في القرن السادس عشرالميلادي، في زمنٍ كان الحكم فيه بأيدي سلاطين غير مسلمين، برز في كيرالا عالمٌ ربّاني كبير، عُرف بسعة علمه وعمق تأثيره، وهو الشيخ القاضي محمد؛ صاحب المؤلفات الرفيعة في العربية وغيرها، منها قصيدة في مناقب الشيخ عبد القادر الجيلاني، ومن أبرزها شهرةً قصيدة فتح المبين للسامري الذي يحب المسلمين.
هذا العمل الفريد لم يكتبه الشيخ تمجيدًا لحاكم مسلم، ولا استجابةً لطلب سلطانٍ ذي نفوذ، بل كتبه تحريضا للمجاهدين والمقاومين في السواحل المختلفة التي استعمرتها القوات المستعمرة الغربية من بدء القرن الخامس عشر الميلادي ، ومدحًا لـ الساموتيري، ملك كيرالا الهندوسي في ذلك العصر للقيام مع المسلمين ضدّ المستعمرين البرتغاليين. وقد أبدع الشيخ في تصوير خصاله ومناقبه، وصاغها شعرًا عربيًا بديعًا أرسل نسخه إلى ملوك المسلمين في أنحاء العالم، يعرّفهم فيه بعدل هذا الملك ورحمته، ويدعوهم إلى الدعاء له، ويحثّ المسلمين أينما كانوا على أن يسألوا الله له الخير والنصر والسداد.
إن هذا المشهد التاريخي النادر يكشف عن اتساع أفق العلماء المسلمين في الهند، وعن روحهم الإنسانية التي تثمّن العدل حيثما كان، وتحتفي بالفضيلة بصرف النظر عن الدين والعرق. كما يبرز ثقافة التعايش العريق في كيرالا، حيث وجد المسلمون فضاءً من الحرّية حيث مكّنهم من الإبداع والإسهام والحضور العلمي الرفيع.
يذهب بعضهم إلى أنّ المسلم لا يستطيع أن يحيا مسلما حقيقيا إلاّ في ظلّ خلافةٍ إسلامية جامعة، وهذا قولٌ لا يستقيم، بل هو جهلٌ بحقائق التاريخ ومقاصد الشريعة. فلقد كان للمسلمين خليفةٌ واحد في عصور متقدّمة، ومع ذلك ظلّ المسلمون في الآفاق يعيشون في كنف الحكّام الذين يتولّون شؤونهم في بلادهم، يطيعونهم في المعروف، ويستمسكون بالعهد الذي يجمعهم بهم؛ وهو عين ما دعت إليه الشريعة، وما عليه إجماع العلماء. فلم يكن أحدٌ منهم يسعى إلى إقامة خلافةٍ موازية، ولا إلى منازعة السلطان القائم حقَّه.
وموقف الإسلام في هذا الباب جليٌّ لا غموض فيه: فالخليفة - إن نُصِّب وفق شروطه الشرعية - لا تكون ولايته إلا على الأقاليم التي بايعته، أمّا البلاد التي لم تعقد له البيعة فليس له عليها سلطانٌ سياسي. والمسلمون في تلك البلاد ملتزمون بالعهد الذي ارتضوه مع دولهم، يسكنون إليها ويُقيمون شؤونهم وفق النظام الذي ارتضته الأمة هناك.
ولهذا، فإنّ المسلمين - بما أنّهم مواطنون في دولةٍ تقوم على دستورٍ وقوانين - فإنّ واجبهم الشرعي هو الالتزام الكامل بالدستور والقانون في بلادهم، بوصفه عقدًا أخذوه على أنفسهم. ولا يملك أيّ خليفةٍ أو إمامٍ سلطةً سياسيةً عليهم، إلا إذا أقرّت الدولة بذلك. ودور العلماء والدعاة في هذه الأقطار هو ترسيخ الطاعة في المعروف، وصون السكينة، ورعاية العهود، ونصح الأمة بالحكمة والموعظة الحسنة؛ لا الدعوة إلى إقامة كياناتٍ موازية ولا إلى تغيير أنظمة الحكم بالقوة.
إنّ محاولةَ إقامة «خلافة» أو «دولة إسلامية» داخل دولةٍ ذات سيادة، أو السعيَ إلى زعزعة الأمن والإخلال بالنظام، محرّم في الشريعة قطعًا، لأنّ فيه نقضًا للعهد وإفسادًا في الأرض. ونقض العهود من كبائر الذنوب؛ بل عدّه النبي ﷺ من صفات المنافقين. والمسلم الحقّ هو الذي يفي بعهده مع الجميع: مع المسلمين، ومع غير المسلمين، ومع العدوّ قبل الصديق، كما أرشد القرآن الكريم والسنة المطهّرة إليها.
لقد عرَفَتْ الهند، وولايةُ كيرلا بخاصة، دعوةَ الإسلام منذ العهد النبوي نفسه، إذ بلغها نور الهداية على أيدي الصحابة الكرام الذين وطئت أقدامهم هذه الأرض المباركة. وعلى امتداد أربعة عشر قرنًا، لم يَدْعُ عالمٌ معتمَد واحد في هذه الديار إلى إقامة دولةٍ إسلاميةٍ مستقلّة، ولا إلى منازعة السلطة السياسية القائمة فيها؛ بل كانوا جميعًا يعترفون بشرعية الحكّام، ما داموا يقيمون العدل في الجملة، ويلتزمون بالعهد ويكفلون الأمن.
وقد وقف المسلمون – في معظم مراحل التاريخ – إلى جانب الحكّام العادلين من غير المسلمين، يؤازرونهم فيما فيه صلاح البلاد والعباد، ويجهرون بكلمة الحقّ عند الظلم، دعمًا للعدل وإقامةً للقسط. ولم يكن موقفهم هذا نابعًا من ضعف أو عجز، بل من فهمٍ عميق لفقه العيش المشترك، ولواجب الوفاء بالعهود، الذي شددت عليه الشريعة، ورسّخه العلماء على مرّ العصور.
وعلى الرغم ممّا تعرّض له مسلمو ملابار في فترات كثيرة من اضطهادٍ وقهرٍ، وصلت أحيانًا إلى حدّ أن من يدخل في الإسلام يُنتزع قسرًا من أهله - كما أشار إليه الإمام ابن حجر الهيتمي في «الفتاوى الحديثية الكبرى» (4/249) - فإنّ العلماء في كل تلك المحن لم يدعوا إلى الخروج ولا إلى الفرار من البلاد، بل إلى النصيحة، وهي تقويم الحاكم بالرفق والحكمة، ومحاولة دفع الظلم وإحقاق الحقّ قدر المستطاع. ولم تكن النصيحة تعني عندهم إثارة الفتن ولا تقويض النظام، بل كانت خُلُقًا إصلاحيًا راشدًا، ينهض به أهل العلم والبصيرة.
وقد سجّل الشيخ زين الدين المخدوم في كتابه «تحفة المجاهدين» تسجيلا دقيقا عن واقع الحكم في ملابار، فقال إنّ جميع الحكام قبل مجيء البرتغاليين وبعده كانوا من غير المسلمين، وكان فيهم القويّ والضعيف، والعادل والأقلّ عدلًا. وإنّ المسلمين كانوا يعيشون تحت ولايتهم، يدفعون لهم الضرائب، ويتعاملون معهم ضمن النظام القائم، دون أن يكون في ملابار حاكمٌ مسلمٌ واحد على أيٍّ من تلك الدويلات. ومع ذلك ظلّ المسلمون جزءًا أصيلًا من المجتمع، شركاء في بنائه، ثابتين على هويتهم، متمسّكين بشرعهم، دون دعوةٍ إلى صراعٍ أو انقلاب.
إنّ هذا التاريخ الممتدّ أربع عشرة قرنًا شاهدٌ على أنّ المسلمين لم يكونوا يومًا دعاةَ اضطراب، ولا طلابَ سلطة، ولا ساعين إلى قلب أنظمة الحكم، بل كانوا – وما زالوا – أمةَ عدلٍ ووفاءٍ وعهدٍ؛ يُقيمون شعائرهم بحرية، ويُسهمون في نهضة الوطن، ويحتكمون إلى القيم التي جاء بها الإسلام: إصلاحٌ بالحكمة، وتعايشٌ بالمعروف، وصيانةٌ للسلم الأهلي.ويظهر هذا المعنى جليًّا أيضا في كتاب الأجوبة العجيبة للأسئلة الغربية للإمام الشيخ زين الدين المَخدوم نفسه.
ومن الملاحظات البالغة الأهمية أنّه لا يُوجد في أيّ من كتب العلماء المتقدمين الموثوقين في علمهم ومكانتِهم دعوةٌ إلى إزالة حُكم غير المسلمين، لاستبداله بحكمٍ إسلاميّ. بل نجدهم جميعًا قد أقرّوا الأنظمة القائمة، وتعاملوا معها بما يوجبه الشرع من التزامٍ واحترام.
ومع أنّ تلك المؤلفات كانت تحثّ على الجهاد لطرد القوى الاستعمارية الغازية، فإنّها في الوقت نفسِه كانت تُلزم المسلمين بحُسن المعاشرة للدائرة الحاكمة المحلية، وبالوفاء لها، وبالتعاون معها، بل والقتال صفًّا واحدًا إلى جانبها عند الضرورة.
بل إنّ الفقهاء نصّوا على وجوب التزام المسلمين بأحكام القضاء الذي يعيِّنه الحاكم غير المسلم، ولو كان القاضي فاسدَ السيرة أو ضعيف العلم. وقد أورد الشيخ زين الدين المَخدوم نفسه في «الأجوبة العجيبة» سؤالًا وُجّه إلى كبار علماء العالم الإسلامي في عصره، وخلاصته:
إنّ ملوك مالابار - وهم غير مسلمين ـ قد عيّنوا قضاةً في بعض الديار، وقد يكون فيهم سيئ الخلق، ضعيف الفقه. والمسلمون تحت سلطان أولئك الملوك، وفي مواضع أخرى يعيَّن القاضي من قبل أهل الحلّ والعقد. فهل تُنفَّذ أحكام هؤلاء القضاة، أم تُرفض؟ فأورد الشيخ أجوبة العلماء كإمام الغزالي وابن عبد السلام وغيرهم متفقة على أصلٍ واحد إذا عيّن الحاكم غير المسلم قاضيًا، وجب على المسلمين تنفيذ أحكامه والانضباط لها.
وكما يعيش المسلم في بلاده على أساس التعاون والعدل والتسامح، فكذلك يجب أن يعيش في سائر الأقطار غير الإسلامية؛ فالإسلام يكلّفه بأن يناصر الخير حيثما كان، وأن يلتزم بالعدل فلا يحيد عنه، وأن يتحلّى بروح التسامح في كل أحواله. وهذه المبادئ ثابتة لا تتغير بتغيّر الأنظمة أو الحدود، ولا يختلف عليها علماء الأمة في مشارق الأرض ومغاربها.
ومع ذلك، فإذا وقع ظلم أو طغيان، فالمسلم مطالب برفع صوته بالاحتجاج المشروع، سواء أكان ذلك في بلدٍ مسلم أم في بلدٍ غير مسلم. ومن يعيش في ظلّ دستورٍ وضعي أو نظامٍ ديمقراطي، فإنّ احتجاجه ضمن تلك الأطر القانونية يُعدّ في ذاته إقرارًا منه بالنظام واحترامًا لقوانينه؛ إذ إنّه يتحرّك وفق الوسائل التي أتاحها ذلك الدستور نفسه.
غير أنّ أمرًا مهمًّا ينبغي ألّا يغيب عن المسلم: فلا يجوز له أن يتعاون مع غيره في شأنٍ يناقض عقيدته أو يخلّ بثوابتها .فالمسلم مأمور بأن يوافق البشر في كل ما تشهد الفطرة بصحّته والإنسانية بخيريّته؛ في البرّ، والإحسان، والعدل، ونصرة المظلوم، وإعانة المحتاج. لكنه في المقابل مأمور بأن يثبت على عقيدته، وألّا يشارك فيما يخالف توحيده وعبادته، أو فيما يتصل بشعائر الديانات الأخرى أو طقوسها.
فالعباداتُ والاحتفالاتُ الدينية شأنٌ خاص بكل أمة ودين، يمارسها أهلها بخصوصيتهم وهويتهم. وليس من الحكمة ولا من الأخلاق أن يحاول أتباعُ دينٍ مّا التدخّل في شعائر الآخرين أو إفسادها، كما أنّ المسلم الحقّ لا يشارك في تلك الطقوس ولا يحضرها، محافظةً على نقاء عقيدته وصفاء توحيده.
وهكذا يجمع الإسلام بين أوسع أبواب الإنسانية، وأوضح حدود العقيدة؛ فيتعايش المسلم مع الناس بفضلٍ وعدل، ويحتفظ في الوقت نفسه بتميّزه الإيماني وأصالته الروحية.
