في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان المسجد النبوي الشريف فضاءً رحبًا تتفيّأ ظلالُه القلوب، وتغشى سكينتُه الأرواح. فجاء يوما إلى رسول الله ﷺ نفرٌ من القسّيسين والرهبان، قدِموا يبحثون عن الحقّ، وقد أثقلتْهم وعثاء السفر، وملامحُ الحاجة بادية عليهم. فلما ضاقت بهم السبلُ التمسوا موضعًا يؤدّون فيه عبادتهم، فاحتضنهم النبيّ ﷺ ببِشْرِه ورحمته، وأمر بأن يُترك لهم في المسجد جانبٌ يصلّون فيه بغير أذى من الغير. فأدّوا عبادتهم في رحاب مسجد النبيّ ﷺ مطمئنين. ولم تكن تلك الحادثة فريدة من نوعها، فقد نزل وفدٌ من نصارى نجران عند أطراف المسجد النبوي أيّامًا، فضُرِبت لهم الخيام، وقام النبيّ ﷺ وأصحابه على خدمتهم وإكرامهم.
إنها بعض النماذج التي تُبرِز كيف صاغ الإسلام حضارةً سياسية واجتماعية تُعلي من شأن التعدد والتنوّع، وتَحفظ حقوقَ مختلف الأديان والطوائف. وتُؤكّد أنّ احترام اعتقاد الآخرين وثقافتهم هو من صميم البنية الأخلاقية للإسلام.
والتعدديّة - بالمعنى الإنساني والحضاري- هي قبول الأصوات المتنوعة في المجتمع ، واستيعابها من غير إكراه ولا مصادرة. وقد جسّد النبيّ ﷺ هذه القيم تطبيقًا عمليًا باهرًا، فصار النموذج الأكمل للتعايش بين البشر. فالإسلام فوق ما ذكر من التعددية الدينية والجنسية قرّر جميع الاختلافات بين الناس سواء كان في اللون والطبقة والقبيلة واللغة وغيرها، وعدّها رحمة وأية على وحدانية الله وقدرته الباهرة.
يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] فالقرآن يحضّ على النظر إلى التنوّع بوصفه أية من آيات الله. وقال النبي ﷺ: اختلافُ أُمَّتي رَحْمَة. (رواه البيهقي والدارمي). وكلمة الأُمّة لفظ يشمل كل مَن استجاب للدعوة، ومن لم يستجب بعد؛ إذ إنّ الناس جميعًا داخلون في دوائر الخطاب العام للهدى والرحمة.
والإنسان مهما بلغ من التفوّق في خلقه، فإنّ شرفَه وثباتَ مكانته إنما يكونان بإيمانه وعمله وصلاحه. فالعمل الخبيث يُفسد القلب، والاعتقاد الفاسد يفسد الروح. والعمل الخبيث سبب لكونه مبعدا في الدنيا، والاعتقاد الخبيث يجعله مبعدا في الآخرة.
وقد لخّص القرآن طريق النجاة في سورة العصر، وهو أن يتصف الإنسان بالإيمانِ الخالص، والعملِ الصالح والتعاونِ على البر والتقوى، والصبرِ على الطاعات والمصائب، حيث قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
وإذا كانت النِّعم تقتضي الشكر، فإن أجلّ من ينبغي أن يُشكَر هو الخالق سبحانه؛ إذ هو الذي سخّر للإنسان ما في السماوات وما في الأرض. فهذا الشكر يجب على كلّ إنسان سواء كان مؤمنا أو كافرا، لأنّ نعم الله تعمّ على الجميع من غير فرق. ولكنّ الكافر لا يقرّ بشكر الخالق والإطاعة له ، والعقاب المترتّب عليه يصيبه في الآخرة لا في الدنيا، ولم يؤمر للمؤمن أن يعاقبه على إلحاده وشركه وكفره. ففي هذه الدنيا يعيش المسلم والكافر بالتعايش والتسامح والتناصر كمجتمع إنسانيّ ، هذه هي التعددية التي يصوّرها الإسلام.
لن يكون جميع البشر مؤمنين صادقين بالمائة في أيّ عصرمن العصور، لأن هذه الدنيا ليست مخصّصة للمؤمنين وحدهم. وقد تحدّث القرآن عن تنوّع معتقدات البشر. يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢].
لكن القرآن نبّه أيضًا إلى أنّ هذا التنوّع في المعتقدات لا يجوز أبدًا أن يُتَّخذ معيارًا لتحديد إنسانية البشر. وفي الوقت نفسه، لا يجوز للمؤمن أن يرضى بالكفر أو يستحسنه، كما أنّ غير المؤمن لن يستحسن الإيمان. وليس من الموقف الصحبح أو من الإيمان الحقيقي قبول الإنسان لعقيدة الآخر أو رضاه بها. إنما الإيمان الحقُّ هو أن يختلف المرء باحترام أفكار الآخرين، مع إدراكه وقناعته بأنّ موقفه وفكرته وإيمانه هو الحق. وهنا وقع الخطأ عند بعضهم في تفسير التعدديّة. لأنهم قالوا إنّ التعدديّة تنشأ فقط حين نؤمن بأنّ كلّ المعتقدات صحيحة، وأنّها جميعًا تنتهي في النهاية إلى حقيقة واحدة. هذا ليس بصحيح، لأنه لا يوجد دين معروف في العالم يقبل بهذا التصوّر. وليس ثمّة دين يُعلن أنّ جميع الاعتقادات في الأديان الأخرى صحيحة.
فالخلاصة أنّه إذا عاشت جميع أهل الأديان والمعتقدات والثقافات في وئام وتعايش وتسامج، فهناك يمكن القول بوجود تعدديّة دينيّة أو ثقافيّة. فالتعدديّة الدينيّة لا تعني أنّ الدين يقرّ بصحّة معتقدات الأديان الأخرى، بل يعني أنّه يقرّ بوجود أصحاب تلك المعتقدات ويعاملهم باحترام. يعلّم الإسلام أن أفكار الأديان الأخرى عظيمة عند أتباعها، وأن النقد أو المراجعة لا ينبغي أن ينقلب إلى سخرية أو إهانة. ومن هذا المنطلق يمكن القول إنّ الإسلام هو الدين الذي قدّم للعالم أعظم مفهوم للتعدديّة. فالمسلم الحقيقي هو من يعامل الآخرين من أهل الأديان المختلفة ورموزَهم الدينية بما يليق من الاحترام. أما السبّ أو الإهانة أو السخرية من رموز الآخرين ومعبوداتهم فذلك خطيئة لا يمكن تبريرها. وهدي القرآن في هذا الباب درسٌ للعالم كلّه. قال تعالى:﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية قاعدة عظيمة في احترام مشاعر الآخرين الدينية، وسدّ باب الفتن والعداوة. وقال تعالى في شأن حماية معتقدات وعادات الأديان الأخرى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠]. فالإسلام لا يحمي مساجده فحسب، بل يحمي الكنائس والمعابد أيضًا.
من غير نظرٍ إلى الدين أو العِرق، كان توجّه النبي ﷺ يشمل الناس جميعًا. ومن بين مئات الآلاف من أقواله الشريفة، هناك حديث اشتهر في العالم الإسلامي، وكان العلماء عبر أربعة عشر قرنًا يعلّمونه أوّلًا لتلاميذهم، وهذا الحديث هو: الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. فهو تعليمٌ نبويٌّ راسخ يدعو إلى الرحمة بكلّ من يعيش على هذه الأرض، لينال الإنسان رحمة الله تعالى.
و أنّ الرسالة التي يقدّمها القرآن في أولى آياته ليست شيئًا آخر غير هذا المعنى نفسه. أول ما يبدأ من القرآن عند التلاوة هو آية : بسم الله الرحمن الرحيم ، أوّلُ ما يقدّمه الله تعالى باسمٍ من أسمائه هو: الرحمن، وهذا الاسم وما يتضمّنه من دلالة هو في الحقيقة أساس التعدديّة التي يرسمها الإسلام. ومن معاني هذا الاسم أنّ الله يُنعم بالخير والرحمة في هذه الحياة على كلّ من اهتدى وعلى كلّ من لم يهتدِ، على المؤمن وغير المؤمن على السواء. وقد كرّر القرآن في مواضع عديدة أنّ النبي ﷺ مبعوثٌ رحمةً للعالمين جميعًا. وهذه الرحمة والمحبة لم تكن حكرًا على المؤمنين وحدهم، ولا على البشر وحدهم، بل شملت الكون كلّه.
لن ينس التاريخ دعاء النبي ﷺ حين سال الدمُ من جسده في غزوة أُحد، إذ قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وفي يوم فتح مكة، عندما وقف النبي ﷺ أمام أعدائه الذين طاردوه وعذّبوه عشرين عامًا، أعلن لهم قائلاً: اذهبوا فأنتم الطلقاء. ويذكر التاريخ أنّ النبي ﷺ كان يرسل الأموال إلى أعدائه في مكة ليوزّعوها فيما بينهم، رغم أنّهم هم الذين أخرجوه من وطنه وبيته وأهله، كما تُشير المصادر التاريخية إلى أنّ النبي ﷺ جهّز من المدينة قافلات قمح تُرسل إلى أهل مكة عندما أصابهم الجوع الشديد. ومثل هذه الشواهد التاريخية لا تُحصى.
وقد أمر الإسلام بأن يُحسن المسلم إلى جيرانه مهما كانت ديانتهم، وأن يشاركهم في أحزانهم وأفراحهم، وأن يكون مصدر خير لهم دون تمييز بين مسلم وغير مسلم. وقد عدّ القرآن هذه النظرة الرحيمة للناس جميعًا ـ دون النظر إلى معتقداتهم ـ عبادةً تُقرَن بعبادة الله تعالى نفسه.
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (النساء: 36).يورد ابن كثير في تفسير هذه الآية حديثا: قال أبو إسحاق عن نوف البكالي في قوله : والجار ذي القربى ) يعني المسلم ( والجار الجنب ) يعني اليهودي والنصراني) رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. يعنى يأمر الله تعالى بالإحسان بالمؤمن وغير المؤمن.
لقد كان اليهود والنصارى الذين سكنوا جوار بيت النبي ﷺ أكثر الناس محبةً له. ولم تكن سيرة أصحابه مختلفة عن سيرته. فقد روى البخاري في الأدب المفرد عن مجاهد أنه قال :كنت عند عبد الله بن عمرو، وغلامُه يسلخ شاة ، فقال : يا غلام! إذا فرغتَ فابدأ بجارنا اليهوديّ ، فقال رجل من القوم : اليهوديّ، أصلحك الله ؟ قال : إنّي سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بالجار ، حتى خشينا ، أو رئينا ، أنّه سيورثه .
كانت التعدديّة حقيقة مكتوبة في النظام السياسي الإسلامي منذ بداياته. فأوّل دستور في العالم هو الدستور الذي أقامه النبي ﷺ في المدينة، المعروف بوثيقة المدينة ( Madeena Charter) وكان الوجه الأبرز لهذا الدستور هو الاعتراف بالتعددية الدينية.
ومن أهم المبادئ في هذه الوثيقة:
- الاعتراف بالتعددية والاختلاف: نصت الوثيقة على "لليهود دينهم وللمسلمين دينهم"، مما أكد على حرية الاعتقاد وحق كل جماعة في ممارسة شعائرها الدينية بحرية دون إكراه.
- المساواة في الحقوق والواجبات: أكدت الوثيقة على المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين في دولة المدينة، بما في ذلك الحق في الأمان وحماية الأنفس والأموال ودور العبادة.
- التكافل والتعاون: أقرت الوثيقة بمبدأ التكافل والتعاون بين مختلف المكونات في المدينة، حيث نصت على أنهم "أمة واحدة من دون الناس" وأن بينهم النصر والتعاون فيما يواجهون من تحديات.
- سيادة القانون: حددت الوثيقة آلية للجوء إلى السلطة العليا لحل الخلافات، حيث نصّت على أن ما كان بين أهل الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مردّه إلى الله وإلى رسوله.
- الأمن للجميع: ضمنت الوثيقة للجميع الأمان في المدينة، حيث نصّت على أن من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم. وهذا التسامح والوئام الاجتماعي لا يمنع تنظيم المناقشة والمناظرة لغير المسلمين في إبراز الحقيقة والدعوة إلى الله تعالى في جوّ من الهدوء والطمأنينة. وأشار إلى ذلك القرآن في عدّ مواضع حيث قال: ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . [ النحل : 125] ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [ آل عمران: 64]﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [ العنكبوت : 46] إنّ القرآن هنا يقدّم منهجًا في كيفية إدارة الحوار مع أبرز أصحاب الديانات الأخرى في جزيرة العرب يومئذ، أي اليهود والنصارى. فالغاية الظاهرة هي الدعوة إلى التعاون والقبول المشترك في كلّ مجال يمكن فيه التعاون، وأن تكون الحوارات قائمة على هذا الأساس من الفهم والانفتاح.
