إنصافُ المرأة وتحريرُها من ظلمِ الجاهلية وظلامِها من أهمّ ما جاء به القرآن الكريم وأقرّه، حيث حرّرها من تحكّم الرجل المطلق في مصيرها بغير حقّ، فكرّم القرآنُ المرأةَ وأعطاها حقوقها بوصفها إنسانًا، وكرّمها بوصفها أنثى وبنتاً وأمّا وزوجة وعضوا أساسيّا في المجتمع.
إذا نظرنا إلى المجتمعات والحضارات الأخرى يتّضح جليّا، أنّه يمكن لكلّ امرأة أن تفخَر بما نالته النساء من حرّية وكرامة في ظلّ المجتمعِ الاسلامي. وإليكَ ما تقوله دائرة المعارف البريطانية: «على امتداد معظم التاريخ الغربي، كانت النساء محصورة في دائرة الحياة المنزليّة، بينما خُصِّصت الحياةُ العامّة للرجال. وفي أوروبّا في العصور الوسطى، مُنعت النساء من حقّ امتلاك الممتلكات، ومن الدراسة، ومن المشاركة في الحياة العامّة. وحتى نهاية القرن التاسع عشر في فرنسا، كنّ لا يزلن مجبَرات على تغطية رؤوسهنّ في الأماكن العامّة، وفي أجزاء من ألمانيا كان للرجل الحقّ في بيع زوجتِه. وحتى بدايات القرن العشرين، لم يكن للنساء حقُّ التصويت ولا شغلُ المناصب المنتخبة في أوروبّا وفي معظم مناطق الولايات المتّحدة. فضلاً عن أنّ النساء كنّ يملكن القليل من فُرص التعليم أو كُنّ محرومات منه تماماً، ومُبعَدات عن معظم المِهن. وفي بعض مناطق العالم، لا تزال هذه القيود المفروضة على النساء قائمة حتى اليوم».
المرأة في الحضارات القديمة
و المرأة عند الرومان، كانت تعتبر حيوانا نجسا، لا تدخل المعابدَ في الدنيا، و تُحرم من الجنّة في الآخرة. و فـي أوج الحضارة الرومانية، كانت الجواري و القِيان الطليقات، تنلن من الاهتمام أضعاف ما تناله حرائر النساء مـن الأزواج و الأقرباء.
و في بلاد فارس، كانت المرأة حقّا للرجل و مِلكا له، يتصرّف بها كما يشاء، و يتصرّف بمالها و جميع شؤونها. و له الحقّ بقتلها و الحكم عليها بالموت ... و ليس لها الحقّ بالتعلم، و لا بالخروج من البيت. ولم تتمتع بالحرّية من النساء سوى الجواري.
أمّا في بلاد الصين، فلم تكن وضعيّة المرأة بأحسن حالا منها في سائر الحضارات القديمة. فمولدُها نكبة و شؤم علـى أهلها و على جميع من يراها. و لا حقّ لهما بالميراث، لا من مال أبيها، و لا من مال زوجها. و هي بمثابة المتاع للبيع و الشراء.
و المرأة كانت عبدة للرجل في الهند. فحسب القوانين الهندوسية، إذا ما مات زوجها، لا بدّ لها من أن تبقى دون طعام حتى تموت، أو تدفن معه حيّة ، و أن الوباء و الموت و الجحيم والسم و الأفاعي و النّار خير من النساء ! و يقول ( مانو ) : إنّ الزوجة الوفيّة، ينبغي لها أن تخدم سيدَها كما لو كان إلها، و يقتصر دورهـا فـي الحياة على توفير المتعة للرجال. و قد سلبت شريعة (مانو) المرأةَ كلّ حقوقها. فهي تابعة لأبيها أو زوجها، أو أيّ رجل من أهل زوجها. و من العادات العرفية، أنّ الزوجة المخلصة، إذا ما توفّي زوجها، عليها أن تتقـدّم لكـي تُلقـي بنفسها في النّار قبل أن يحرق جثمان الزوج. وقد تواصلت هذه العادة الشنيعة المسماة بـ ستي حتى القرن السابع عشر، إلى أن منعهـا الإنكليز.
إن جميع المنظمات الدّولية، بدءاً من الأمم المتحدة، تنشر اليوم إحصاءات مفزعة عن أشكال العنف التي تتعرّض لها المرأة في العصر الحديث. فبحسب تقرير منظمة الصحّة العالمية الصادر في 29 نوفمبر 2017، فإنّ امرأةً من بين كلّ ثلاث نساء في العالم تتعرّض لاعتداءات جنسيّة. بل إنّ 30% من هذه الانتهاكات يرتكبها "الصديق المقرّب" نفسه، كما أن 38% من جرائم قتل النساء يكون مرتكبها ذلك الرجل الذي يفترض أن يكون مأمون الجانب.
أما التقرير الصادر في 20 أكتوبر 2016 فكان على النحو الآتي: إنّ أعنف ما يهدّد سلامة النساء هو العنف الصريح والعدوان المتزايد على نحوٍ ينذر بالخطر. فواحدة من كلّ ثلاث نساء في الولايات المتحدة تخشى بانتظام من أن تتعرّض لاعتداء جنسيّ، وذلك وفقاً لتقرير جديد صادر عن مؤسسة غالوب، وهو خوف يتجاوز حدود الدول... ومن بين 77 دولة رفعت تقاريرها إلى الأمم المتحدة، كانت السويد والمملكة المتحدة وبوتسوانا وأستراليا، الأعلى في معدلات العنف الجنسي. أما الولايات المتحدة فتمتاز بارتفاع كبير في معدلات الاغتصاب.
هذه الأرقام الصادمة تؤكد أن الحضارة المادية - رغم بريقها - لم تمنح المرأة الطمأنينة التي تستحقّها، ولم تستطع أن تقيم لها سياج الأمان الذي أرساه الإسلام منذ أربعة عشر قرناً، يوم جعل كرامتها حقاً لا يُعتدى عليه، وحمايتها واجباً لا يُساوَم عليه.
وأيّ تقرير عالمي يُقرأ عن أحوال النساء اليوم، لا نجد فيه ما يشير إلى أن المرأة تعيش في حرّية حقيقية أو كرامة مصونة، بل العكس تماماً؛ فهذه التقارير تكشف وقائع مؤلمة ومخزية، لا تتحدّث إلا عن أشكال العنف، والانتهاك، والاعتداءات الجسيمة التي تتعرّض لها النساء في شتّى بقاع الأرض.
إنّها صورة دامية تُظهر كيف فشل العالم المادي في منح المرأة أبسط حقوقها الإنسانية، بينما أنصفها الإسلام منذ فجر رسالته، وأقام لها حصناً من الكرامة لا تهدمه العصور ولا تغيره حضارة من الحضارات.
في سياق بيان حقيقة واقع المرأة في العالم اليوم، تتكشف أمامنا أرقام تقشعرّ لها الأبدان، وتجعل القارئ يتساءل: كيف يمكن لعالمٍ يتغنّى بحقوق الإنسان أن يعجز عن حماية نصفه الآخر؟ وفي المقابل، تبرز نماذج مشرقة أثبتت أن كرامة المرأة ليست شعاراً يُرفع، بل منظومة قيم تُحفظ وتُطبّق. نأخذ هنا أربعة نماذج من دول مختلفة ليتّضح حجم الهوّة بين الشعارات والواقع.
أولاً: الولايات المتحدة الأمريكية، بحسب التقارير الرسمية الصادرة عن الهيئات الحكومية، فإن 43.6% من النساء - أي ما يقرب من نصف نساء البلاد - تعرّضن لشكلٍ من أشكال الاعتداء الجنسيّ. وعند النظر إلى التفاصيل، نجد أنّ واحدة من كلّ خمس نساء قد تعرّضت لاعتداء صريح، وأنّ واحدة من كلّ أربعٍ كان المعتدي شخصا قريبا منهنّ، مثل "الصديق الحميم" ونحوه.
ثانيا: بريطانيا من بلاد أوربّا، يُظهر تقرير قدمته المجموعة البرلمانية لجميع الأحزاب إلى الأمم المتحدة، أن 97% من النساء في بريطانيا تعرّضن لتحرّش جنسيّ بدرجة من الدرجات!
ثالثاً: الهند، وقد ذكرت صحيفة رويترز البريطانية أن امرأةً واحدة تتعرّض للاغتصاب كلّ خمس عشرة دقيقة في الهند. ورغم إجراء تعديلات قانونية بعد حادثة دلهي الشهيرة عام 2014، فإن الواقع ظلّ كما هو دون تغيّر يُذكَر، بل إنّ حالات الاغتصاب في تصاعد مستمرّ. وحتى في ولاية كيرلا، تشير الإحصاءات إلى ارتفاع حالات الاعتداء بنسبة تجاوزت 200%.
رابعاً: المملكة العربية السعودية، وعند الانتقال إليها، تتبدّل الصورة تماماً. فالسعودية - وفق الإحصاءات - لا تتجاوز فيها نسبة الاعتداء على النساء 0.3% فقط، أي إنّ 99.7% من النساء يعشن في أمن واستقرار. وهذا يدلّ بوضوح على أنّ السعودية تُعدّ من أكثر دول العالم أماناً للمرأة.
يُعلِّمنا العلماء أن مقاصد الشريعة – أي غايات النظام التشريعي الإسلامي – ستّة، وجوهرُها كلّها يدور حول معنى واحد؛ الحفظ أي توفير الأمن والرعاية. فهناك حفظ النفس؛ أي صون الجسد من كلّ اعتداء،
وحفظ المال؛ أي حماية الممتلكات والحقوق، وحفظ العرض؛ أي صيانة الكرامة والشرف، وحفظ النسب؛ أي حماية الأسرة واستقرارها، وحفظ العقل؛ أي صون الفكر والوعي من الفساد والانحراف، وأخيراً حفظ الدين؛ أي صيانة الإيمان من الانتهاك والتشويه.
هذه الأسس هي عماد الشريعة، ورسالتها للعالم هي الأمن، فهو أعظم ما يمنحه القرآن للبشر، ولا يتحقق أمنٌ حقيقيّ ما لم تُصَن الأجساد والكرامة والأسر. فإذا فشل أيّ نظام - مهما كان اسمه، ديناً أو دستوراً - في حماية هذه الأركان، فإنّه نظام ساقط لا قيمة له.
إنّ كل حكمٍ في الإسلام يجب أن يكون منسجماً مع مقاصد الشريعة، كما قرّر العلماء. فالإسلام لم يأتِ ليطلق الحرية بلا حدود، ولا ليفتح الأبواب على مصاريعها دون رعاية لسلامة الإنسان وأمن المجتمع، بل جاء ليضع للحرية إطاراً يحفظ الضروريات ويحمي الإنسان من الانزلاق إلى مواطن الهلاك.
فالإسلام لم يقل إنّ المرأة لا يجوز لها الخروج، بل قال: لا ينبغي أن يكون خروجها على حساب أمنها وكرامتها. ومن أجل ذلك وضع الإسلام مجموعة من الضوابط الأولية التي تحقق لها الحماية، ورأى أنّ توفير الأمن للمرأة هو واجب الدولة والحاكم. فإن قصّر الولاة في هذه المهمة، وجب على المرأة أن تتخذ من الاحتياط ما يصونها ويحفظها. وهذه هي كلّ التوجيهات التي قدّمها الإسلام للمرأة في هذا الباب؛ توجيهات غايتها الأمن لا التقييد، والسلامة لا الحبس.
لكنّ العالم الحديث أساء إلى المرأة إساءة بالغة؛ أخرجها إلى الطرقات دون أن يقدّم لها الأمن، ثم تركها فريسة للعدوان والعنف. ولهذا ذهب بعض المفكرين إلى أنّ النسوية نشأت - في حقيقتها - كردّة فعل على ظلم الرجال أنفسهم؛ إذ عرف بعض الذكور أنّ المرأة في الشارع أسهل استغلالاً، فشجّعوا هذا الانفلات ليحقّقوا مصالحهم.
وقد دعمت الطبقات الرأسمالية هذا التوجّه، لأنّها أرادت تحويل المرأة إلى "سلعة" تُستخدم للربح والتسويق. وبهذا الشكل أصبحت النساء - رغم مظاهر الحداثة - عبيداً للرأسمالية؛ يعملن دون حماية، ويُستغللن دون نظام أمان، ويُوجَّهْن حيث يريد السوق، حتى فقدت كثيرات منهنّ القدرة على صنع موقف مستقل أو بناء حصن يحميهن.
وأصبحت العبودية التي ظنّ الناس أنّها انتهت، مستمرة في ثوبٍ جديد؛ بل ربّما أشد خطراً وأبلغ أثراً. والمرأة اليوم تُستَغَلّ في كثير من مجالات الحياة، لا لشيء إلا لأن الرجل هو المستفيد الأول من تجريدها من سترها ووقارها؛ فهو الذي ينظر ويستمتع، وهو الذي يربح ويستغل، بينما تُباع المرأة تحت شعار الحرية وهي في الحقيقة أسيرة لمنظومة ذكورية رأسمالية لا ترحم. وللأسف، أصبحت كثير من النساء النسويات خاضعات لهذا النظام دون أن يشعرن، يظنن أنهن يقاومن تسلّط الرجل، بينما هنّ يُطِعنَه في أعمق أشكال الهيمنة الفكرية والاجتماعية.
والحرية الحقيقية للمرأة لا تُقاس بالشعارات، بل تُقاس بما يُتاح لها من حقوقٍ واقعية تحددها منظومة متكاملة من الضمانات؛ كحقّ التعليم والعمل والسكن، وحقّها في الزواج والطلاق والميراث والتصرف في مالها، وحمايتها طفلةً وراشدةً وشيخةً، وحفظ مكانتها بعد وفاتها، وتمكينها قانونياً من استرداد حقّها إذا اعتُدي عليه. فإذا اجتمعت هذه العناصر لامرأةٍ ما، قامت لها أركان الحرية والشعور بإنسانيتها، واتضح أنها نالت من التمكين ما تستحقه. وهذه المنظومة الشاملة لم يمنحها للمرأة أيُّ نظام في الدنيا كما منحها لها الإسلام.
لقد استطاع الفكرُ المعاصر أن يرفع شعار "المساواة بين الرجل والمرأة"، غير أنّ الإسلام لم يختصر العلاقة في لفظ "المساواة" المجرّد، بل ارتقى بها إلى معنى أعمق بلفظ شريك الحياة. فالمرأة والرجل شريكان في عمارة هذا الوجود، يكمل أحدهما الآخر، ولا تكتمل الإنسانية إلا بوجودهما معاً.
وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى بدقّة بالغة حين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا، وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1]. فالرجل والمرأة من أصلٍ واحد، وجسدٍ واحد، وروحٍ واحدة؛ يتكاملان، ويحوج أحدهما إلى الآخر، ويشكّلان معاً البنية الإنسانية الكاملة. وليس المقصود أن يسير كلٌّ منهما في اتجاهٍ منفصل يطالب بـ"تساوٍ" مجرّد، بل أن يعي كلٌّ منهما دورَه، ويتعاونا في المودّة والثقة وصون الكرامة وإقامة حياةٍ يسودها الأمن والاحترام.
وحين تحدّث القرآن الكريم عن الورثة لم يُفرِّق بين ذكرٍ وأنثى، بل قدّمهم جميعًا بميزانٍ واحد، وبلسانٍ واحد، في مشهدٍ لم تعرفه الشرائع ولا الأعراف قبل نزول هذا الكتاب العظيم. وليس من المصادفة أن تُسمَّى السورةُ التي اشتملت على أعظم تفصيلٍ لحقوق المرأة وكرامتها بـ سورة النساء؛ فهي إعلانٌ ربّانيٌّ واضح بأن للمرأة مكانًا ثابتًا في منظومة التشريع الإسلامي، لا يُهدر ولا يُهمَّش.
وفي ثنايا هذه السورة، تتلألأ آياتُ الميراث بيانًا وإنصافًا، يأتي أولها حاسِمًا قاطعًا، لا يقبل التردد ولا المساومة: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: 7]
لقد ساق القرآن هذين الفريقين بعبارةٍ واحدة، متتابعة، غير مفصولة ولا مُجمَلة، ليؤكّد أنّ حقّ المرأة في الميراث ليس مِنّةً ولا تفضّلًا، بل هو فريضةٌ محكمةٌ من ربّ العالمين. وهذا التعبير القرآني الدقيق نفسه يُجسِّد شدّة العدل، وصلابة الموقف، ودقّة التوجيه.
وكان هذا الإقرار الإلهي يحدث في زمنٍ لم تعرف فيه الدنيا مِلْكيةً للمرأة، فضلًا عن أن يكون لها نصيبٌ ظاهر من الميراث. فلم يكن في حضارات الأرض يومئذٍ مذهبٌ دينيٌّ أو نظامٌ اجتماعيٌّ يُثبت لها هذا الحق. فجاء القرآن ليقطع الطريق على كل صورةٍ من صور الاستبداد والتمييز، وليعلن: أنّ المرأة وارثةٌ كما الرجل، لا تُلغى ولادتها، ولا تُمحى إنسانيتها.
وقد لبث هذا البيان الرباني يتجاوز القرون والحدود، حتى إذا أشرقت شمس القرن التاسع عشر، بدأت أوروبّا - متأخرةً جدًا - تتلمّس الخطى نحو الاعتراف للمرأة ببعض حقوق الميراث. وهي التي طالما تباهت بتقدّمها، بينما كانت شريعتها وقوانينها تحجب عن المرأة ما أقرّه الإسلام لها منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا.
أما الأنظمة التي رفعت شعار الثورة على الدين، كالفكر الشيوعي ومنظوماته السياسية، فقد حرمت الإنسان أصلًا من حق التملّك، وجعلت الميراث برمّته جريمةً تُدان، لا حقًّا يُصان. وهكذا سُلِبت الأسرة جوهر وجودها، وسُلِب الإنسان ثمرة كدحه باسم المساواة التي لا تعرف عدلًا ولا كرامة.
إنّ في كل هذه الوقائع شاهدًا ناطقًا على أنّ الإسلام سبق الحضارات كلّها إلى تثبيت حق المرأة في الملكية والميراث وإعلان ذلك نصًا قاطعًا، لا ينسخه الزمن ولا تجوزه التقلبات. وهذا مما يورث المسلمين عزًّا وافتخارًا، ويجعل من الهدي النبوي والتشريع القرآني بوصلةً هاديةً للبشرية كلّها، ما دامت تبحث عن عدالةٍ تُنصف، وكرامةٍ تُصان، وحقوقٍ لا تعبث بها الأهواء.
ولم تكن المرأة في الولايات المتحدة الأمريكية تنال حقّها في الملكية والميراث إلا في منتصف القرن التاسع عشر، إذ انتظرت حتى عام 1850 ليبدأ الاعتراف لها ببعض ما تستحق. بينما كانت المرأة المسلمة ، على امتداد القرون وفي مختلف الحواضر الإسلامية ، تنعم بهذه الحقوق كاملةً منذ فجر الإسلام، وهو أمرٌ لا يملك أحدٌ إنكاره.
وليس هذا فحسب، بل إنّ القرآن الكريم أرسا للمرأة منظومةً راسخة من الضمانات الأخلاقية والسلوكية والاجتماعية تحفظ لها كرامتها وتصون جسدها ونفسها ومكانتها. ومن ذلك قول الله تعالى مخاطبًا البشر جميعًا: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26] فهو لباسٌ يستر الجسد، ويزيّن المظهر، ثم يعلو عليه لباسٌ آخر أعظم شأنًا: لباس التقوى، الذي يحفظ للإنسان كرامته ومهابته.
ويأتي الخطاب القرآني ليؤكد أن الطهارة الباطنة والظاهرة حقٌّ مشترك للرجال والنساء، فيأمر المؤمنين والمؤمنات على السواء: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا…﴾ [النور: 30–31]. ثم يفصل القرآن من يجوز للمرأة أن تكشف أمامهم ما جرت العادة بكشفه، من الآباء والأبناء والإخوة والمحارم… إلى آخر الآية الكريمة، في نظامٍ دقيقٍ يُراعي طبيعة المجتمع ويصون الطهارة والكرامة معًا.
لقد فرضت الديانتان النصرانية واليهودية على الراهبات والنساء المتعبّدات زيًّا خاصًّا يميّزهنّ عن سائر النساء. أمّا الإسلامُ، فاختطّ منهجًا مختلفًا، إذ جعل للنساء جميعًا شريعةً واحدة، وللرجال جميعًا شريعةً واحدة، دون طبقاتٍ دينية أو رتَبٍ كهنوتية تُفرَض بسببها قيودٌ مخصوصة على فئة دون أخرى.
وبيّن القرآن والسنةُ للرجال والنساء على السواء ما يجب سترُه وما يجوز إظهاره، وحدّد المواضع التي تُراعى فيها الضوابط الشرعية دون أن يقيم حواجز طبقية أو فوارق تمييزية. فالقضيةُ في الإسلام ليست تقييدًا لجنسٍ دون آخر، بل نظامٌ أخلاقي يرعى كرامة الإنسان- ذكرًا كان أو أنثى- ويحفظ خصوصيّته، ويصون المجتمع من الانفلات والابتذال.
وإذا كان الجميعُ يلتزمون بضوابط العفّة والستر، فإنّ الأمر لا يُعدّ انتقاصًا أو تضييقًا، بل حمايةً للنفس والروح، وصيانةً لحُرمة الجسد الذي جعله الله سرًّا ينبغي ألا يُبتذل. وما دام الحكمُ يشمل الرجال والنساء كليهما، فلا مجالَ للشكوى ولا لمظنّة الظلم، فالعفةُ تكليفٌ مشترك، والسترُ أدبٌ عام، والحياءُ خلقٌ يُجمّل الإنسانَ أيًّا كان.
لقد جعل النبيُّ ﷺ طلبَ العلم فريضةً على كلِّ مسلمٍ ومسلمة، ولم يقتصرْ في تعليمه على الرجال دون النساء؛ بل أفاض على كثيرٍ من النساء من معين علمه، فبرز في الحضارة الإسلامية حضورٌ نسائيٌّ علميٌّ مشرِّف. وحسبُنا أن نعلم أنّ أمَّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها كانت في المرتبة الثانية بعد أبي هريرة في رواية الحديث، وهي التي قصدها كبار الصحابة والتابعين يستفتونها ويأخذون عنها.
ولم يكن في تاريخ القيادات البشرية من نصَّ على حقِّ المرأة في التعلُّم نصًا صريحًا كما فعل محمدٌ ﷺ. ويكفي أن نطالع ما أورده الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه «الإصابة في معرفة الصحابة» لنقف على أسماء نحو ألفٍ وخمسمئةٍ من الصحابيات العالمات في زمن النبوة. فأيُّ أمةٍ اليوم تستطيع أن تفاخر بمثل هذا الإرث العلمي؟!
ورغم ما يقال عن ازدهار الحضارات الحديثة وتقدّمها، فإنّ التأمّل المنصف يكشف أنّ كثيرًا من دول العالم لا تزال متأخرةً في ضمان حقوق المرأة الأساسية، بينما سبقها الإسلام إلى ذلك منذ أربعة عشر قرنًا. وفي كلِّ بابٍ من أبواب الحياة،علمًا كان أو عملاً، قدّم الإسلام نموذجًا متوازنًا يحفظ للمرأة كرامتها، ويكفل لها أمنها، ويتيح لها المشاركة ضمن الضوابط التي تصونها.
وقد منح الإسلام المرأة حقوقًا واسعة: حقَّ الزواج، وحقَّ اختيار الزوج، وحقَّ المهر، وحقَّ إبداء الرأي وتوثيقه، وحقَّ العيش الكريم في المجتمع، وغيرها من الحقوق التي لم تعرفها أممٌ كثيرة إلا بعد قرون طويلة. وكان القرآن أولَ كتابٍ سماويٍّ يعلن بصراحة هذه الحقيقة، قائلاً: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228].
بهذا التوازن الدقيق بين الحقوق والواجبات يصنع القرآن إنسانًا راشدًا وسويًّا، ويقيم مجتمعًا يقوم على العدل والتكامل. وهذا ما أكّد عليه النبي ﷺ في خطبة الوداع، حين ذكّر بحقوق النساء وواجبات الأزواج، ورسم معالم العلاقة الزوجية القائمة على المودّة والمسؤولية.
ولم يحرم الإسلام المرأة من حقها الفطري كما فعلت بعض الديانات أو التقاليد حين اخترعت مسمياتٍ مثل "الراهبات" أو "الجواري المقدسات" فسلخت المرأة من إنسانيتها. بل جعل الزواج سنّةً كونيةً واجتماعية، ودعا إليه، وحضّ كلَّ رجلٍ وامرأةٍ على إعطائه مكانته الطبيعية، بوصفه طريقَ العفاف والاستقرار وبناء الأسرة الصالحة.
لقد صان الإسلامُ الأراملَ، ورعى شؤونهنّ، وفتح أمامهنّ أبواب الحياة بوجهٍ كريم، إذ حثّ على الزواج بهنّ وتكريمهنّ، ومنحهنّ منزلةً رفيعة في المجتمع المؤمن. وحسبُنا برهانًا على ذلك أنّ أوّلَ زوجات النبي ﷺ كانت خديجةُ رضي الله عنها، وهي ثيّب جاوزت الأربعين، وأنّ جميع زوجاته بعد عائشة رضي الله عنها دخلن حياته وهنّ غيرُ أبكار، فكانت سيرته العطرة مثالاً عمليًّا على احتفاء الإسلام بالمرأة، أرملةً كانت أو مطلّقة.
ولم يُعرف في تاريخ الإسلام أن تعرّضت أرملةٌ لظلمٍ من جهة الشريعة؛ فقد أحاطها الدينُ بسياجٍ من الكرامة والحقوق، وجعل إعادة تأهيلها ودمجها في الحياة الأسرية أمرًا يُناقَش بأريحية واحترام. بل أمر الشرعُ الحنيف بأن تُتاح لها فرصة الزواج بعد انقضاء عدّتها،أربعةُ أشهرٍ وعشرةُ أيامٍ في حالة وفاة الزوج، أو ثلاث حيضاتٍ في غير ذلك، دون تأخيرٍ أو تعقيد، ليظلّ لها حقّها في الاستقرار والعفاف والعيش الكريم.
وفي خطبة الوداع، الكلمة الخالدة التي ودّع بها النبيُّ ﷺ الأمة، ذكّر الرجال بحقوق النساء، وقال: اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهنَّ بأمانةِ الله…، ليجعل المرأةَ أمانةً في أعناق الرجال، لا مجالَ للتعدّي عليها أو إهمالها.
وبذلك وضع الإسلام قاعدةً عظيمة؛ ألّا تُظلَم امرأةٌ في بيتٍ، ولا تُهان في قرًى أو مدن، ولا تكون عرضةً للعدوان في أيِّ مجتمع. فحيثما وُجد الإسلامُ الحقّ، وُجد العدل، ووُجدت المرأة مصونةً مكرّمةً محفوظةَ الكرامة.
