في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، مجلسه مزدحم بالناس؛ من العلماء وأهل الرأي، وقادة الجيش، وكبار الصحابة الذين صحبوا النبي ﷺ. وبينما هم في حديثهم، دخل رجل تبدو على وجهه علامات الجِدّ والهيبة، وأخذ يرفع صوته بكلمات واضحة ثابتة: يا عمر، اتَّقِ الله!
سمع الجميع صوته، فعمَّ الاضطراب المجلس؛ إذ كيف يجرؤ رجل على مخاطبة أمير المؤمنين بهذه الطريقة؟! ضاقت صدور بعضهم، وهمّوا بالردّ عليه وتأديبه. لكن عمر رضي الله عنه التفت إليهم، لا إلى الرجل، وقال كَلِمته الخالدة: دعوه، لا خيرَ فيكم إذا لم تقولوها، ولا خيرَ فيّ إذا لم أتقبّلها.
ولم يكن هذا الموقف فريدًا، بل شهدت مجالس الخلفاء الراشدين نماذج كثيرة من هذا النوع. فأبو بكر الصديق رضي الله عنه، يوم تولّى الخلافة، خطب في الناس قائلًا: إن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأتُ فقوّموني.
إنّ الحديث عن حرية التعبير في النظام الإسلامي ليس أمرًا مُستحدَثًا، بل هو مبدأ أصيل رسّخته الشريعة منذ بزوغ فجرها. فبينما ينصّ المادّة التاسعة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حقّ كلّ إنسان في حرية الرأي والتعبير، نجد أنّ الإسلام قد سبق هذا الإعلان بأربعة عشر قرنًا، فأكّد هذا الحق، وطبّقه، وأرسى قواعده في واقع الناس.
وأعظم ما يقال في هذا الباب أنّ النبي ﷺ نفسه هو الذي أعلن هذا المبدأ، وربّى عليه جيلًا كاملًا، فجعل من حرّية التفكير، وصدق القول، وشجاعة النصيحة؛ وسائلَ للوصول إلى الحقيقة، وبناء الإنسان، وتقويم المجتمع. فالقرآن الكريم يخاطب العقل قبل العاطفة، ويأمر بالتفكّر والتدبّر في أكثر من موضع، وكأنّما يقول للإنسان: فَكِّر أولًا، ثم انطق بما يوافق الحق.
وقد بدأ الإسلام دعوته بأوّل كلمة نزلت من الوحي: اقرأ؛ لتكون القراءة مفتاح العلم، والعلم أصل التفكير، والتفكير أساس الفهم العميق للدين. فمن يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا لا يكون إلا من قرأ، وتأمّل، واستعمل عقله.
والنبي ﷺ كان يحبّ لكل إنسان - مُسلمًا كان أو غير مسلم - أن يقرأ، وأن يفكّر، وأن يبحث عن الحقيقة بنفسه، ولذلك دعا الناس إلى إعمال العقل منذ اللحظة الأولى وحتى آخر لحظات رسالته. فالإيمان في الإسلام لا يقوم على التقليد الأعمى، بل على قناعة ناضجة تصل إليها النفس بعد رحلة تأمّل وتدبّر. ولهذا قال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلّي، ولكن ما وقّر في القلب وصدّقه العمل.. ولهذا كانت حرية التفكير والتعبير في الإسلام ليست مجرد حق، بل طريقًا للوصول إلى الإيمان الحق، وحمايةً للمجتمع من الجمود والظلم والانحراف.
ومع ذلك، فإنَّ الإسلام يقفُ موقفًا متميّزًا عن سائر الإعلانات الإنسانية المعاصرة في باب الحريّات؛ إذ لا يسلّم بمبدأ الإطلاق في التعبير، ولا يرى أنَّ لِلإنسان أن يقول ما يشاء كيفما يشاء. فالحريّة في ميزان الإسلام حقٌّ مصون، ولكنّها مؤطَّرةٌ بكرامة الإنسان وحرمة مشاعره، لا يجوز أن تكون مطيّةً لجرح القلوب، ولا ستارًا للنيل من الأعراض. فالمساسُ بكرامة امرئٍ، ولو بأدنى كلمة، جنايةٌ لا يبرّرها ادّعاء الحريّة ولا ينهض لها أيّ مسوّغ.
ومجال الصحافة والإعلام داخلٌ في هذا الحكم دخولًا أوّليًا؛ فإنَّ نقل الحقيقة إلى الناس عملٌ جليل، بل من أعظم القُرَب إذا صحّت النية وخلص القصد. غير أنَّ الإسلام يجعل له ضابطًا راسخًا وذلك أنْ تُؤدَّى رسالة الإعلام دون أن تُهدَر كرامة أحدٍ أو يُفضَح ستره أو تُنشر عثرته. فليس من عدل الإسلام أن تُعالَج حاجةُ إنسانٍ بإيذاء أخيه.
وهذا المعنى هو ما صدّره النبي ﷺ في خطبته العظيمة يوم عرفة، حين ختم وصاياه بقوله: فليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ. فتلك دعوة إلى أن تكون الكلمة رسالة، وأن يكون الإعلام أمانة. غير أنّ الخطبة نفسها بدأت بما يُقيم الحدود التي لا تُتجاوز، حين قال ﷺ: إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا.
وهكذا يرسم الإسلام للتعبير أفقًا رحبًا، لكنّه أفقٌ منضبطٌ بالمسؤولية؛ فلا يتحوّل الحقّ إلى فوضى، ولا تتحوّل الكلمة إلى سهمٍ يجرح. وتلك هي سموّ الرسالة التي سبق بها الإسلام سائر النظم، حين جمع بين الحريّة والرحمة، وبين الحقّ والأدب، وبين التعبير والأمانة.
وعلى المسلم في هذا العصر - عصرِ الفضاءات المفتوحة والحرية المنفلتة في وسائل التواصل - أن يكون على قدرٍ كبيرٍ من اليقظة والحكمة؛ فالكلمةُ قد ترفع صاحبَها أو تهوي به، وما يكتبه المرء أو ينشره قد يمسُّ كرامة غيره أو يجرح مشاعره دون حقّ. لذلك ينبغي أن يكون حضوره في هذه المنصّات حضورًا راشدًا، لا يُهدر فيه كرامته ولا ينال فيه من كرامة أحد.
وقد سبق الإسلامُ إلى هذا المبدأ قبل أكثر من ألفٍ وأربعمائة عام، حين وضع للإنسان ضوابط القول، وحدود الحرية، وأرسى قواعد الاحترام المتبادل بين الخلق. فهي تشريعات من نور، أنزلها الله رحمةً بعباده، ليُبنى المجتمع على الأدب والصدق والإنصاف. ولا يزال الواجب قائمًا على كل مسلم، اليوم وغدًا وإلى قيام الساعة، أن يلتزم بهذه الأصول ولا يتجاوزها.
وليس معنى ذلك التساهلَ في الأخطاء أو السكوتَ عن المنكرات، ولا يعني أن تُكمَّم الأفواه عن قول الحق؛ بل إنّ أعظم الجهاد - كما علّم النبي ﷺ - هو كلمةُ حقّ عند سلطانٍ جائر. فالمقصود أن تكون الكلمة حقًّا، وأن يكون المقصد إصلاحًا، لا تجريحًا ولا انتقامًا؛ وأن يظلّ المسلم ميزانًا بين الصدع بالحقّ وحفظِ الكرامة، كما أراد له ربّه، وكما أرشد إليه نبيُّه ﷺ.
وقد علّم النبي ﷺ أمّتَه أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ما دام في الصدر نفسٌ يتحرّك، وأن يحمل المؤمن رسالة الإصلاح حيثما كان. فمن قدر على تغيير المنكر بيده فليفعل، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن عجز فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. وهكذا أراد رسول الله ﷺ أن يبقى الخير حيًّا في الأمة، وأن لا يُترك الباطل بغير مقاومة.
وأمَرَ القرآنُ الكريمُ المؤمنين بأن يُحسنوا الحوارَ مع المخالفين في الفكر والعقيدة، وأن تكون المجادلةُ بالحسنى، دعوةً إلى الحق، ورحمةً بالخلق، وارتفاعًا عن سفاسف الخصومات. فالحوار الرشيد مبدأ راسخ في الإسلام، وهو بابٌ إلى الهداية ووسيلةٌ إلى الفهم المتبادل.
بل إنّ القرآن جعل الشورى أساسًا في نظام الحكم؛ فلا يستبدّ الحاكمُ برأي، ولا تُتَّخذ القراراتُ المصيرية إلا بعد التشاور مع الناس أو مع نخبتهم الممثِّلة لهم. فالرأيُ العام له مكانته، وصوتُ الأمة له وزنه، وهو ما مارسه المسلمون عمليًا في عصور الخلافة الراشدة؛ إذ وقف الصحابة مرارًا يناقشون الخلفاء، ويسائلونهم، ويعرضون رؤيتهم دون تهيّب أو خوف، وكان الخلفاء بدورهم يرحّبون بالنصح ويأخذون به.
ومع ذلك، فكلُّ حريةٍ لها حدٌّ يقف عنده. فحين نقول إنَّ شعبًا مّا حرٌّ، فليس معنى ذلك أن القوانين قد رُفعت عنه أو أنه أصبح في حلٍّ من كل نظام. وكذلك حرية التعبير؛ فهي ليست مطلقة بلا ضوابط، بل تُمارَس في إطارٍ لا يسمح بأن تتحوّل الكلمة إلى سلاح يطعن كرامة الآخرين، رجالًا كانوا أو نساءً. وهذا مبدأٌ جوهريٌّ كان على العالم المعاصر أن يصغي إليه جيدًا.
وقد قرن النبي ﷺ حقَّ الإنسان في الحياة بحقِّه في الكرامة؛ فالمطلوب ليس مجرد حياةٍ تُقضى، بل حياةٌ كريمة تليق بإنسانية الإنسان. فالكرامة الإنسانية ليست منحةً تُعطى وتُمنح، بل هي حقٌّ أصيل يولد مع كل إنسان، ولا يجوز بحالٍ من الأحوال الاعتداء عليه أو امتهانه.
وفي النظام الإسلامي، علّم النبي ﷺ أمته كل ما يحفظ للإنسان مكانته وكرامته. بل إن كثيرًا من العبادات في الإسلام من صومٍ وصلاةٍ وزكاةٍ، إنما شُرعت لترتقي بالنفس، وتهذّب السلوك، وتحرس كرامة الإنسان من الانكسار. وكذلك جملة من الأحكام والآداب التي وضعها الإسلام، إنّما جاءت لتحفظ حرمة البشر، وتصون مشاعرهم، وتمنع أيّ عدوان على مقامهم الإنساني.
وقد جاءت عشرات الآيات ومئات الأحاديث تُنهى عن الغيبة والنميمة والسخرية والحسد واللمز والهمز؛ وكلّها جاءت لحماية كرامة الإنسان ومنع تهتك حرمته. حتى شبّه القرآن الكريم الغيبةَ بأبشع صورة يمكن أن تُنفِّر النفس منها، إذ قال إنّها كأكل لحم الميت، ليبيّن فداحة الجُرم وبشاعة أثره.
ولم يكتف الإسلام بتحريم القول، بل حمّل المسؤولية للناقل والسامع معًا؛ لأنّ العدوان على الكرامة لا يقلّ خطرًا إن نطق به اللسان أو أصغت له الأذن. كما نهى عن التجسّس وتتبّع العورات، وعن التحاسد والتباغض والبحث عن الزلّات، وحذّر من السخرية والاستهزاء واحتقار الناس؛ فكلّ ذلك مما يجرح المشاعر، ويهدم الروابط، ويمتهن إنسانية الإنسان.
لقد شدّد الإسلام على صيانة كرامة الإنسان وحمايتها من كل اعتداء أو انتهاك، وأقام لذلك نظاماً قضائياً صارماً يضمن للإنسان حقه في الشرف والسمعة. فمن اعتدى على عرض امرئ أو خاض في سمعته بغير بيّنة قاطعة، أوجب الشرع عليه عقوبة الزجر والردع. بل قرّر الإسلام أن من رمى بريئاً بالفاحشة ولم يأت بأربعة شهود ، فعليه حدّ القذف؛ ثمانون جلدةً، حمايةً للمجتمع من الفوضى الأخلاقية، وردعاً للسانٍ يسرح في أعراض الناس بغير ورع ولا خوف من الله.
في بعض الدول غير الإسلامية مثل كوريا الجنوبية يُعترف بأن ما يُعرف بـ التشهير/الإضرار بالسمعة (defamation) يمكن أن يُعاقَب بموجب القانون حتى لو كانت التصريحات صحيحة، ما دام في نشره إهدارٌ لكرامته. وهذا مبدأ قرّره الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، حين جعل للإنسان حرمةً لا تُمسّ، ورفع كرامته فوق كل اعتبار.
ومع ما يُرفع اليوم من شعارات حقوق الإنسان ويُزخرف من مواثيق عالميّة، فإن كثيراً من هذه المواثيق ، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تكتفي بذكر كرامة الإنسان وحرية الرأي والتعبير في مقدّماتها دون أن ترسم آليات واضحة لحمايتها أو تحدّد عقوبات رادعة لانتهاكها. أما الإسلام، فكان سبّاقاً إلى وضع المنهج، وبيان الوسيلة، وتشريع النظام الذي يصون الكرامة ويحفظ المقام.
