّة الحكم قياداتٌ لا نصيب لها من الكفاءة، ولا حظّ لها من العلم والخبرة. فيصبح الطريق مفتوحًا لأيٍّ شخص رجلا كان أو امرأة، لمجرد أنّه نال أكثر الأصوات، لا لأنّه أهلٌ للمسؤولية.
وهنا تتجلى عظمة التصوّر الإسلامي الذي يمنحنا رؤيةً رشيدةً للديمقراطية: فالإسلام لا يكتفي بأن يكون الإنسان مواطنًا كي يصلح للقيادة، بل يشترط فيمن يتولّى أمر الأمة - أيًّا كانت درجته - أهليّةً حقيقية.
فالخلافة هو النموذج الأعلى للقيادة السياسية في الفكر الإسلامي، لا تُنال إلا باجتماع مؤهلاتٍ كافية مثل
علمٍ راسخ، وعدلٍ ثابت، وشجاعةٍ، وحكمةٍ، ونَسَبٍ معروفٍ يُطمأن إليه، ومواصفاتٍ أخرى تُؤهّله لحمل أمانة الأمة.
وليست الثروة المادية، ولا الجاه الدنيوي، ولا النفوذ القبلي، معاييرَ صالحة عند الإسلام لتولّي القيادة.
وإذا توفر في شخصٍ ما هذا القدر من الكفاءة، فالإسلام يُحدّد طرقًا لاختيار الإمام أو الخليفة، مع ترك مساحةٍ واسعة للاجتهاد بما يناسب الظروف السياسية لكلّ عصر، ما دام ذلك يحقق المصلحة ويحفظ وحدة الأمة.
إنّ الطريق إلى اختيار الإمام أو القائد الأعلى للأمة ليس مفتوحًا على مصراعيه ، بل بيَّن الإسلام أن لذلك منهجين أساسيين: أولُهما: البيعة أو الاختيار الذي يقوم به أهل الحلّ والعقد. وثانيهما: الاستخلاف والترشيح .
أهلُ الحلّ والعقد، ويُسمَّون أيضاً أهلَ الاختيار، وأهلَ الاجتهاد ؛ هم نخبة من علماء الأمة وقادتها ووجهائها وذوي الرأي والخبرة فيها، ممّن لهم مكانة معتبرة وتأثيرٌ في المجتمع. ويمكن تشبيههم بما يُعرف في زماننا بنظام الهيئة المنتخبة أو مجلس النوّاب، لا بالانتخاب الشعبي العام، ولكن بالمعرفة والخبرة والاعتبار. فالإسلام لا يسلّم قيادة الأمة لمن اختاره جمهورٌ أكثرُه لا يملك أدوات التمييز والمعرفة، بل يربط ذلك بأهل البصيرة والرأي.
وقد اشترط الإسلام في أهل الحلّ والعقد شروطاً حتّى يكون اختيارهم سديداً غير منقوص، ومن أهمها:
أن يكونوا عدولاً. وقد تقدّم بيان المقصود بالعدالة، وأن يكونوا أصحاب علمٍ وخبرة، وذوي رأي حصيف ونظر بعيد، وأن يمتازوا ممّن حولهم بعلوّ المكانة في مجالاتهم.
وفي واقعنا المعاصر يدخل في هذا الوصف، كبار العلماء، وقادة الدولة، وأبرز الشخصيّات المعتبرة، وطبقة المسؤولين وأصحاب المناصب العليا ممّن تلتفّ حولهم مسؤولية الشأن العام. فهؤلاء يجتمعون، ويتدارسون، ويبحثون عن أصلح من ينهض بأمانة القيادة، ثم يبايعونه.
وعليه، فليس من منهج الإسلام أن ينتخب عامّةُ الناس القائدَ مباشرة عبر التصويت الفرديّ، بل يُناط هذا الأمر بأهل الرأي والخبرة، حفاظاً على المصلحة الكبرى وصيانةً للأمة من الانزلاق خلف العواطف أو الجهل أو ضغط الجماهير.
في النظام الديمقراطي المعتاد لا يُشترط أن يتولّى السلطةَ الأكفأ أو الأجدر، بل إنّ الغلبة العددية لأيِّ فئة، ولو لم تكن أهل العدالة والقيم ، قد تفضي إلى وصول من تختاره إلى موقع القيادة. وقد يكون هناك من هو أصلح وأقدر منه، لكن أصوات الأكثرية تحسم المسألة. ومن هنا شدّد الإسلام في قضية الخلافة على معيار الكفاءة والأمانة قبل أيّ اعتبار آخر. فالأمر ليس رهينًا لمصلحة الجماهير أو لتقلّبات المزاج العام، بل يقوم على النظر العميق والموازنة الحكيمة.
ولذلك وجب أن يجتمع في كل دولة كبارُ السياسيين، وأهلُ العلم، وأصحابُ المكانة والاعتبار، فيتدارسوا الأمر ويتوافقوا على اختيار أصلح الناس لقيادة الأمة. وهذا الأسلوب، وإن بدا لبعضهم غريبًا، معمولٌ به حتى اليوم في دولٍ كثيرة، فانتخاب الرئيس فيها يتمّ عبر مجمع انتخابي يضمّ أعضاء البرلمان والمجالس التشريعية، لا عبر تصويت عامّ مباشر. وهذا عينُ ما تقرّره الشريعة في باب الخلافة.
قال أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلي (ت 458هـ) قولًا له أهميّتُه في هذا الباب: فقد بيّن أن اختيار الإمام إذا كان بيد أهل الحلّ والعقد فلا يُتصوّر أن يتمّ دون حضور جمهورهم. وذكر إمام الحرمين هذا المعنى نفسَه حين أكّد أنّه لا بدّ من وجود عددٍ معتبر من أهل الحلّ والعقد بحيث لا يُستطاع الاعتراض عليهم. ومعنى ذلك أن اختيارهم يجب أن يكون اجتماعيًّا توافقيًّا، يقوم على رأي الأغلبية وتسلّم الأقلية بحكمها.
والأمرُ الذي ينبغي أن نستيقنَه هنا هو أنّ أهلَ الحلّ والعقد مُلزَمون شرعًا باختيار من اكتملت فيه شروطُ الإمامة، لا من تميل إليه نفوسُهم أو تُحرّكهم نحوه العواطفُ والميول. يقول الإمام الآمدي في غاية المرام في علم الكلام أنه لا يجوز اختيار الإمام على جهة التشهي والهوى، بل يجب أن يُختار من اجتمعت فيه صفات الكمال والخصال المعتبرة. ويؤكد الإمام الماوردي رحمه الله المعنى نفسه إذ يقول : وَإِذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ الاِخْتِيَارِ لِعَقْدِ الإِمَامَةِ، فَإِنَّهُمْ يَنْظُرُونَ فِي أَحْوَالِ مَنْ يَصْلُحُ لَهَا، وَيَتَأَمَّلُونَ شُرُوطَهَا، فَإِذَا عَرَفُوا مَنْ تَجْتَمِعُ فِيهِ الشُّرُوطُ، وَتَكْمُلُ بِهِ الصِّفَاتُ، قَدَّمُوهُ لِلْبَيْعَةِ. ويقول في موضع آخر:فَإِذَا دُعِيَ مَنْ تَتَوَفَّرُ فِيهِ الشُّرُوطُ، فَبَسَطَ يَدَهُ لِلْبَيْعَةِ، وَقَبِلَ مَا تُلزِمُهُ الإِمَامَةُ، انْعَقَدَتْ لَهُ.
فلو تكافأ في شروط الإمامة اثنان قدّم لها اختيارًا أَسَنُّهما وإن لم تكن زيادة السن مع كمال البلوغ شرطًا، فإن بويع أصغرهما سِنًّا جاز؛ ولو كان أحدهما أعلم والآخر أشجع روعي في الاختيار ما يوجبه حكم الوقت، فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى لانتشار الثغور وظهور البغاة كان الأشجع أحق، وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم أدعى لسكون الدهماء وظهور أهل البدع كان الأعلم أحقّ.
ويجب أن يُفهم جيدًا أن المقصود ليس أن يجتمع نفرٌ قليل فيختاروا من يحبّونه ويُقصُون غيره، ثم يُلزمون الأمة بالرضا به. بل المراد أنّ أهل الحلّ والعقد، وهم صفوة الأمة من العلماء والقادة وأهل الرأي، يلتزمون باختيار أكمل أهل الزمان وأولاهم بالإمامة. ولو اجتمع قادة الدول الإسلامية اليوم، لكان بوسعهم أن يتدارسوا الأمر، فيستخرجوا من بين الأمّة أكثرَهم أهليةً ويعقدوا له البيعة. ومن لم يحضر الاجتماع يلزمه اتباع رأي الأكثرية ما دام قد وقع على أهل الكفاءة.
لكنّ الواقع التاريخي ، مع الأسف، شهد انحرافًا واضحًا عن هذا المنهج القيمي الرشيد. فلم يكن اختيار الخلفاء في أكثر عصور الأمة قائمًا على هذا النظام الدقيق، ولا تحقّق اجتماعُ أهل الحلّ والعقد على أكمل أهل الزمان في أغلب الفترات. بل إنّ الواقع المعاصر لا يبشّر، لو اجتمع أهل الحلّ والعقد اليوم ، بأنهم سيستخرجون أصلحَ الناس للقيادة. ولهذا أخبر النبي ﷺ، وهو الذي أطلعه الله على ما خفي من شؤون الغيب، بقوله: الخلافة بعدي ثلاثون سنة؛ وقد وقع الأمر كما قال، إذ لم يدم نظام الخلافة الراشدة أكثر من هذه المدة.
الطريقةُ الثانية في تعيين الخليفة، والتي عُرفت في كتب السياسة الشرعية باسم الاستخلاف أو العهد، تقوم على أن يُسمّي الخليفةُ القائمُ من يراه أهلًا ليكون خلفًا له. غير أنّ هذا الأسلوب ليس مطلقًا، بل تحكمه ضوابط دقيقة وضعها الشرع. فإذا توفّرت جميع الشروط في الخليفة القائم، جاز له أن يعهد بالأمر إلى من يرى فيه شروط الكفاءة والإمامة، فيصبح المعهود إليه خليفةً على المسلمين بعد وفاة الأول.
وهناك أمور أساسية ينبغي التنبيه عليها: فلا يَملك حقَّ الاستخلاف إلا الخليفة الذي اكتملت فيه شروط الإمامة. وله وحده أن يفوّض بعضَ أهل الخبرة للبحث عن الأصلح وترشيحه لهذا المنصب.
كما يشترط في المرشَّح للاستخلاف أن يكون أكملَ الناس أهليةً، وعلى الخليفة أن يبذل وُسعَه في البحث عن هذا الشخص. وقد نصّ الإمام النووي رحمه الله في روضة الطالبين صراحةً على أنّ من يُستخلف يجب أن تتوافر فيه جميع شروط الإمامة الكبرى .
وقد جرى الاستخلاف الحقّ في فترة الخلافة الراشدة فحسب. أمّا في العصور اللاحقة، فقد أصبح الأمر غالبًا مجرّد توريث أو اختيار قائم على الهوى، لا على معيار الكفاءة. وهذا لا يمتّ إلى المنهج الإسلامي بصلة، وإن كان العلماء في تلك العصور قد سكتوا عنه، وهذا لا يعنى أنّ العلماء أقرّوا ما وقع من بني أمية وبني العباس من توريث للسلطة دون مراعاة للشروط، بل إنّما سكت العلماء دفعًا للفتن وخشيةً من اضطراب أحوال المسلمين.
أما في الأزمنة التي يغيب فيها الخليفة، فقد ترك الشرعُ أمرَ اختيار ولاة الأمور لكل بلدٍ بحسب ظروفه وأوضاعه الاجتماعية والثقافية. فالمجتمعات التي يضعف فيها التعليم والوعي السياسي قد لا تلائمها الديمقراطية الحديثة بصورتها الكاملة، بينما قد تجد شعوبٌ أخرى في نظامٍ ملكي مستقرٍّ خيرًا لها من الفوضى. والمهمّ ، في كلّ الأحوال ، ألا يكون اختيار الحاكم سببًا في اضطراب الأمن أو سفك الدماء.
