قبل زمنٍ غير بعيد، دوّت في الآذان أنباء كالصاعقة بأنّ حركة طالبان تعود إلى كابول من أفغانستان، والنّاس يتركون بلادهم ، يهرعون مذعورين، يطوون الطرقات بأقدامٍ مرتجفة، يطلبون النجاة وكأن الموت يلاحقهم ، والذين لا يستطيعون مغادرة البلاد يعيشون في خوف شديد.، وبينما يتابع الناس تلك المشاهد التي تجمع بين الدهشة والرعب، تتدافع الأسئلة في الأذهان ، أفتمتلك طالبان حقًا ثرواتٍ طائلة تُقدَّر بالمليارات؟ وهل تهيمن على ترسانةٍ عسكرية ضخمة؟ ومن أين لهم ثروة لإدارة شئون البلاد، وما مصادر هذه الثروات ؟
ومن ناحية أخري تنظيم داعش في سوريا والعراق يلتهم المدن التهامًا، يحوّل العمران ركامًا، ويحصد أرواح عشرات الآلاف بوحشيةٍ لا يعرف لها التاريخ مثيلًا، ومع ذلك يجد المال والسلاح يتدفّقان إليه بلا انقطاع .وكذلك الحوثيون في اليمن، يجرّون البلاد إلى فوضى لا قرار لها.
وتأتينا الأنباء أنّ هذه الحركات المتطرفة؛ طالبان وداعش والحوثيون وغيرها، تقتات من أموال تُجبى من رقاب البشر، وتعيش على النهب والخطف والاتّجار بالمخدّرات، وتتلقّى دعمًا خفيًّا من أعداء الأمة، ثمّ يلبس كلّ ذلك ثوبًا دينيًا، زاعمةً أنّ هذه الأموال تُجمع من أجل إقامة حكمٍ إسلامي أو تأسيس خلافة.
أيُّ خلافةٍ هذه التي تُبنى على جثث الأبرياء؟وأيُّ خلافةٍ تنشأ من قهر الشعوب وتهريب السموم ونهب الأموال؟ وأيُّ إسلامٍ يبرّر سفكَ الدماء باسم الدين؟ ، ومع ذلك، يدّعي كل واحد من هذه الطوائف أنّه يقيم الخلافة الإسلامية، وهي منهم براء.
هنا يخطر بالبال سؤالٌ: ما هي الخلافة؟ وهل تُقام بمثل هذه الأساليب؟ الخلافة في المفهوم الإسلامي، امتداد لقيادة النبوة؛ فالخليفة هو نائب النبيّ الكريم ﷺ في قيادة الأمة. وتقوم مهمته على توجيه الأمة في شؤونها المادية والروحية، تمامًا كما كان النبي ﷺ يفعله.
ومن هذا المنطلق، يُعدّ الخليفة القائدَ الأعلى للأمة في أمورها الدينية والدنيوية، وله مسؤولية كاملة عن تطبيق أحكام الشرع وتوجيه الناس وفقا لها. ولذلك فإنّ طاعة الخليفة المعيَّن بالبيعة واجبة على المسلمين في البلاد التي يُبايَع فيها، ما دام لا يأمر بما يخالف أحكام الدين.
اشتهر في الإسلام باسم الخلفاء الراشدين أربعة ،هم : أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم، ثم الحسن بن عليّ رضي الله عنهما، سبط النبي ﷺ، الذي تولّى الخلافة ستة أشهر، فتمّت بذلك مدة الخلافة الراشدة ثلاثون عامًا كاملة. كانت هذه العقود الثلاثة، العصرَ الذي أشرقت فيه الخلافة الراشدة على العالم، وفي ذلك العصر تحققت إنجازات عظيمة، وتجلّت قيم الإسلام في واقع المجتمع، وبرزت نماذج قيادية وأخلاقية تُقتدى بهم.
ولِعِظَم ما قدّمه الخلفاء الراشدون من عدلٍ وحكمة، اكتسبت تلك الحقبة مكانة فريدة في التاريخ الإسلامي؛ إذ حكم فيها أولئك القادة حكمًا كاملاً بوصفهم الامتداد الأصيل لنهج النبي ﷺ. ولأنها كانت الصورة الكاملة الخالية من النقص لقيادة النبوة، سُمِّيت بالخلافة الراشدة.
ومع أنّ من جاء بعدها عُرف أيضًا باسم الخلفاء، فإنّ خلافتهم لم تكن تمثيلًا تامًا للنبوة، لأنّ النبي ﷺ قد أخبر مسبقًا بأنّ الخلافة على منهاج النبوة لن تدوم إلا ثلاثين عامًا بعده. وما تنبّأ به النبيّ ﷺ حقّ واقع لا مفرّ منه، ولا ينبغي لمؤمن أن يجادل فيه. ورغم أنّ عهد عمر بن عبد العزيز-الذي يُلقَّب بالخليفة الخامس- كان مثالًا رفيعًا في العدل والزهد والإصلاح، فإنه لم يبلغ درجة الكمال التي اختُصّت بها الخلافة الراشدة الأولى.
الحُكم في الإسلام ليس متعة ولا مظهرًا من مظاهر البهجة، بل هو عبء ثقيل وأمانة عظيمة. وقد شدّد الإسلام على خطورة هذه المسؤولية في مواضع كثيرة، مؤكّدًا أنّ تولّي شؤون الناس تكليف لا تشريف. جاء في حديث رواه الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.
لا يمكن لأيّ شخص أن يصبح خليفة لمجرد أنه مواطن بلغ من العمر 18 سنة - كما هو الحال في بعض الأنظمة الديمقراطية المعاصرة. فالخليفة ليس حاكمًا لإقليم صغير، ولا مجرد قائد سياسي، بل هو القائد الأعلى لجميع المسلمين الذين يقرّونه، دينيًا ودنيويًا وسياسيًا. ولذلك وضعت الشريعة شروطًا أساسية للخليفة، أهمها:
1. أن يكون مسلمًا، لأنه قائد المسلمين في دينهم ودنياهم، فلا يصح تولّي غير المسلم لهذا المقام، وذلك أنه يتولى قبل كلّ شيء أمور المسلمين دينيا ودنيويا مع كونه متبحّرا في علوم الدين، فلا يستطيع غيره بتحمّل هذه المسؤولية علما وإدارة ولاحتمال وقوع المشاكل وتفاقم الأمور.
2. أن يكون رجلًا، الخلافة مسؤولية عظيمة. ومن أهمّ جوانب هذه المسؤولية قيادةُ الجيش والدفاعُ عن الأعداء. وهناك أمور كثيرة أخرى تندرج تحتها. وهذا الدور يكون الرجل بطبيعته أقدر عليه من المرأة، ولعلّ هذا أحد أسباب كون 99% من قادة العالم اليوم من الرجال، و بما أنّ الخليفة هو القائد الأعلى للجيش، وعليه أن يكون حاضرًا في ساحة القتال عند الضرورة، فمن الضروريّ أن يكون الخليفة رجلًا.
3. أن يكون مجتهدًا في العلم الشرعي، وهذا الشرط لا خلاف بين العلماء حول ضرورة أن يكون خليفة المسلمين مُجتهدًا، والمجتهد هو الشخص القادر على البحث والاستنباط في المسائل الإسلامية اعتمادًا على قوّته العلمية دون تقليد. وقد أكّدت جميع الكتب التي تحدّثت عن شروط المجتهد على ضرورة امتلاكه إلمامًا واسعًا بالقرآن الكريم، والحديث الشريف، واللغة العربية، وأقوال الصحابة والعلماء، وغير ذلك من العلوم الشرعية، كما يجب أن يكون على معرفةٍ برجال الحديث ورواة الأسانيد الذين يبلغ عددهم إلى الآلاف، ليس معرفةً سطحية، بل معرفة تمكّنه من التمييز بين الثقة وغيره، حتى يُبنى الحكم على أساس صحيح.
يقول الإمام الحرمين في كتابه غياث الأمم: فَأَمَّا الْعِلْمُ، فَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُجْتَهِدًا بَالِغًا مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ، مُسْتَجْمِعًا صِفَاتَ الْمُفْتِينَ، وَلَمْ يُؤْثَرْ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ خِلَافٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ أُمُورَ مُعْظَمِ الدِّينِ تَتَعَلَّقُ بِالْأَئِمَّةِ. فَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِالْوُلَاةِ وَذَوِي الْأَمْرِ، فَلَا شَكَّ فِي ارْتِبَاطِهِ بِالْإِمَامِ، وَأَمَّا مَا عَدَاهُ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ جِهَةِ انْتِدَابِهِ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْإِمَامُ مُسْتَقِلًّا بِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ، لَاحْتَاجَ إِلَى مُرَاجَعَةِ الْعُلَمَاءِ فِي تَفَاصِيلِ الْوَقَائِعِ وَذَلِكَ يُشَتِّتُ رَأْيَهُ، وَيُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ الِاسْتِقْلَالِ.
وخلاصة الأمر أنّ الإمام في الإسلام ليس مجرّد حاكم إداريّ، بل هو شخصية يُقتدى بها في كل شأن. فإذا لم يمتلك العلم الكافي والرأي المستقل، فسيضطرّ بالضرورة إلى انتظار آراء غيره والاعتماد عليها، مما يفقده القدرة على تحليل الأمور كما ينبغي، ويحرمه من النظر العميق في المسائل. وكل ذلك لا يليق بالمقام الرفيع الذي تصوّره الشريعة لهذا المنصب.
ولكن، فإنّ معظم من تولّوا الخلافة في العالم الإسلامي بعد الخلفاء الأربعة، لم يكونوا مؤهَّلين لتلك المرتبة، فلم يصل أحد منهم إلى المنصب عن طريق اختيار أهل الحلّ والعقد لمن هو أهلٌ له، بل كان الوصول إلى الحكم في الغالب بالوراثة أو بالقوة ؛ وبانتـزاع السلطة عبر الانقلابات، والاضطرابات الدموية.
وقد أشار إلى هذه الحقيقة كبار العلماء مثل الإمام ابن حجر والإمام الرملي، حيث قالوا إنّ أكثر من تولّى أمر المسلمين بعد الخلفاء الراشدين لم يكونوا مجتهدين؛ لأنّهم جميعًا تسلّطوا عن طريق التغلّب. ومعنى التغلّب هوانتزاع الحكم بالقوة أو عبر الثورة والغلبة، لا عن طريق الاختيار الشرعي.
فقد نبَّه عليه الإمام التفتازاني عند الحديث عن شروط الخلافة، حيث قال: القهر و الاستيلاء، فإذا مات الإمام و تصدى للإمامة من يستجمع شرائطها من غير بيعة و استخلاف، و قهر الناس بشوكته، انعقدت الخلافة له. و كذا إذا كان فاسقا أو جاهلا على الأظهر، إلا أنّه يعصى بما فعل، و لا يعتبر الشخص إماما بتفرّده بشروط الإمامة، و يجب طاعة الإمام ما لم يخالف حكم الشرع. سواء كان عادلا أو جائرا.
الخلاصة أن أعمال ومواقف وطرائق وصول معظم الحكّام الذين جاءوا بعد الخلافة الكاملة التي تنبّأ بها النبي ﷺ، لا يحتجّ ولا يقتدى بها ، وتصرّفاتهم وأسلوب إدارتهم لا يمكن أن تكون مرجعًا أو نموذجًا للمسلمين، بل ينبغي في كثير من الأحيان إغفالها تمامًا، فقد كانوا ملوكًا نظروا إلى الخلافة نظرًا ماديًا بحتًا، لقد وصل هؤلاء إلى السلطة بالقوة أو بغيرها من الوسائل، وأهملوا أهل الكفاءة، بل إنّ كثيرًا منهم لم يمنحوا المستحقين أدنى فرصة للتصرف أو المشاركة، ورغم أنّ الناس أطلقوا عليهم لقب خليفة، لم يستحقوا الأهلية لهذه المنزلة ، وإنما قُبلوا في تلك الأزمنة دفعًا للفتنة وحفاظًا على وحدة المسلمين ومنعًا من وقوع الفوضى والدمار
4. العدالة، والعدالة في الإسلام مفهوم عظيم واسع. وقد عرّفها أغلب العلماء: وَأَمَّا العَدَالَةُ فَهِيَ اجْتِنَابُ المَحْظُورَاتِ، وَالتَّوَقِّي مِنَ الشُّبُهَاتِ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَخْرَجًا لِلنَّاسِ فِي دِينِهِمْ، مُتَوَقِّيًا مِمَّا يُوجِبُ عَلَيْهِ التُّهَمَ فِي أَحْكَامِهِم. وقال بعض أهل العلم: أمَّا العدالة: فالمراد بها أن يكون صاحب استقامة في السيرة، وأن يكون متجنباً الأفعال والأحوال الموجبة للفسق والفجور، فكما لا يكون الظالم والغادر مستحقًّا للخلافة، لا يكون المتَصِّف بالتآمر والتحايل كمثل تسليم قطيعٍ من الغنم للذئب وجعله راعياً لها
وقد نصّ القرآن الكريم في مواضع كثيرة على أن السلطة لا تُسلَّم إلا للعدول، وأن أهل الفساد لا يُؤتمنون على المسؤوليات. ومن أبرز الأمثلة ما جاء في قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام:﴿قالَ إِنّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمامًا ۖ قالَ وَمِن ذُرّيَّتي ۖ قالَ لا يَنالُ عَهدِي الظّالِمينَ﴾ [ البقرة]. وقد أجمع العلماء الذين فسّروا هذه الآية على أن الظالم لا يحق له أن يتولّى الخلافة أو أي منصب من مناصب الولاية. وقال الإمام القرطبي: لا خلاف بين المسلمين في أن الخليفة يجب أن يكون عدلًا.
ويزيد إمام الحرمين في غياث الأمم في بيان ذلك بقوله: فَأَمَّا التَّقْوَى وَالْوَرَعُ، فَلَا بُدَّ مِنْهُمَا ; إِذْ لَا يُوثَقُ بِفَاسِقٍ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى فلسٍ، فَكَيْفَ يُوَلَّى أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً، وَالْأَبُ الْفَاسِقُ مَعَ فَرْطِ حَدَبِهِ وَإِشْفَاقِهِ عَلَى وَلَدِهِ لَا يُعْتَمَدُ فِي مَالِ وَلَدِهِ، فَكَيْفَ يُؤْتَمَنُ فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى فَاسِقٌ لَا يَتَّقِي اللَّهَ؟ وَمَنْ لَمْ يُقَاوِمْ عَقْلُهُ هَوَاهُ وَنَفْسَهُ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ، وَلَمْ يَنْتَهِضْ رَأْيُهُ بِسِيَاسَةِ نَفْسِهِ فَأَنَّى يَصْلُحُ لِسِيَاسَةِ خطَّةِ الْإِسْلَامِ.
5. أن يكون شجاعًا، قادرًا عند الضرورة على القتال بنفسه ضد الأعداء، وإدارة الجيوش، واقتحام صفوف العدو، والتغلّب عليهم.
6. ويجب أن يكون الإمام صاحب بصيرة ورأي سديد؛ قادرًا على قيادة الرعية، وتنظيم مصالحهم الدينية والدنيوية. كما ينبغي أن يكون له سمعٌ قوي، وبصرٌ يميّز به الأشخاص بعضهم عن بعض، وقدرةٌ على الكلام تُعينه على البيان والإقناع.
7. الأفضلية للقرشي لا يعني أن يكون للقرشي الافضلية على كلّ حال ، بل إذا وُجد رجلان تتساوى صفاتهما، وكان أحدهما قرشيًا، فالأولوية له، لأنّ الناس كانت تقبل منهم القيادة أكثر. وإن وُجد غير قرشي أكثر علمًا وأكفأ، فالأولوية له عند كثير من العلماء. و في موضعٍ آخر يقول إمام الحرمين نفسه: أَنَّ الِانْتِسَابَ إِلَى قُرَيْشٍ مُعْتَبَرٌ فِي مَنْصِبِ الْإِمَامَةِ، فَلَوْ لَمْ نَجِدْ قُرَشِيًّا يَسْتَقِلُّ بِأَعْبَائِهَا، وَلَمْ نَعْدِمْ شَخْصًا يَسْتَجْمِعُ بَقِيَّةَ الصِّفَاتِ، نَصَّبْنَا مَنْ وَجَدْنَاهُ عَالِمًا كَافِيًا وَرِعًا، وَكَانَ إِمَامًا مُنَفِّذَ الْأَحْكَامِ عَلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، فَإِنَّ النَّسَبَ ثَبَتَ اشْتِرَاطُهُ ; تَشْرِيفًا لِشَجَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ، إِذْ لَا يَتَوَقَّفُ شَيْءٌ مِنْ مَقَاصِدِ الْإِمَامَةِ عَلَى الِاعْتِزَاءِ إِلَى نَسَبٍ، وَالِانْتِمَاءِ إِلَى حَسَبٍ.
وقد قلنا إنّ الخلافة لا تُنال بمجرد كون الشخص رجلًا أو مواطنًا، بل لا بدّ لها من شروط. فلابدّ من توفر العلم الراسخ، والعدالة، والشجاعة، والنضج، وسائر الصفات القيادية. أما المال أو الإمكانات الدنيوية فليست من شروط الإمامة ولا تُعتَبر مؤهلًا لها.
وقد وضع الإسلام طرقًا معينة لاختيار الخليفة ممن تتوفر فيه هذه الصفات؛ لأن الخليفة هو القائد الديني والدنيوي للمسلمين جميعًا، واختيارُه أمر بالغ الخطورة والأهمية. ويمكن للأمة أن تعتمد - ضمن الوسائل التي قرّرها الشرع - ما يناسب ظروفها السياسية في كلّ زمان. وسنبيّن ذلك في الفصول اللاحقة.
